إكليل الجبل... ثروة طبية مهددة بالانقراض في تونس

20 ابريل 2021
الصورة
خلال تقطير إكليل الجبل (العربي الجديد)
+ الخط -

 

بدأ موسم تقطير إكليل الجبل في تونس، والذي ينتظره كثيرون لتأمين الرزق. إلا أنّ إقبال كثيرين من دون ترخيص، على جمع هذه العشبة المعروفة بفوائدها الطبية، يهددها بالانقراض.

وسط مساحة في إحدى مناطق ولاية سليانة، شمال غربي تونس، ينصب عبد الرحمن "النحّاسة" كما يسميها، أو "القطّار" لتقطير عشبة إكليل الجبل أو حصى البان، وهي من الأعشاب العطرية ذات الروائح المميزة. والنحّاسة عبارة عن قدر كبير يسع نحو 100 لتر من المياه، تحته حفرة كبيرة لإشعال النار. يضع فيه أكثر من قنطارين (القنطار يعادل 143.8 كيلوغراماً) من إكليل الجبل ليقطّره في قوارير تستخرج منها الزيوت في الأساس. 

يضع عبد الرحمن بمعاونة ثلاثة عمال، إكليل الجبل في ذلك القدر الكبير. وفي كلّ مرة، يصعد أحد العمال إلى الأعلى لرصّ الأعشاب كي يسع القدر كمية كبيرة منها. ثم توقد النار تحته ويتولى عامل وضع الحطب باستمرار في تلك الحفرة الكبيرة، حتى لا تنقص درجة الحرارة المطلوبة لتحويل تلك المياه إلى بخار واستخراج أكبر كمية من الزيوت المعدة بغالبيتها للتصدير.  عادة ما يأتي إلى المكان رجل يجرّ حماراً وهو محمّل بكميات كبيرة من إكليل الجبل الذي يُجمع منذ ساعات الصباح الأولى من الجبال. وتتولى نساء تقطيعه وصرّه في حزم كبيرة تنقل من سفوح الجبال إلى منطقة التجميع حيث القطّار.  وتقطير إكليل الجبل عمل موسمي ينطلق في بداية إبريل/ نيسان ويستمر حتى نهاية مايو/ أيار من كلّ عام، ويوفر عملاً لمئات الأشخاص، غالبيتهم من مناطق الشمال التونسي، حيث تنتشر العشبة. تتولى النساء والأطفال جمع إكليل الجبل من المرتفعات لتسليمه إلى عمال التقطير. 

الصورة
تقطير الاكليل في تونس 4 (العربي الجديد)
العشبة المعروفة بفوائدها الطبية مهددة (العربي الجديد)

وعلى الرغم من أنّ الأعمال الموسمية توفر مداخيل جيدة لعدد من العاطلين من العمل في تلك الجهات، فإنّ معظمهم يعملون بطرق غير قانونية. فالبعض يجمع إكليل الجبل من دون الحصول على تراخيص، وآخرون يقطّرونه من دون الحصول على موافقة الإدارة العامّة للغابات.

ويعدّ إكليل الجبل من الأعشاب الطبية المهددة بالانقراض في غابات الشمال الغربي نتيجة الاستخدام العشوائي واستنزاف الثروة الغابية، عدا عن شبهات الفساد في منح التراخيص، خصوصاً تراخيص المرعى وقطع الأشجار، كما يقول أحد العاملين في حراسة الغابات، ويدعى سفيان.

بيئة
التحديثات الحية

وسبق لقسم العدالة البيئية والمناخية في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (غير حكومي) الإشارة إلى أنّ العديد من تجار الخشب والفحم يستغلون الثروات الغابية بطريقة عشوائية، ما يتسبب في كوارث عدة. ومن التجاوزات قطع الأشجار والرعي العشوائي للأغنام والتوسع العمراني على حساب الغابات، ما يفاقم ظاهرة التصحر، ويحول غابات عدة إلى مصبات عشوائية للنفايات.

وتمتد الغابات في تونس، بحسب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، على مساحة 5.6 ملايين هكتار، ما يعادل 34 في المائة من المساحة الإجمالية للبلاد. وتشهد العديد من الغابات نقصاً أو غياباً كلياً للحراس، إذ يبلغ عدد حراس الغابات وغيرها 7455، من بينهم 5150 حارس غابات، و123 حارساً لسباسب الحلفاء (السباسب منطقة تونس الوسطى السهلية التي تضم بعض الهضاب وتمتد حتى الساحل، أما الحلفاء، فمن الأعشاب)، و212 حارس صيد، و256 حارس برج مراقبة.

ويفتقر هؤلاء الحراس إلى وسائل المراقبة وأدوات الحماية للتصدي للمعتدين. ويعتبر هذا تهميشاً لحراس الغابات الأمر الذي يدفع كثيرين إلى التواطؤ مع المعتدين وعدم القيام بواجبهم الوطني في ظل عدم تحسين أجورهم وحرمانهم من التثبيت الوظيفي.

تقطير الاكليل في تونس 6 (العربي الجديد)
تقطير إكليل الجبل عمل موسمي (العربي الجديد)

وكثيراً ما تطرقت الإدارة العامة للغابات إلى أزمة نقص الحراس في الغابات، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع نسبة الاعتداءات على الغابات. ويشير أحد حراس الغابات، ويدعى عبد الكريم، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ  نهب الثروات الغابية سببه غياب قانون ردعي، لا سيما أنّ القانون الحالي قديم يعود إلى عام 1988. ويجب إصدار قانون أساسي للغابات وديوان يُنظم التصرف في الثروة. فغالبية المخالفات لا تتجاوز مجرّد فرض غرامات مالية لا تتجاوز أحياناً مائة دولار، لا تعني أيّ شيء مقارنة بالأرباح التي يُحققها المعتدون على الغابات. يضيف أنّ "أكثر النباتات التي تشهد اعتداءات سنوية هي تلك الطبية على غرار إكليل الجبل والعرعر.

ومع دخول فصل الربيع، تنتشر عصابات في العديد من جبال الشمال الغربي لتقطير إكليل الجبل المعدّ أساساً للتصدير من دون الحصول على تراخيص مسبقة من الإدارة العامة للغابات". يشير إلى أنّ "الإدارة تمنح تراخيص سنوية لكنّها تحدد الأماكن التي يمكن جمع إكليل الجبل منها. وغالباً ما لا تمنح ترخيصاً لجمع إكليل الجبل من مكان جمع منه العام الماضي، لإعطاء الوقت للطبيعة لإنتاج ثروات جديدة، حتى لا تنقرض العديد من أنواع النباتات التي باتت مهددة أصلاً". يضيف: "نحجز سنوياً عشرات المعدات التي تستعمل في تقطير إكليل الجبل، خصوصاً في ولايات جندوبة وسليانة والكاف، ونفرض غرامات مالية بحق كلّ من يتعمد استغلال هذه النبتة من دون الحصول على تراخيص مسبقة". 

تقطير الاكليل في تونس 2 (العربي الجديد)
يوفر جمع وتقطير إكليل الجبل مئات فرص العمل (العربي الجديد)

ويشير أحد العاملين في تقطير إكليل الجبل، ويدعى عبد الرحمن، إلى أنّه يعمل سنوياً في هذه المهنة الموسمية ولا يتعامل سوى مع أشخاص يحصلون على تراخيص تسمح لهم بجمعه وتقطيره. في المقابل، يعمد العشرات إلى تقطير هذه العشبة من دون تراخيص. ويلفت إلى أنّ بعض العمال يقتلعون إكليل الجبل من الأرض بدلاً من الاكتفاء بقصه لحماية جذوعه ولتنبت مرّة أخرى، الأمر الذي أدى إلى التصحر في العديد من المناطق، وفقدان هذه العشبة الهامة.


وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، دعا رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، إلى ضرورة حماية القطاع الغابي والرعوي في تونس، من خلال تطبيق القانون على الجميع من دون تمييز، وإعادة مراجعة مجلة (قانون) الغابات لتتناسب مع مستجدات الواقع والتطور الحاصل في هذا القطاع الحيوي والحساس، لما يمثله من قيمة بيئية واجتماعية واقتصادية وأمنية. كما ذكر أنّ القطاع الغابي يساهم في توفير نحو 7 ملايين يوم عمل في السنة (مجموع أيام عمل العاملين في هذا القطاع) و14 في المائة من احتياجات البلاد من الطاقة و25 في المائة من احتياجات القطيع و30 في المائة من الدخل السنوي لقاطني الغابات البالغ عددهم نحو مليون. كما أنّ قيمته الاقتصادية تناهز 900 مليون دينار (نحو 362 مليوناً و500 ألف دولار) بحسب دراسة علمية أعدت قبل سنوات. واعتبر أنّ تطبيق القانون هو ضمانة من ضمانات المحافظة على القطاع الغابي والرعوي.

المساهمون