مساعدات إنسانية... شريان حياة أخير لعائلات الشمال السوري

مساعدات إنسانية... شريان حياة أخير لعائلات الشمال السوري

15 ابريل 2021
صندوق مساعدات... هذا ما حصلوا عليه (ساهر الحجي/ الأناضول)
+ الخط -

 

في الشمال السوري، يعتمد كثيرون سواء من الأهالي أو من النازحين على المساعدات الإنسانية في معيشتهم. وثمّة قلق دائم من تخفيض تلك المساعدات أو تعليقها، إذ من شأن ذلك أن يفاقم الأوضاع هناك.

عقد مضى على الصراع والتهجير، وباتت المساعدات الإنسانية شريان حياة كثيرين من سكان المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري في شمال البلاد. بالنسة إلى هؤلاء، هي تبعد عنهم شبح الجوع وتمنحهم القدرة على ترقّب اليوم التالي، آملين أن يكون أفضل من الذي سبقه. وهذه المساعدات الممنوحة من جهات دولية ومنها برنامج الأغذية العالمي، تتعرّض للعرقلة من قبل أكثر من جهة تدفع في اتجاه إغلاق المعابر الإنسانية، في محاولة لقطع هذا الشريان.

عن واقع هذه المساعدات وإمكانية زيادة الكميات الممنوحة للمواطنين في الشمال السوري، يقول مدير منظمة "سداد" الإنسانية محمد نجار لـ"العربي الجديد" إنّ "تلك المساعدات انخفضت بشكل واضح مقارنة بالأعوام السابقة، وذلك بعد 10 سنوات من عمر الصراع والحرب في سورية اللذَين أدّيا إلى تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية عاماً بعد آخر، خصوصاً في عامَي 2020 و2021 في ظلّ جائحة كورونا. لكنّه من المتوقع زيادة المساعدات الإنسانية في حال تمّ التوصل إلى اتفاق دولي على تمديد قرار توصيلها عبر المعابر الحدودية وزيادة عدد المعابر، علماً أنّه من المفترض توقف العمل بقرار التمديد بتاريخ 30 يوليو/ تموز المقبل". ويوضح نجار أنّه "بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2504، الذي يطالب كل الأطراف بالوصول الآمن من دون عوائق للقوافل الإنسانية التابعة للأمم المتحدة ولشركائها في التنفيذ، تقدّم المنظمة الأممية المساعدات إلى ملايين الأشخاص في شمال غرب سورية، عبر الحدود". يضيف نجار أنّ "ثمّة وعوداً قوية، خصوصاً في مؤتمر بروكسل الحالي للمانحين والمنظمات الدولية الذي يهدف إلى جمع نحو من 10 مليارات دولار أميركي للمساعدة الإنسانية في سورية ودعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة في المنطقة"، مفصلاً أنّ "4.2 مليارات هي للاستجابة الإنسانية في سورية و5.8 مليارات لدعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة في دول الجوار".

الصورة
فتيات سوريات نازحات في سورية (بكر القاسم/ فرانس برس)
صمودهما في حاجة إلى دعم (بكر القاسم/ فرانس برس)

ولنقص المساعدات الغذائية مخاطر كبيرة على السكان في الشمال السوري. ووفقاً لنجار فإنّ "السكان بمعظمهم ويبلغ عددهم نحو 4.3 ملايين شخص في شمال غرب سورية، يعيشون من خلال المساعدات الإنسانية في هذه الظروف الصعبة وانعدام وسائل العيش والارتفاع الكبير في البطالة وانتشار العمالة غير الآمنة كتجارة المحروقات والغاز على الطرقات وجمع النفايات"، مؤكداً أنّ "النقص في هذه المساعدات سوف يساعد في تفشي الفقر وانعدام الأمن الغذائي بين نحو 85 في المائة من السكان، وبالتالي العيش في ظروف اقتصادية صعبة قد تُجبر المعيل على ممارسة أعمال غير قانونية وإنسانية من قبيل الخطف والسرقة وبيع الأعضاء في سبيل البقاء على قيد الحياة".

وبالنسبة إلى بدائل المساعدات الإنسانية، يقول نجار إنّه بعد 10 سنوات من عمر الصراع، على المجتمع الدولي والمحلي وأصحاب القرار وأصحاب المصلحة التفكير بشكل جدي بتحويل جزء كبير من المساعدات المخصصة للغذاء إلى مساعدات نقدية بهدف دخول الأشخاص إلى سوق العمل. وذلك من خلال تشجيع العائلات وأرباب الأسر على تغيير طرق التفكير السلبي في الحاجة والاستثمار والعمل في برامج ومشاريع مولّدة للدخل، والاستثمار في الموارد المحلية المتاحة وفقاً للشروط الاجتماعية والإنسانية والبيئية". أمّا في ما يخصّ الحلول الممكنة لديمومة المساعدات الإنسانية، فيشير نجار إلى ضرورة "تقييم احتياجات السكان بشكل فعلي، والتوزيع العادل للمساعدات الإنسانية مع مراعاة الأولوية للمحتاجين، وتنوع المساعدات الإنسانية، وتحويل قسم من المساعدات الإنسانية إلى مساعدات نقدية تضمن الاستمرارية للعيش من خلال إشراك الأفراد بمشاريع منتجة، واعتماد آلية القروض الدوارة (التمويل الأصغر من دون فوائد) للأفراد والمجموعات بهدف تحفيز المجتمع على العمل والعيش بكرامة". ويشدد كذلك على ضرورة "الانتقال التدريجي من المساعدات الغذائية إلى المساعدات والبرامج الإنمائية والتعافي المبكر والاستثمار في المشاريع الزراعية والصناعية والحرف والمشاغل والبنى التحتية، ودعم المؤسسات المحلية وتفعيل دور العاملين المنقطعين عن العمل أو المفصولين سابقاً من مديريات التربية والتعليم والزراعة والمجالس البلدية والصحة وغيرها".

من جهته، يشدد مدير فريق "منسقو استجابة سورية" محمد حلاج لـ"العربي الجديد" على "الالتزام الكامل بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بموضوع دخول المساعدات الإنسانية إلى سورية، والعمل على منع الجانب الروسي من التصرفات العدائية تجاه السكان المدنيين من خلال العمل على فرض سياسة التجويع الممنهج بغية تحصيل مكاسب سياسية إقليمية ودولية، أو العمل في خارج نطاق مجلس الأمن الدولي في حال الإصرار الروسي الصيني على تعطيل القرارات". يضيف حلاج أنّ "الشعب السوري يعاني منذ عشر سنوات عواقب وخيمة للسيطرة الروسية غير الشرعية على مقدرات الدولة السورية، والتنكر لحقّ الشعب السوري الأساسي في تقرير المصير"، محذّراً من "تفاقم الأزمة الإنسانية في سورية عموماً وشمال غربها خصوصاً تبعاً لإجراءات منع المساعدات، ما يتسبب في كارثة إنسانية قد تحلّ بالمدنيين، وهو الأمر الذي يمثّل مخالفة لاتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين". ويحثّ حلاج على "ضرورة الالتزام بقوانين الحرب لتسهيل توصيل المساعدات إلى المدنيين ومنع تفاقم الأزمة الإنسانية، وذلك عبر تسهيل مرورها بسرعة وعدم التدخل فيها بطريقة تعسفية بما يضمن حرية تنقل العاملين في المجال الإنساني".

الصورة
نازحون سوريون في سورية (أحمد الأطرش/ فرانس برس)
تراجع المساعدات تهديد حقيقي لهم (أحمد الأطرش/ فرانس برس)

وجاء في بيان صدر عن فريق "منسقو استجابة سورية" في 29 مارس/ آذار الماضي، أنّ "العوائق التي تضعها روسيا في طريق المساعدات الإنسانية المقدمة للمدنيين، سوف تتسبب في تضخيم معاناتهم وحرمانهم من احتياجاتهم الأساسية، ما يتطلّب القيام بإجراءات تضمن توصيل المساعدات إلى الفئات الأشد احتياجاً لها وعدم استهداف أو مضايقة فِرق الإغاثة الإنسانية في خلال قيامها بأعمالها، الأمر الذي سوف يسبب مجاعة شاملة في شمال غرب سورية". أضاف بيان الفريق أنّ "وقف إدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى شمال غرب سورية سوف يتسبب في زيادة معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة في المنطقة، وازدياد حالات سوء التغذية الحاد عند الأطفال والأمهات بشكل أكبر عن النسب السابقة، وانهيارات اقتصادية متعاقبة خصوصاً مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وفقدان الليرة السورية قيمتها الشرائية، وازدياد أعداد القاطنين في المخيمات، نتيجة لجوء الآلاف من المدنيين إليها بهدف الاستقرار فيها وعجزهم الكامل عن التوفيق بين المأوى والغذاء، وانعدام الخدمات الطبية الأساسية في المشافي والنقاط الطبية في المنطقة، خصوصاً مع الاستهداف المتكرر للمنشآت الطبية في المنطقة وتسجيل أكثر من 21 ألفاً و286 إصابة في المنطقة". ويلفت إلى "تفاقم الحالة المأساوية في المخيمات التي تحصل على خدماتها من المنظمات الإنسانية، بسبب العجز عن تقديم المساعدات، مع العلم أنّ تلك المخيمات تعاني بشكل كبير من ضعف المساعدات المقدّمة".

وشدّد الفريق في البيان نفسه على أنّه "لا ينبغي السماح بمزيدٍ من التدهور في الأزمة الإنسانية الواقعة في شمال غرب سورية، خصوصاً في ما يتعلق بتوصيل المساعدات الغذائية، الأمر الذي يستدعي تدخلاً دوليّاً لضمان السماح للمنظمات الإغاثية تقديم مساعداتها للمدنيين في المنطقة بشكل كامل من دون قيود". ودعا الفريق مجلس الأمن الدولي "ألا يسمح بالعودة إلى سياسة الوضع القائم في شمال غرب سورية، وعدم التقليل من شأن العواقب التي قد تنجم عن السماح لروسيا بالتمادي في تعنتها دون أيّ مساءلة"، وحثّه على "التعجيل في تجديد آلية دخول المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سورية، والتشديد على التزام المانحين في مؤتمر بروكسل بمواصلة تقديم المساعدات الإنسانية. ونحثّ جميع أعضاء مجلس الأمن على مضاعفة التزامهم بالعملية السياسية بهدف التوصل إلى حل دائم يحترم احتراماً كاملاً حق الشعب السوري في تقرير المصير والاستقلال".

صحة
التحديثات الحية

في سياق متصل، يؤكد النازح من ريف حمص الشمالي، عمار المحمد وهو أب لثلاثة أطفال، أنّ "أيّ تخفيض جديد في سلة الإغاثة الممنوحة من برنامج الأغذية العالمي هو أمر في غاية في الخطورة". ويقول لـ"العربي الجديد" إنّ "الأمر صعب جداً، فالسلة تمنحنا مواد أساسية وتخفف عنّا ضغطاً كبيراً في تأمين الغذاء، خصوصاً مع توقف العمل في كثير من الأحيان في خلال السنة"، مضيفاً أنّ "في هذه الأوقات التي ينعدم فيها الدخل، تكون سلة الأغذية التي تصل إلى مخيمنا في ريف إدلب هي سندنا الوحيد". ويلفت المحمد إلى أنّ "الفائدة اليوم تكون في مساعدة الأهالي، في الوضع الحالي وفي ظل هذه الأزمة وتخفيف العبء عن العائلات التي ليس لها أيّ دخل مادي"، مؤكداً أنّ "تخفيض المساعدات أو قطعها ينذر بكارثة حقيقية. فبالنسبة إلى عائلات معيّنة، فإنّ هذه السلة بالكاد تسدّ جزءاً من حاجتها. وقد يأكل الناس بعضهم بعضاً في حال انعدام هذه المساعدات".

تجدر الإشارة إلى أنّ برنامج الأغذية العالمية، وفقاً لبياناته، يوزّع الأغذية المنقذة للحياة على نحو 4.8 ملايين شخص شهرياً في كلّ أنحاء سورية، من ضمنها مساعدات غذائية طارئة على الأسر في شمال غرب سورية، لتلبّي احتياجات الأهالي الضرورية في خلال الأزمات.

المساهمون