نظام السيسي بعد أسبوع الحراك الشعبي: يد تبطش وأخرى تتنازل في ملف مخالفات البناء

26 سبتمبر 2020
الصورة
فشلت الحكومة في تحصيل المبالغ المستهدفة من عملية التصالح (كريس ماكغراث/Getty)
+ الخط -

عاد النظام المصري برئاسة عبد الفتاح السيسي لاتّباع سياسة الازدواجية التي تجمع بين التنازلات وإبداء المرونة وتصنّع الاستجابة للمواطنين من جهة، وبين الترهيب والبطش الأمني من جهة ثانية، كما فعل في أعقاب تظاهرات 20 سبتمبر/أيلول 2019. إذ اتخذ النظام أول من أمس الخميس خطوة تنازل جديدة في موقفه التصعيدي في ملف التصالح في مخالفات البناء، على خلفية الحراك الشعبي الكبير ومترامي الأطراف الذي حدث يومي الأحد والإثنين الماضيين، في الوقت الذي ما زالت فيه الحملات الشرطية في المحافظات والمناطق التي شهدت الاضطرابات الأخيرة تستهدف اعتقال العشرات من المواطنين، ولا سيما الشباب وإحالتهم جماعياً لنيابة أمن الدولة العليا لحبسهم.

الأغلبية العظمى من المعتقلين ليست لهم أي انتماءات سياسية

ومن مجموع معلومات من مصادر حقوقية مختلفة، رصدت "العربي الجديد"، أنّ عدد الذين عرضوا حتى مساء أمس الجمعة على ذمة القضية 880 لسنة 2020، على نيابة أمن الدولة العليا، تجاوز ثلاثمائة وخمسين شخصاً، صدرت قرارات جماعية بحبسهم على ذمة التحقيقات، بينما ما زالت هناك أعداد غير معروفة تماماً، تقول المصادر إنها تزيد على مائتين، معتقلين في أماكن مختلفة أبرزها معسكرات الأمن المركزي بالمحافظات. وقالت المصادر الحقوقية إنّ معظم المعتقلين الذين صدرت ضدهم قرارات بالحبس لم يحالوا إلى السجون المركزية حتى الآن، وما زالوا معتقلين في أقسام الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي، كما أحيل العشرات منهم إلى مقار الأمن الوطني في المحافظات قبل عرضهم على النيابة. وذكرت المصادر أنّ التحقيقات أثبتت أنّ الأغلبية العظمى من المعتقلين ليست لهم أي انتماءات سياسية أو حزبية، وأنّ عدداً كبيراً منهم خرجوا فقط اعتراضاً على سوء الأوضاع الاقتصادية وملف مخالفات البناء، وكذلك أنّ النيابة حتى الآن وعلى الرغم من ذلك لم تقرر إخلاء سبيل أي شخص بتعليمات أمنية.

في المقابل، وبعدما كان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، متمسكاً حتى الاثنين الماضي بأن يكون يوم الثلاثين من شهر سبتمبر/أيلول الحالي هو الموعد النهائي لتقديم طلبات التصالح بمخالفات البناء في جميع أنحاء الجمهورية، وهو الموقف الذي ساهم عملياً في احتدام التظاهرات الأخيرة، لا سيما في المناطق الريفية والفقيرة بقرى مركز أطفيح بالجيزة والبساتين ومنشأة ناصر بالقاهرة وبعض قرى أسوان والأقصر والفيوم والمنوفية والبحيرة، أعلن مدبولي أول من أمس الخميس، عن مدّ فترة تقديم الطلبات إلى نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل. هذا التنازل الجديد يضاف إلى ثلاثة تراجعات سابقة للحكومة بتخفيض نسب من مبالغ التصالح بكل المحافظات، وبتوحيد سعر التصالح للمتر في المناطق الريفية بالحد الأدنى المقرر في القانون وهو خمسون جنيها (3.17 دولارات أميركية) للمتر الواحد، وخصم خمسة وعشرين بالمائة من قيمة التصالح إذا طلب المواطن إتمامه من دون تقسيط.

وقالت مصادر حكومية لـ"العربي الجديد"، إنّ هناك أسبابا عدة لاتخاذ هذه الخطوات حالياً، أهمها على الإطلاق الحراك الشعبي الذي أكد فشل النظام وأجهزته في السيطرة على المناطق الريفية وعدم تمتعه بذراع سياسية يمكنها احتواء تلك الاضطرابات، لا سيما أنّ كل المناطق التي شهدت التظاهرات كانت تعاني من مشاكل في ملف مخالفات البناء. فأهالي أطفيح عانوا التعسف ضدهم في ملف التصالح في مخالفات البناء، وتم تسجيل جميع المباني التي أنشئت في القرية خلال العشرين عاماً الماضية كمبان مخالفة، بحجة الاستيلاء على أراضي الأوقاف والدولة. أما البساتين، فهي من أكبر المناطق بالعاصمة المسجلة بها مخالفات بناء على أراضي الدولة بسبب الظهير الصحراوي والجبلي الذي تنتقل مساحات شاسعة منه بين الحين والآخر لولاية الجيش أو المخابرات العامة.

أعلن مدبولي عن مدّ فترة تقديم طلبات التصالح إلى نهاية شهر أكتوبر

وأضافت المصادر أنّ السبب الثاني المهم، هو فشل الحكومة في تحصيل المبالغ المالية المستهدفة من عملية التصالح حتى الآن، خصوصاً أنّ التسهيلات التي تم إدخالها على إجراءات التصالح في البداية مثل التقسيط، لتخفيف العبء والنفقات، لم تفضِ إلى تهدئة الغضب في ظلّ حجم الضغوط الملقاة على عاتق المواطنين البسطاء، ومع الزحام المستمر في مكاتب المحليات وتعقد إجراءات تقديم الطلبات والحصول على الصور الفضائية للتغيرات المكانية، وخصوصاً في ظلّ قرارات أخرى بنزع الملكيات الخاصة لصالح عدد من المشروعات الحكومية.
أما السبب الثالث، فهو ما أثبته الواقع العملي من استحالة إنهاء استقبال كل الطلبات في نهاية الشهر الحالي، بسبب الإمكانيات البشرية واللوجستية الضعيفة للمحليات خصوصاً في محافظات الصعيد والمناطق الريفية، فضلاً عن عدم وضوح الإجراءات لمعظم المواطنين، ووجود قصور عملي في كشف المخالفات والتعرف عليها وإيجاد المسؤولين عنها، خصوصاً بالنسبة للعقارات المؤجرة والمشتراة من مقاولين ارتكبوا هم المخالفات ومن المفترض أن يكونوا هم المسؤولين وفق نصّ القانون.

وكشفت المصادر وجود نوايا لدى الحكومة، في حال زيادة طلبات التصالح عن نسبة معينة في بعض المناطق، لتقديم مزيد من حوافز السداد والتنازلات، ومنها النزول بنسبة المبالغ المطلوبة قانوناً لبعض أنواع المخالفات، وفتح باب التصالح في مخالفات ليست مشمولة أصلاً في قانون التصالح، لكن دائرة السيسي وجهت بعدم إعلان مثل هذه الخطوات الآن.
وتعكف الدوائر التشريعية للحكومة على إعداد تعديل جديد على اللائحة التنفيذية لقانون التصالح (سيكون الثالث هذا العام حال صدوره) يسمح باتخاذ إجراءات تيسيرية بصور مختلفة، ليكون جاهزاً حال موافقة السيسي عليه، لإنقاذ الموقف الشعبي من جهة، وضمان زيادة تدفق الأموال من قيم التصالح والرسوم، بدلاً من العجز الحالي في التحصيل، إذ تشير إحصائيات وزارة التنمية المحلية لتسوية أقل من 11 بالمائة من المخالفات المرصودة على مستوى الجمهورية.

هناك نوايا لدى الحكومة، في حال زيادة طلبات التصالح عن نسبة معينة في بعض المناطق، لتقديم مزيد من حوافز السداد والتنازلات

وأكدت هذه الخطوات ما سبق ونشره "العربي الجديد" في العاشر من الشهر الحالي عن تلقي السيسي تقارير أمنية تؤكد أنه "وعلى خلاف ما تحاول وسائل الإعلام المملوكة والموالية للمخابرات العامة تصويره بأنّ حالة الغضب سببها وسائل الإعلام المعارضة للنظام والتي تبث من قطر وتركيا، فإنّ الاهتمام الأساسي للمواطنين يتعلق بفرص نجاة عقاراتهم وأماكن معيشتهم من الهدم، في ظل وجود حالات تعجز فعلاً عن سداد مبالغ التصالح. فضلاً عن الحالات غير المعنية بالتصالح من الأساس لاختفاء الملاك الأصليين للعقارات واحتمالية تضررهم من أي مساس حكومي بعقاراتهم المخالفة".

وحذرت تلك التقارير في حينه من انتشار الاحتجاجات الشعبية في العديد من المناطق الريفية والشعبية، بما يجاوز قدرة الأجهزة الأمنية في المحافظات على التصدي لها. كما حذرت من استغلال ذلك في الدعوات التي كانت بدأت تخرج للتظاهر لإحياء ذكرى أكبر تظاهرات شعبية ضدّ السيسي في العشرين من سبتمبر/أيلول من العام الماضي، لا سيما وأنّ أزمة التصالح في المخالفات تتزامن مع ارتفاع عام وغير مسبوق في أسعار الخدمات المرفقية والإدارية الحكومية، مما يثقل كاهل المواطنين بالأعباء في ظلّ جائحة فيروس كورونا المستجد التي ما زالت تطلّ برأسها على العديد من القطاعات الاقتصادية في الدولة.
واقترح الأمن الوطني آنذاك بناء على تلك التقارير إحداث تغيير في التعامل الإعلامي والحكومي مع الأزمة. أما القوات المسلحة، التي أُقحمت في الأزمة بأكثر من صورة، فنصحت هي الأخرى بالتريث في غلق باب التصالح أمام المواطنين، بعدما أثبتت التجربة العملية صعوبة الإقدام على هدم المنازل وطرد أصحابها منها. وجاءت أحداث الأيام الأخيرة والتظهرات، لتؤكد الخطورة التي يواجهها نظام السيسي من مناطق تستبعد التقارير الأمنية والمخابراتية أن تشهد أي توتر شعبي. ففي العام الماضي، كانت التظاهرات متركزة بشكل كبير في المناطق الحضرية، وخصوصاً في وسط العاصمة والإسكندرية والسويس والمحلة ودمياط ومدن الصعيد الكبرى، أي المناطق التي اعتادت الأجهزة خروج المواطنين بها في أي حراك شعبي. لذلك كان التركيز الاستباقي للأجهزة الأمنية منصباً هذه المرة على تقييد حركة المواطنين وتخويفهم في تلك المناطق، متعمدة بث رسائل الإرهاب المعتادة. وعلى النقيض من هذه الاستعدادات تعرضت الداخلية لصفعة مبكرة من قرية الكداية بمركز أطفيح، التي لم تكن تتواجد فيها مع بداية الأحداث إلا سيارة دورية واحدة تقف باستمرار على مدخل القرية، وهي قرية خالية تقريباً من قيادات التيار الإسلامي السياسي. ثم تفاقمت الأوضاع في ضاحية البساتين التي تعتبر من أكثر مناطق محافظة القاهرة معاناة مع ملف التصالح في مخالفات البناء وتأثراً بقرار وقف البناء على مستوى الجمهورية نظراً لارتباط أعمال معظم المواطنين فيها بقطاع المعمار.