عادات رمضانية صامدة في تونس

عادات رمضانية صامدة في تونس

26 ابريل 2022
يتسابق التونسيون على صلاة التراويح في الشهر الفضيل (ياسين القايدي/ الأناضول)
+ الخط -

تفوح رائحة رمضان من البيوت التونسية خلال شهر الصيام، فيما يتمسّك التونسيون بعاداتهم الاجتماعية وتقاليدهم التي ما زالت صامدة على الرغم من مرور سنين وعلى الرغم من الظروف الاجتماعية الصعبة. وللصيام نكهته الخاصة في هذه البلاد، وسط أجواء روحانية فريدة وطقوس مميّزة تختلف بين الجهات والمحافظات.
قبيل حلول الشهر الكريم، يقضي التونسيون أياماً من التحضيرات لاستقباله، فيعمد كثيرون إلى تنظيف المنازل بالكامل ومنهم من يجدّد طلاء الجدران الخارجية والأبواب استبشاراً به. كذلك ثمّة من يجدّد السفرة والتجهيزات، فيما تقبل النساء خصوصاً على شراء أوان جديدة أو تجديد ما تيسّر من مستلزمات الطهي من أدوات وزينة. ويُصار في الإطار نفسه إلى تخزين مؤن وحاجيات مختلفة، علماً أنّ الناس يتهافتون على استكمال "قَضْيَة رمضان" من معجّنات وزيت وطحين وسكّر وبيض وما إلى ذلك من المتوفّر في الأسواق.
يقول رئيس جمعية "تراثنا" زين العابدين بلحارث لـ"العربي الجديد" إنّ "ثمّة عادات رمضانية لدى العائلات التونسية ما زالت راسخة ولم تغيّرها الأيام، من قبيل عادة شراء قطعة رمضان، أي عندما تعمد ربّة البيت إلى شراء أوان ومواعين (أدوات المائدة) خاصة بهذا الشهر رمضان من كؤوس وصحون ومناديل وغيرها". يضيف بلحارث أنّه من "العادات كذلك تحضير مؤونة رمضان التي تختلف عن مؤونة بقيّة العام، من بهارات وتوابل ودقيق وسمن وموالح وبقول، وكل المكوّنات المطلوبة لتحضير الأطباق المختلفة والحلويات".
ويحكي بلحارث أنّ "عائلات كثيرة تعمد إلى تبييض المنازل وتنظيفها وغسل المفروشات والأغطية والمناديل احتفاءً برمضان"، مضيفاً أنّ "القائمين على المساجد والجوامع يبيّضون كذلك جدرانها وينظفون سجاداتها ومآذنها ويزيّنون الأماكن المخصصة لإفطار الصائمين فيها". وعن اللباس التقليدي، يشرح بلحارث أنّ "ثمّة كسوتَين، واحدة مخصصة للتروايح وأخرى للعيد"، لافتاً إلى "تنوّع اللباس التقليدي التونسي. فالرجال يرتدون البرنس والجبة والسدرية والفرملة والبلغة ويعتمرون الشاشية القرمز على رؤوسهم، أمّا النساء فيرتدينَ السفساري أو الملية والعجار والخامة والقفطان ومريول فضيلة".
ويوضح بلحارث أنّ "جمعية تراثنا تركّز عملها على الجانب الاحتفالي من خلال السهرات والمسامرات الرمضانية، من قبيل الخرجات؛ خرجة الطريقة العيساوية وخرجة الاسطمبالي وخرجة نبيتة البلوط. وتأتي على شكل مسرحيات فكاهية في حيّ باب سويقة وسط العاصمة".

مواد غذائية لشهر رمضان في تونس (فتحي بلعيد/ فرانس برس)
قبيل رمضان يهيّئ التونسيون التوابل والبهارات والهروس والزيتون وما إليها (فتحي بلعيد/ فرانس برس)

"ليلة الڨرش"
وتختلف عادات التونسيين المقيمين في العاصمة عن عادات المواطنين في جهات أخرى. وتقول الخالة سعاد لـ"العربي الجديد" إنّ "ثمّة عادات ما زالت حاضرة بيننا، من قبيل ليلة الڨرش أي الليلة التي تسبق بداية الصيام في جهة تستور بمحافظة باجة (شمال غرب). فنعدّ طبق المدموجة وكذلك فطائر التركي"، شارحة أنّ "المدموجة تتكوّن من سميد وفارينة (دقيق) يُخلطان ويُعجنان مع إضافة قليل من الزيت، وفي النهاية تُقلى في الزيت. وبعد تحميرها، تُقطَّع ويُضاف السكّر وكذلك الفواكه والتمر، وتُزيَّن". تضيف الخالة سعد "أمّا فطائر التركي، فتُعجَن مع البيض والخميرة وقليل من الزيت وتُمَدّ ثمّ تُقطَّع وتشكَّل بالأصابع على هيئة وردة قبل قليها ثمّ إضافة الشحور المعدّ من السكر إليها وكذلك السمسم".

قضايا وناس
التحديثات الحية

وتشير الخالة سعاد إلى المثل الشعبي القائل: "اليوم الڨرش وغداً طويان الكرش"، لأنّ الناس يُقبلون على هذه الوجبة الدسمة استعداداً لصعوبة أوّل أيام الصيام". وتؤكد أنّ "المدموجة أكلة دسمة ومحبوبة تُهدى للعروس في فترة خطوبتها، في عادة تسمّى الموسم. ويعمد العريس إلى زيارة عروسه ويحمل لها إمّا المدموجة وإمّا فطاير التركي، مع هدية إمّا جهاز للبيت أو حليّ من الذهب".
وتوضح الخالة سعاد أنّ "عائلات عديدة في جهة تستور ما زالت متمسّكة بهذه الأطباق الشهية لأنّها متميّزة ومتكاملة، ففيها الفواكه المجففة وكذلك التمر الذي يساعد في تحمّل الصيام إذ يشعر الصائم بالشبع نظراً إلى قيمته الغذائية العالية". وتقول إنّ "حماتي، رحمها الله، كانت متمسّكة بعادة ليلة الڨرش، فتعدّ المدموجة وترسلها في أطباق لكلّ أبنائها المتزوّجين، وأنا بدوري أحافظ على هذه العادة".

تمور في شهر رمضان في تونس (ياسين القايدي/ الأناضول)
التمور تساعد في تحمّل الصيام نظراً إلى قيمتها الغذائية العالية (ياسين القايدي/ الأناضول)

مائدة تزخر بالخيرات
من جهتها، تحكي الخالة مبروكة التي تقيم في قرية كسرى بمحافظة سليانة (وسط غرب) عن عادات رمضان بكثير من التأثّر، فرمضان بالنسبة إليها "شهر الخير والرحمة، ومع حلوله تأتي الخيرات والبركات. وعلى الرغم من صعوبات الحياة، نستعدّ للشهر الكريم بتخزين بعض من العولة (مخزون غذائي من أصل نباتي) قبل أيام". تضيف الخالة مبروكة لـ"العربي الجديد": "قبيل رمضان، نستعدّ من خلال تهيئة التوابل والبهارات والهروس والزيتون والزيت والدقيق وطحين وكلّ ما يمكن تخزينه حتى نستفيد منه في أيام الصيام لإعداد ما لذّ وطاب للعائلة"، مشيرة إلى أنّ "هذه عادة الأجداد ولا نغيّرها ولا نتخلّى عنها، وكل ما نخزّنه نعدّه بأيدينا لأنّنا لا نحبّذ المستحضرات المصنّعة والمواد الجاهزة للاستهلاك التي تكثر في المساحات التجارية اليوم".
وتؤكّد مبروكة أن "مائدة رمضان تزخر بالخيرات، ففيها لبن الأبقار الطازج، تلك الأبقار التي ترعى في مروج المنطقة، وبيض الدجاج الذي يتغذّى من قمح هذه الأرض الطيبة"، لافتة إلى أنّ "الخبز يُعَدّ من الطحين والسميد اللذَين تنتجهما مزارع المنطقة. ويأتي على شكل فطير الملاوي أو خبز القرص المُعَدّ في الطابونة (تنوّر من الطين)". وتتابع مبروكة أنّ "حساء شربة الشعير بدوره يُعَدّ من مخزون البيت".

المساهمون