أجيال الفقر ووباء كورونا

17 يناير 2021
الصورة
تلميذ عن بعد في المغرب (فاضل سنّا/ فرانس برس)
+ الخط -

الإنفاق في الدول النامية على العموم لا يدخل التعليم في قائمة أولوياته. دوماً يحتل الإنفاق العسكري والأمني المقام الأول، وكذلك تمويل التجارة الخارجية وبعض أجزاء البنية التحتية كونها مجالاً للسمسرة والفساد والتربح، ما يدفع بأقسام من المؤهلين للقيام بمهمة النهوض بالمستوى التعليمي للهجرة، سواء نحو الدول النفطية أو الدول المتقدمة. كما أن إنشاء المدارس الحديثة وتأهيل المعلمين والأساتذة وتجهيزها بالوسائل التكنولوجية والمختبرات والمكتبات لا يقع محل الاهتمام الرئيس لدى الكثير من الدول. ولذلك تتبدد الموازنات العامة السنوية على نفقات يصعب القول إنها تساهم في السير خطوات نحو التنمية الحقيقية. وهو ما يقود إلى هوة كبرى برزت آثارها فادحة عندما اضطرت هذه الدول مرغمة، ودون إعداد كافٍ للانتقال إلى التعليم عن بُعد مع إقفال المدارس والجامعات.  
ومما لا شك فيه أن التعليم بحاجة إلى التمويل، وهو استثمار بعيد الأمد لا تحصد الدول والمجتمعات نتائجه سريعاً. فالطالب عليه أن يجتاز مراحله التعليمية سواء أكانت أكاديمية أو مهنية قبل أن يصبح منتجاً، ولهذا أكلافه الباهظة. الوباء فرض منطقه، فتوجهت القدرات نحو الاحتياجات الصحية في المقام الأول، ثم المساعدات الإغاثية للملايين من المحتاجين الذين توقفت مداخليهم وباتوا عاجزين عن تأمين قوت عيالهم. إذن سيحدث، وقد حدث خلال الجائحة، زحف لهذا التمويل المحدود من التعليم إلى الصحة، ما يعني زيادة الضغوط المادية على القطاع. وعليه من المقدر أن يواجه تمويل التعليم تحديات كبرى تؤدي إلى تفاقم الفجوات الهائلة بين المرصود والمتوافر للتعليم من أموال. وتتحدث تقارير الأمم المتحدة عن "فجوة متعاظمة بين البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا. على سبيل المثال، بلغت هذه الفجوة مبلغاً مذهلاً قدره 148 مليار دولار سنوياً، وقد ترتفع الآن بما يصل إلى الثلث"، أي إلى ما يقارب الـ190 مليار دولار. يحدث هذا فيما بات الهم الأساس لمثل هذه الدول توفير المستوردات الصحية والغذاء اليومي لسكانها، هذا إذا افترضنا وجود إدارة رشيدة وحوكمة عادلة في توزيع الثروة ومقومات العيش بين السكان. وعندما نعلم أن معظم هذه الدول تعاني من فسادٍ مستشرٍ وديون متراكمة، يمكن لنا أن نتصور أن المبالغ التي كانت تقتطع للتعليم في الموازنات العامة ستنحسر حكماً، ما سينعكس على مجمل السكان، ولا سيما الفئات المهمشة والأكثر فقراً. 

موقف
التحديثات الحية

والحقيقة أنه قبل الجائحة، كان العالم الفقير يعاني بالفعل من تحديات هائلة في الوفاء بوعد تأمين التعليم للجميع كحق أساسي من حقوق الإنسان. وعلى الرغم من التعميم الواسع للالتحاق بالتعليم في الصفوف المبكرة في أغلب البلدان، فقد كان هناك عدد مذهل من الأطفال تعداده أكثر من 250 مليون طفل خارج المدارس، يضاف إليهم نحو 800 مليون أمي بالغ. لكن المشكلة الأكثر فداحة تتمثل بأن التعلُّم لم يكن مضموناً على الإطلاق، حتى لأولئك الملتحقين بالمدارس. ويُقدَّر أن قرابة 387 مليون طفل، أو 56 في المائة ممّن هم في سن المدرسة الابتدائية على مستوى العالم، يفتقرون إلى مهارات القراءة الأساس. والمؤكد أن التعليم عن بُعد فاقم الوضع، باعتبار أن الملايين التي كانت تعاني من تدني مستوى ما تحصل عليه من معارف أولية، باتت تفتقد الآن كل المقومات اللازمة للعملية التعليمية، نظراً لإقفال المدارس وغياب البيئة المنزلية وقدرة الأهل على المساعدة وغيرها من مسائل ملحة. 
(باحث وأكاديمي)

المساهمون