مدارس أونروا... المهجّرون في مرمى الاحتلال

مدارس أونروا... المهجّرون في مرمى الاحتلال

21 أكتوبر 2023
الاحتلال يلاحق أهالي غزة ويهدّدهم حتى في مراكز الإيواء الأممية (فتحي مجدي/ Getty)
+ الخط -

 

ضارباً عرض الحائط بكلّ المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بالنزاعات والحروب التي تحيّد المراكز الصحية والأممية وغيرها، وجّه الاحتلال الإسرائيلي أخيراً أوامره إلى "أونروا" لإخلاء مدارس تابعة لها تؤوي نازحي قطاع غزة.

في إطار مخطّطاته الهادفة إلى تهجير أهل غزة، والتي أعلن عنها بوضوح في خلال عدوانه الأخير على القطاع المحاصر، يمضي الاحتلال الإسرائيلي في توجيه أوامر إخلاء. ولم تعد تلك الأوامر محصورة بشاغلي المناطق السكنية، إنّما توسّعت لتطاول المستشفيات التي لجأ كثيرون إليها وقد نزحوا من بيوتهم، وأخيراً المدارس التابعة لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التي تؤوي نحو 500 ألف مهجّر من بين مليون مهجّر تقريباً، بحسب ما تفيد بيانات الوكالة.

وأخيراً، أعلنت وكالة أونروا عن تلقّيها أوامر إسرائيلية بإخلاء عدد من مدارسها المكتظّة بالنازحين في منطقتَي الرمال وتلّ الهوا بمدينة غزة، مع الإشارة إلى أنّ المنطقتَين استُهدفتا بطريقة عنيفة جداً من قبل آلة الحرب الإسرائيلية، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري. وبينما يهيمن الدمار على المشهد في هاتَين المنطقتَين اللتَين تضمّان مقرّات مؤسسات إلى جانب مبانٍ سكنية، كانت مدارس الوكالة الأممية لا تزال وحدها المحيّدة. لكنّ الأمر اختلف أمس الجمعة، إذ أصدرت الوكالة بياناً جاء فيه "أبلغتنا إسرائيل بضرورة إخلاء هذه البنى التحتية في أسرع وقت ممكن"، مشيرة إلى خمس مدارس. وقد أعربت "أونروا" عن أسفها، موضحة "لقد فعلنا ما في وسعنا للاحتجاج ورفض هذا القرار، لكنّ الخلاصة هي أنّه من الآن فصاعداً لم تعد بنانا التحتية آمنة"، داعية إلى إخلاء "فوري".

وفي هذا الإطار، صرّح أمين سر اتحاد الموظفين العرب في وكالة أونروا محمد شويدح محمد شويدح بأنّه منذ اللحظة التي تلقّى فيها مكتب عمليات الوكالة المركزية للأشخاص النازحين في منشآت "أونروا" بلاغ الجيش الإسرائيلي، بدأت بالتفكير في مصير العائلات النازحة والتخطيط لما يمكن فعله، مشيراً إلى أنّ تلك العائلات نزحت إليها من "أقصى شمالي قطاع غزة ومن شرق مدينة غزة، وقد بلغت تلك المدارس كامل قدرتها الاستيعابية".

ومدارس "أونروا" التي تلقّت أوامر بالإخلاء هي مدرسة الرمال الإعدادية المختلطة، ومدرسة تل الهوا الإعدادية والابتدائية للبنين "أ" و"ب"، ومدرسة البحرين الابتدائية للبنين "أ" و" ب"، ومدرسة تل الهوا الابتدائية للبنات "أ" و"ب"، ومدرسة تل الهوا الإعدادية للبنات.

من جهتها، دعت حركة حماس وكالة أونروا إلى عدم إخلاء تلك المدارس من النازحين، وأصدرت بياناً صحافياً، مساء أمس الجمعة، جاء فيه "ندعو إدارة وكالة أونروا إلى عدم الرضوخ للتهديدات الإسرائيلية التي طالبتها بإخلاء خمس مدارس تُستخدَم كمراكز إيواء للنازحين في مدينة غزة"، بحسب ما أفادت "وكالة قدس برس" للأنباء. أضافت الحركة في بيانها أنّها تدعو "أونروا" كذلك إلى "مواصلة القيام بواجبها القانوني والأخلاقي برعاية أولئك النازحين في تلك المدارس الذين لا مكان أو مأوى لهم من عدوان الاحتلال".

الصورة
مدرسة أونروا استهدفها قصف إسرائيلي في غزة (فتحي مجدي/ Getty)
في مدرسة "أونروا" استهدفها الاحتلال الإسرائيلي وسط غزة (فتحي مجدي/ Getty)

موظفو أونروا ضحايا الاحتلال

يُذكر أنّ 17 موظفاً على في وكالة أونروا لقوا حتفهم منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بحسب ما أفاد مفوّضها العام فيليب لازاريني، اليوم السبت. وإذ قال لازاريني في بيان: "تأكّد مقتل 17 من زملائنا حتى الآن في هذه الحرب الشرسة"، أضاف "للأسف سوف يكون العدد الفعلي أعلى على الأرجح".

وخشية استهداف الاحتلال هذه المدارس بعد إنذارها، مثلما فعل مع "المستشفى المعمداني" وكنيسة القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس في حي الزيتون بمدينة غزة مرتكباً مجزرتَين، في الأيام الماضية، راحت عائلات تخلي تلك المدارس المهدّدة، مساء الجمعة، بعدما تمكّنت من تأمين وسائل نقل، في حين أنّ عائلات أخرى انطلقت منها سيراً على الأقدام عبر شارع صلاح الدين، أمّا الوجهة فوسط قطاع غزة وجنوبه.

وبدا شويدح غير قادر على تقدير أعداد النازحين في تلك المدارس الخمس، غير أنّه أشار إلى أنّها تؤوي عشرات الآلاف لكنّها أُجبرت على وقف دعمها في الوقت الحالي. أضاف أنّهم احتجّوا على قرار الإخلاء وحاولوا البقاء، لكنّه من غير الممكن تحمّل مسؤولية عشرات آلاف النازحين وسط التهديدات الإسرائيلية.

وأكد شويدح أنّ "أونروا أفادت بأنّ المدارس في خطر وهي غير قادرة على حمايتها ولا على تقديم الخدمات لشاغليها، وبالتالي لا بدّ من الإخلاء". ورأى أنّه من واجب المجتمع الدولي "حماية مراكز أونروا التي تؤوي النازحين"، مبيّناً أنّ هؤلاء "يعيشون في حالة من الخوف، وثمّة منهم من فقد أفراداً من عائلاتهم أو أصيب أطفالهم". وشدّد على أنّهم مهدّدون بـ"خطر مستمرّ".

يُذكر أنّ يوم الثلاثاء الماضي، بالتزامن مع مجزرة "المستشفى المعمداني"، استهدف الاحتلال مدرسة تابعة لوكالة أونروا تؤوي نازحين في مخيّم المغازي وسط القطاع، الأمر الذي خلّف قتلى وجرحى. وكانت أخرى قد استُهدفت كذلك في الأيام السابقة.

لا يعرفون أين يذهبون

ومدارس "أونروا" التي تلقّت أوامر الإخلاء كانت قد بدأت، إلى جانب المدارس الأخرى التي تديرها الوكالة الأممية، تستقبل النازحين منذ اليوم الأول من العدوان الأخير. وهي اعتادت على إيواء أهالي غزة في خلال الحروب الإسرائيلية السابقة على القطاع المحاصر.

ويعبّر النازح سامح السلطان لـ"العربي الجديد" عن استغرابه إعلان "أونروا" أنّها "لا تستطيع تحمّل مسؤولية النازحين في المدارس بعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية"، مشيراً إلى أنّ "المستشفيات التي تلقّت أوامر مماثلة رفضتها، وبرّرت ذلك بأنّها مسؤولة عن المرضى والجرحى فيها". وكان السلطان البالغ من العمر 47 عاماً، وهو أب لستّة أبناء، أكبرهم يبلغ 21 عاماً وأصغرهم تسعة أعوام، قد لجأ مع عائلته إلى مدرسة تل الهوا الإعدادية، علماً أنّ أهله بمعظمهم نزحوا من بلدة جباليا وكذلك بلدة بيت لاهيا إلى مدارس "أونروا" المستهدفة. يخبر السلطان: "نزحنا للمرّة الأولى إلى مدرسة المأمونية وسط مدينة غزة، لكنّها تعرّضت للقصف، فانتقلنا إلى هنا، وقد قدّرنا أنّ منطقة تل الهوا آمنة إذ تضمّ مستشفيات وأبراج سكنية ومطاعم والحياة نشطة فيها. لكنّ المنطقة تحوّلت إلى مدينة أشباح، وسط القصف اليومي، في حين أنّ رعباً كبيراً يسيطر عليها في المساء".

ويرى السلطان أنّ الخيار المتاح أمامه هو الانتقال إلى "وسط قطاع غزة، إلى أيّ مكان مزوّد بأبواب نستطيع أن نغلقها علينا عندما ننام، ولا يهمّ إن كانت مدرسة أو أيّ شيء أخرى". وقد انطلق السلطان، صباح اليوم، سيراً على على الأقدام من مدرسة "أونروا" المهدّدة، برفقة عدد من النازحين، علماً أنّهم بمعظمهم لا يعرفون إلى أين يتوجّهون.

إلى جانب هؤلاء، انطلقت أعداد أخرى من المهجرين في شاحنات كبيرة مفتوحة، منها ما يُخصَّص لنقل الماشية، بحسب ما يقول النازح عبد الرحمن أبو سُرّة (36 عاماً). هو كان قد لجأ إلى واحدة من مدارس "أونروا"، بعدما نزح من حي الشجاعية. ويشير أبو سرّة لـ"العربي الجديد" إلى أنّه وكثيرين وغيره من الذين أخلوا المدارس المهدّدة يرون أنّ "النزوح جماعياً في شاحنات مفتوحة قد يكون أكثر أماناً، وقد يجنّبهم قصف طائرات الاحتلال الإسرائيلي"، شارحاً انّ "طائرات الاستطلاع الإسرائيلية تراقبنا طوال الوقت، حتى عندما كنّا في داخل المدارس. ونحن نراها بالعين المجرّدة، لا سيّما أنّها تقترب اليوم من الأرض أكثر من أيّ وقت سابق".

الصورة
مدرسة أونروا تؤوي نازحين في غزة (دعاء الباز/ الأناضول)
لم تعد وكالة أونروا قادرة على توفير حماية للنازحين في بعض مدارسها (دعاء الباز/ الأناضول)

البحث عن مأوى جديد

ويقول أبو سرّة: "لا نفكّر الآن إلا بالأمان، سواءً في خيمة أو في مدرسة في جنوب غزة. نحن ننطلق من دون أن نعلم إلى أين. اتّصلت بأصدقاء كثيرين، وقد أخبرني أحدهم أن أصغر المنازل في مدينتَي رفح وخان يونس شغله العشرات، وفي منازل أخرى ثمّة مئات". ويتابع: "لذا لا نعلم إلى أين سوف يؤدّي طريقنا".

من جهته، يخبر سمارة العوضي البالغ من العمر 31 عاماً، وهو أب لطفلَين في الخامسة والثالثة من عمريهما، أنّه سوف يبحث عن مأوى جديد في خان يونس. هو سمع بإنشاء أوّل مخيّم للنازحين هناك، وسوف يحاول الحصول على خيمة فيه، بحسب ما يقول لـ"العربي الجديد". فهو لم يجد أيّ مكان آخر في رفح أو خان يونس، علماً أنّ أهله كانوا قد نزحوا إلى الأخيرة في الأيام الأولى من العدوان، غير أنّه أراد البقاء في غزة بالقرب من منزله الواقع في حي النصر. ويلفت العوضي إلى أنّ منزله "تعرّض لأضرار بالغة، وقد اكتشفت ذلك عندما تفقّدته قبل أيام".

ويتابع العوضي أنّ "في البحر غربي غزة قوات إسرائيلية، وفي الشرق دبابات الاسرائيلية، وفي السماء طائرات إسرائيلية. إذا توجّهنا إلى معبر رفح يقصفنا الاحتلال وإذا بقينا في الشمال يقصفنا". ويكمل: "إمّا أن ننجو، وأعيش مع طفلَي وزوجتي بمعجزة، وإمّا نموت بهدوء. وهذا ما أتمنّاه. لا اريد العذاب لطفلَيّ... أنا الآن بلا منزل ولا مأوى ووطني محتلّ".

المساهمون