التجنيد الإجباري في صفوف "قسد"

التجنيد الإجباري في صفوف "قسد"

24 مارس 2021
التجنيد الإجباري، من أبرز الأمور التي تقلق الشبان السوريين (فرانس برس)
+ الخط -

التجنيد الإجباري، هو من أبرز ما يخيف الشبان السوريين في مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية "قسد". إذ يصعب تخطي هذه العقبة، سواء في صفوف قوات نظام الأسد أو صفوف "قسد"، ما يجعل مستقبل الشباب ضبابيا، والحلول أمامهم محدودة ومحفوفة بالمخاطر، وأحلاها مرّا.
هوشنك أحمد، طالب الهندسة المدنية في جامعة الفرات بمدينة الحسكة، وجد حلاً لمشكلة التجنيد الإجباري، لكن هذا الحلّ ينطوي على مخاطرة تهدّد حياته الجامعية. يقول لـ"العربي الجديد": "بقي لي مادة واحدة، يتوقف تخرّجي عليها من الجامعة، هي تنقذني وتؤمن لي الطريق للحصول على تأجيل دراسي من الخدمة العسكرية في صفوف النظام، لا أريد الخلاص منها في الوقت الحالي، والتخرّج من الكلية، لكوني إن سلمت من قوات النظام، فسأكون ملاحقاً من قسد".
يضيف أحمد: "أعيش حالة من القلق والتوتر، قد تتغيّر الظروف وقد أُفصل من الجامعة، وقد أفقد شهادتي الجامعية أيضاً"، لكنه، في الوقت ذاته، يحاول أن يجد حلاً لمشكلته إمّا عن طريق السفر أو الهجرة خارج البلد، وحالياً الحدود مغلقة أمام الهجرة السرية، ولم يعد الوضع كما في السابق، إذ يصعب عليه الحصول على أوراق سفر رسمية لمغادرة البلد، وأصبح الحلّ الأمثل بالنسبة إلى أحمد، هو التوجه إلى إقليم كردستان، لكن ذلك أيضاً محفوف بالكثير من الصعوبات المادية وغيرها.


في يونيو/ حزيران 2019، أقرّت "الإدارة الذاتية" قانوناً جديداً، يتألّف من 35 مادة، وهو مشابه لقانون الخدمة الإلزامية لدى النظام السوري. ويخضع المجنّد أولاً إلى فحص طبي للتأكد من سلامته من أيّ أمراض قد تعيق عمله العسكري، ثم يتم فرزه إلى أحد مراكز التدريب العسكرية الثلاثة في الحسكة والرميلان والقامشلي، لإجراء دورة مدتها 45 يوماً، قبل فرزه النهائي إلى إحدى القطع التابعة إلى "قسد". وعلى غرار الخدمة العسكرية في جيش النظام السوري، تلعب المحسوبيات والرشاوى دورها في عمليات فرز المجندين إلى المراكز العسكرية، ما بين الخدمة في مراكز المدن والأعمال الإدارية، أو على خطوط الجبهات.

تلعب المحسوبيات والرشاوى دورها في عمليات فرز المجندين 


ولدى الإدارة الذاتية وثيقة باسم "لا مانع من السفر"، تمنح في حال كان الشخص وحيداً، أو معفى طبياً، كما تُمنح أيضاً لمن أتمّ الخدمة والمكلّف الحاصل على إقامة أجنبية، إضافة للطلاب الذين يدرسون خارج سورية، وحالات الكفالة الشخصية، كالوحيد المؤقت والحالات المرضية والطلاب المؤجلين دراسياً.
ووجد البعض أن التجنيد الإجباري شرّ لا بد منه، ولا خلاص بالنسبة لهم إلا بتأديته، للبقاء بين عوائلهم وتجنّب مغادرة البلد، لا سيما أنه لا قدرة لهم على ذلك. ومن هذه الفئة، عباس المحمد، وهو خرّيج قسم الرياضيات في قسم العلوم، وقال لـ"العربي الجديد": "ليس لدي إمكانية لمغادرة المنطقة عن طرق التهريب، سواء إلى كردستان العراق أو حتى تركيا، وخيار البقاء متخفياً في مدينة القامشلي بالنسبة إلي هو أمر غاية في الصعوبة، لكوني سأضطر للخروج والعمل والتنقل، لذلك وجدت أن التطوّع هو الحل الوحيد أمامي. التطوع في الدفاع الذاتي مدّته عامان، على خلاف من يُقبض عليه ويجبر على الدفاع الذاتي في صفوف قسد، لكن مردوده المادي أفضل. حكمت على نفسي بضياع سنتين من عمري، والتحقت بخدمة لا أؤمن بها في الأساس بل بالإكراه وبلا هدف". ويواسي نفسه بأنه سيبقى قادرا على رؤية أهلة، مضيفاً "سيمضي هذان العامان، لكن سيكونان طويلين جداً في نظري، لم أكن أريد حمل السلاح يوماً لكنني مجبر".

قوات قسد (دليل سليمان/ فرانس برس)
(دليل سليمان/ فرانس برس)

وفي السابق، كان يلجأ بعض الشبان لسلوك طرق التهريب نحو إقليم كردستان العراق أو مناطق أخرى، كحلّ للخلاص من التجنيد الإجباري. لكن مؤخراً، أصبح هذا الحلّ صعباً ومكلفاً، كون الحدود مغلقة. وأحد الحلول الأخرى، هي التأجيل الدراسي، لكنه أيضاً ليس متاحاً إلا لفئة قليلة من الشبّان، ومحكوم بمدة محددة لا يمكن تجاوزها، فيما يؤثر البعض التخفي عن حواجز قوات قسد، أو حواجز قوات النظام السوري، تجنباً للاعتقال والاقتياد للتجنيد الإجباري، وهو خيار صعب آخر، كون من يلجأ له، يعيش في خوف دائم وحالة من التوتر والضغوط النفسية.
في مدينة القامشلي، شمالي شرق سورية، يحاول الشاب "أيمن. خ"، المواءمة بين العمل وبين التخفي عن قوات سورية الديمقراطية، فهو مطلوب منذ مدّة للتجنيد الإجباري، لكنه يرفض الأمر، ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّه يتنقّل في الشوارع الفرعية بالمدينة دائماً، في حال أراد الخروج أو التوجّه إلى العمل. وفي حال وجود حملات تفتيش، فهو يختفي عن الأنظار تماماً. يقول: "في حال التوقف عن العمل، أبقى دائماً في المنزل وأتجنّب الخروج، كوني مطلوبا للدفاع الذاتي في صفوف قسد، كما إنني مطلوب أيضاً للخدمة الإجبارية في صفوف قوات النظام. في الوقت الحالي، يسهل التخفي على النظام، لكنني أجد صعوبة في الابتعاد عن عيون قسد".

يضيف أيمن: "بالنسبة إليّ، تحول بلدي إلى غابة، لا أريد أن أحمل السلاح فيه، أو الوقوف إلى جانب قوات النظام التي قتلت الناس وقصفت المدن، كما أنني لست مقتنعاً بما تقوم به "قسد" من استغلال للشبان. كشاب سوري، أنا أعيش حالة من الضياع وغيري كثيرين هكذا، أريد أن أعيش حياة طبيعية لا أكثر". أما محمد. ع (26 عاماً)، وهو من أبناء دير الزور، فقد استطاع قبل مدّة الفرار من مناطق سيطرة "قسد"، وأوضح لـ"العربي الجديد" أنّه لم يعد بإمكانه البقاء، كونه مطلوبا للتجنيد الإجباري في صفوف "قسد"، ولم يكن قادراً على العمل في التدريس بسبب ذلك، فهو خريج لغة عربية، فضلاً عن مخاوفه الدائمة من دخول قوات النظام، مشيراً أنّ مغادرة المنطقة، كان الخيار الوحيد بالنسبة إليه. وتتواصل حملات الاعتقال للشبان في مناطق سيطرة "قسد"، شمالي شرق سورية، بهدف سوقهم للتجنيد الإجباري في صفوفها، وهي لا تستثني المدرّسين أو العاملين في المجال الصحي وغيره، على الرغم من مطالبات كثيرة لها بوجوب إيجاد استثناءات. 

المساهمون