مسلمو أوروبا و"صكوك غفران" ماكرون

23 أكتوبر 2020
الصورة
يجد مسلمو أوروبا أنفسهم تحت ضغوط هائلة ومتكررة (Getty)
+ الخط -

أياً كانت مبررات جريمة قتل المدرس الفرنسي صامويل باتي في إحدى ضواحي باريس، قبل نحو أسبوع، فهي مدانة ومرفوضة، مثلما هو مدان كل الإرهاب الفاشي الأبيض، من كندا إلى أميركا والنرويج وفرنسا وألمانيا وبريطانيا ونيوزيلندا. لكن، منذ أسبوع والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومعه ساسة أقصى اليمين المتطرف في غرب وشمال القارة الأوروبية، يثيرون ضجيجاً انتهازياً، عبر خلط أزمات داخلية مع مواطني فرنسا المسلمين، بسياسات مناكفة خارجية، معتبرين الجريمة تمثل الإسلام والمسلمين، وبالتالي يُتهم ضمنياً ملايين المواطنين المطالبين بـ"الاعتذار".

وتحت طائلة التحريض واستهدافهم بسبب جريمة فردية، لا تختلف عن جريمة برينتون تارانت في مسجدي كرايستشيرش، إلا من حيث أداتها، يجد مسلمو القارة أنفسهم تحت ضغوط هائلة ومتكررة، مع كل جريمة مرفوضة تُلصق بهم عنوة كجماعة، ويوضعون في سلة واحدة، فيصبح الأمر خطيراً، إذ صارت مسطرة ماكرون هي المعيار.
عليه سيصبح ماكرون، وغيره، مطالبين بالاعتذار عن "الإرهاب المسيحي" في كرايستشيرش (2019)، أو جرائم أخرى، كمذبحة جماعة ديفيد كوريش في تكساس (1993)، وتفجير عيادات الإجهاض، وجريمة أوكلاهوما على يد تيموثي مكفاي (1995)، ومذبحة أوسلو على يد أندرس بريفيك (2011).

وضع مجموعة سكانية محددة، مراراً، في خانة "طلب المغفرة"، هو مطب خطير في السياسة الغربية. فالانتقائية الساكتة على التحريض لقتل المهاجرين، أو من هم من صلبهم، والثائرة صراخاً باسم حرية التعبير، في مواجهة الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين، يخلق عملياً شعوراً بالتهميش، والمضي نحو الاحتماء بجماعات دينية، والعيش في توتر شبه يومي، كما تشهد كوبنهاغن راهناً بممارسات السياسي العنصري راسموس بالودان، بحرق القرآن.
ومقابل قداسة حرية التعبير، تلاحق تهمة "معاداة السامية" مؤرخين وباحثين وسياسيين وصحافيين غربيين، ينتقدون الصهيونية ويدعون لمقاطعة الاحتلال، أو أي انتقاد للجاليات اليهودية.

لا أحد يتوهم أن الإرهاب، بكل أشكاله وألوانه ومسبباته، سيتوقف غداً. وبالتالي، فالمعالجة السياسية الانتهازية، لكسب أصوات الناخبين، عبر رمي ملايين الناس باتهامات على أساس المعتقد والأصل العرقي، يعني ببساطة استمرار أجواء تشنج وتوتر وتنافر وإقصاء. وبدل فتح حوار موضوعي ومسؤول حول ما يدور في مجتمعات أوروبا، كزيادة التطرف وتفشي عنصرية مؤسساتية، وفشل سياسات الدمج، نشهد هروباً إلى الأمام. أما انفلات خطاب رجل الدولة السياسي، بتعصب أيديولوجي وأحكام مسبقة، سيقابله وللأسف انفلات خطاب موغل في تشدده، وهو سجال عقيم في حلقة مفرغة، ليس في مصلحة مجتمعات المواطنة في فرنسا وأوروبا.

المساهمون