زيادة الاعتداءات الجنسية في باكستان

23 سبتمبر 2020
الصورة
تظاهرة رفضاً للاعتداءات الجنسية (عارف علي/ فرانس برس)
+ الخط -

تشهد مختلف المدن الباكستانية ارتفاعاً في نسبة جرائم التحرّش والاعتداءات الجنسية بالمقارنة مع الأرياف والقرى النائية، في ظل ضعف تطبيق القانون في المدن. وبسبب الثغرات الكثيرة في بنوده، يمكن للجناة التخلص من العقاب بسهولة. أما في الأرياف، فإن الأعراف القبلية تعدّ صارمة في هذا الإطار. 
من جهة أخرى، فإنّ ما تشهده المدن يثار في وسائل الإعلام ويدفع السياسيين إلى إطلاق التصريحات. أما في الأرياف، فيتم التعتيم على تلك القضايا في معظم الأحيان، أو تفصل فيها الزعامات القبلية. كما أن أهالي الضحية يفضلون الصمت ويختارون الانتقام الشخصي، ما يؤدي إلى عداءات بين الأسر. 

أخيراً، شهدت مديرية لسبيله في إقليم بلوشستان، جنوبي باكستان، جريمة اعتداء جنسي بحق طفل لم يتجاوز عمره السبعة أعوام. لم يكتف الجناة الثلاثة بالاعتداء الجنسي عليه، بل صبوا فوق جسده مادة كيميائية ما أدى إلى إحراق جزء منه، ثم تركوه قرب مستشفى محلي وهو في حالة إغماء. واكتفت السلطات المعنية بالإعلان عن اعتقال الجاني الرئيسي ويدعى محمد رحيم، مع الوعد بتحقيق شامل في القضية. ويتلقى الطفل الضحية العلاج في أحد المستشفيات المحليّة من دون أن تثار القضية في وسائل الإعلام.
في المقابل، أثارت قضيّة الاعتداء الجنسي على امرأة باكستانية في التاسع من الشهر الجاري، على الطريق الرئيسي الذي يربط بين مدينة سرغودها في إقليم البنجاب وبين العاصمة إسلام آباد، ضجة كبيرة في باكستان، تحديداً في البرلمان ومجلس الشيوخ، ما أرغم الحكومة على سن قوانين جديدة. والفرق بين القضيتين هو أن الأولى وقعت في منطقة ريفية، بينما الثانية شهدتها المدينة.
في هذا السياق، يقول الناشط الباكستاني محمد شفيق، لـ"العربي الجديد"، إنّ "المشكلة الأساسية في هذه الجرائم تكمن في أداء الحكومة وكيفية تعاملها مع القضية، عدا عن التباينات الموجودة في النظام السائد في الأرياف والمدن. في الأخيرة، تكثر الجرائم المماثلة بالمقارنة مع الأرياف، لكن تبعاتها في الأرياف أخطر على الرغم من قلّتها. وفي معظم الأحيان، تنجم عنها مشاكل اجتماعية أخرى".
يضيف شفيق أنّ النظام القبلي يحكم أحياناً على الجناة، لكنه لا يستطيع ذلك في بعض الأحيان الأخرى. بالتالي، تلجأ أسرة الضحية إلى الانتقام الشخصي وقتل الجاني، ما يؤدي إلى عداء يستمر عقوداً، تتدخل فيه القبائل بحكم الولاء القبلي. وفي المدن، يلجأ الجميع إلى القانون.
وفي تفاصيل قضية المرأة أنها خرجت من منزلها مع أولادها في التاسع من الشهر الجاري في سيارة خاصة تعطلت أثناء قيادتها لها، فاتصلت بأقاربها لمساعدتها. لكن قبل وصولهم، جاء عدد من الشبان يطلبون المساعدة. جلست المرأة في السيارة وأغلقت الأبواب، لكنهم كسروا الزجاج وأخرجوا المرأة من السيارة وأخذوها بالقوة إلى غابة قريبة، واعتدوا عليها جنسياً وضربوها.
ولمّا وصل أقاربها، وجدوا آثار دماء على السيارة من دون أن يجدوا المرأة وأولادها. وبعد قليل، جاءت المرأة إلى السيارة وأخبرتهم بما حصل معها. رفضت عائلة المرأة الصمت، ما أجبر الحكومة على سن قوانين جديدة. 
وطرح رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان وأحزاب إخصاء الجناة، وتنفيذ حكم الإعدام بحقهم. وعلى الرغم من الاهتمام السياسي الذي حظيت به القضية، رأى مراقبون وحقوقيون أن المشكلة ليست في القوانين، بل في تنفيذها وإرادة الحكومة وتفشي الفساد. 
من جهته، يقول الحقوقي الباكستاني محمد فاروق، لـ"العربي الجديد"، إنّ حكم الإعدام موجود أصلاً في القانون الباكستاني، وكان قد نفذ مراراً إبان حكم الرئيس العسكري ضياء الحق في ثمانينيات القرن الماضي، وكان له أثر كبير على مستوى البلاد. والآن، تكمن المشكلة في تطبيق القانون وليس سن قوانين جديدة. 
وثمّة من يرى أن عقوبة الإعدام ليست حلاً، لأنّ الجاني سيرتاح بعد الموت، واقترحوا الإخصاء. تقول النائبة في حزب الشعب الباكستاني في مجلس الشيوخ، شيري رحمن، إن "نسبة الاعتداءات الجنسية تعد مرتفعة في البلاد، ونريد الآن سن قوانين جديدة لمحاسبة المعتدين"، وهو ما أيده الكثيرون من نواب الحزب الحاكم والمسؤولين في الحكومة، منهم رئيس الوزراء عمران خان نفسه. في المقابل، طالب البعض بالتشدد في تنفيذ القوانين الموجودة أصلاً.  
لم يكن الشارع الباكستاني في منأى عما حدث، وما زال الحديث حول القضية مستمر ولم يتوقف. يقول معراج الدين، أحد رموز قبائل منطقة باوكي في ضواحي مدينة بيشاور، لـ"العربي الجديد"، إن "الاعتداءات الجنسية مشكلة متفشية والسبب الأساسي هو تعامل الشعب مع القضية. ثمة من يخفون القضية، فيما يعمل آخرون على حلها بشكل شخصي. أما الحكومة والأحزاب السياسية، فتستغلها لأغراض سياسية محضة".

وكانت مؤسسة "ساحل" المهتمة بشؤون الأطفال قد نشرت دراسة ذكرت فيها أنّ الاعتداءات الجنسية على الأطفال ارتفعت بشكل خطير، فهناك مؤشرات على أنّ عدد الحوادث غير المسجلة أكبر بكثير من تلك التي سجلت لدى المؤسسات المعنية، أو التي عرضتها وسائل الإعلام بصورة أو بأخرى، والسبب وراء ذلك تفاوت العادات والتقاليد التي تخفي المعلومات خوفاً من الفضيحة. وسجلت المؤسسة 3832 حالة اعتداء جنسي على أطفال خلال عام 2018، في عموم أنحاء باكستان.