فتش عن التسرب

25 يناير 2021
الصورة
فرص تسربهم كبيرة جداً (أنينديتو موخيرجي/ Getty)
+ الخط -

واحدة من الظواهر الأكثر بروزاً في الدول الفقيرة، تمثلت في العامين الأخيرين، في التسرب المدرسي. حدث هذا قبل كورونا وتضاعف بعده، وهي معضلة تقود إلى أخرى أكبر، أبرزها تعذر - إن لم نقل استحالة - تحقيق التنمية البشرية، باعتبار أنّ العلم بات مفتاح التقدم البشري على الصعد الاجتماعية والصحية والثقافية وغيرها. وقد قاد الوضع التعليمي المتقلقل بين التدريس المباشر والتعليم المنزلي إلى رفع دراماتيكي لمعدلات التسرب المدرسي، بدءاً بالمراحل الأولى والأساسية للتعليم وصولاً إلى التعليم الجامعي. أما الأسباب فمتعددة، منها اقتصادية عانى منها الأهل، وعجزوا معها عن تأمين الأقساط أو التكاليف المطلوبة للعملية التعليمية وغيرها. 
التسرب الأعلى هو الذي سجلته الفئات المهمشة؛ حدث ذلك من دون أن يمتلك هؤلاء المهارات اللازمة للتأهيل المهني أو الحرفي للحصول على عمل مفقود، بالنظر إلى مضاعفات انتشار الوباء على الأنشطة الاقتصادية، وعليه يمكن القول إنّ الخسارة هنا كارثية. وتفيد إحصاءات وبيانات الأمم المتحدة بما فيها منظمة الأمم المتحدة للعلم والثقافة "يونيسكو" بأنّ عملية إغلاق المدارس أظهرت تبايناً هائلاً بحسب مستوى التنمية التي تعيشها المجتمعات. على سبيل المثال "كان 86 في المائة من الأطفال في التعليم الابتدائي خارج المدارس من الناحية الفعلية خلال الربع الثاني من عام 2020 في البلدان التي توجد بها مستويات متدنية للتنمية البشرية، مقابل أقل من 20 في المائة في البلدان التي توجد بها مستويات عالية جدا للتنمية البشرية". هذا البون الشاسع سيضاعف من حدة التفاوت الطبقي والاجتماعي بين هذه الدول وتلك، ومجتمعاتها باعتبار أنّ المصدر الأساس للثروة أصبح العلم. ومعها سيتواصل الزحف نحو البلدان المتقدمة للعمل في المهن التي يأنفها أبناء تلك المجتمعات، والتي تتطلب مجهودات عضلية قاسية، مقابل مردود متدنٍ غالباً، ومن دون ضمانات اجتماعية وصحية مقبولة. 
لكنّ التسرب هو شكل واحد من أشكال المعضلة، إذ هناك أشكال أخرى أبرزها التأثير السلبي للانقطاع الدراسي على مستوى التلاميذ والطلاب، وهو ما سيعانيه منهم الأكثر ضعفاً، وغالبية هؤلاء ممن لا تتوافر الظروف المنزلية اللازمة لدراستهم، وهم  يواجهون محدودية المقدرات التي تكفل استمراريتهم في التعلُّم المنزلي. وتبعاً لذلك، ستظهر هوة معرفية واسعة بينهم وبين زملائهم ممن تتوفر لهم الظروف المؤاتية. وغالباً ما يكون هذا التفاوت والعجز عن اللحاق بأترابهم هو المدخل نحو ترك الدراسة. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تآكل القدرة الاقتصادية لذويهم ولهم، ويحول دون قدرتهم على الصمود إذا كانوا من الطبقات الفقيرة والمهمشة كاللاجئين والمشردين. 
 

موقف
التحديثات الحية


وقد تبين إحصائياً أنّ ما يقدر بنحو 40 في المائة من أشد البلدان فقراً، فشلت في دعم طلاب العلم المعرضين لهذه المخاطر خلال الأزمة، كما ظهر ازدياد التفاوت في التعليم وانعدام المساواة بين الجنسين، وسجلت حالات متزايدة من العنف الأسري والعائلي والزواج المبكر للفتيات، وحالت المشاركة في  الأعمال المنزلية والزراعية وغيرها دون حصول الأطفال على وقت كافٍ للتعلم. على أنّ الأكثر فجاجة هو أنّ استراتيجيات التعلم عن بُعد لا تراعي دائماً الأطفال ذوي الإعاقة الذين كانوا مهمّشين بالفعل قبل تفشي المرض، فما بالك بما بعده؟ وتبيّن أنّ أكثر طلاب العلم ضعفاً هم من بين أولئك الذين لديهم مهارات رقمية ضعيفة، ومن أقلهم قدرة على الوصول إلى ما يلزم من معدات وتجهيزات من أجل الإفادة من الحلول التي يجري تنفيذها أثناء إغلاق المدارس. 
(باحث وأكاديمي)

المساهمون