مجزرة فض "رابعة": 7 سنوات من التزوير والخوف من الحساب

19 ابريل 2021
الصورة
صوّر النظام ما حدث وكأنه معركة بين إرهابيين والأمن (Getty)
+ الخط -

كما تمثل ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 عقدة للنظام المصري، تدفعه لذكرها باستمرار وتحميلها مسؤولية أزمات السنوات التالية لها، من الفشل في مواجهة الإرهاب إلى سد النهضة الإثيوبي، يواصل النظام البرهنة على ما تمثله مذبحة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة لمؤيدي الرئيس المعزول الراحل محمد مرسي على يد الجيش والشرطة، التي راح ضحيتها من العزل المدنيين عدد غير معروف حتى الآن، من عقدة تطارد قيادات النظام وأجهزته وتهز شرعيتهم، بعد هذا الكم من الدماء التي أريقت بالقتل خارج إطار القانون، واستمرارها في إلقاء ظلال كثيفة من الخوف والفشل على المشهد السياسي في مصر.
أحدث البراهين على هذه العقدة كان أول من أمس، من خلال الحلقة الخامسة من مسلسل "الاختيار 2"، الذي تنتجه المخابرات العامة، وتحاول فيه تقديم سردية أمنية مزعومة للأحداث في الفترة بعد انقلاب الثالث من يوليو/ تموز 2013، تلغي أي مكتسبات حققتها ثورة يناير، وتحمل مسؤولية الدماء والعنف الأهلي، الذي اندلع بعد الانقلاب لجماعة الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية الأخرى.

اعتمدت السردية في مسلسل "الاختيار 2" بشكل أساسي على التحريات الأمنية وأقوال الضباط وأمناء الشرطة

ولا يدور مسلسل "الاختيار 2" وحده في هذا الفلك الوهمي الذي يرغب النظام في تعميم تفاصيله، بل وتقديمه في صورة "وثيقة تاريخية"، بل هناك أيضاً مسلسل "هجمة مرتدة"، لنفس جهة الإنتاج، وهي شركة "سينرجي" التابعة للشركة المتحدة المملوكة للمخابرات العامة، والذي يمهد لاعتبار الثورة والربيع العربي جزءاً من مؤامرة دولية على مصر والدول العربية. ويرسم المسلسلان صورة نقية بلا شوائب ولا سلبيات لأجهزة الشرطة والجيش والمخابرات، مقابل تشويه المعارضين من الإسلاميين واليساريين والحقوقيين.
واللافت في السردية التي قدمها مسلسل "الاختيار 2" لفض الاعتصام أنها تجاوزت تلك التي بذل النظام جهداً كبيراً طوال السنوات السبع الماضية لرسمها وبلورتها، في أحكام قضائية نهائية، اعتمدت بشكل أساسي على التحريات الأمنية وأقوال الضباط وأمناء الشرطة، دون الأخذ بأقوال الضحايا أو المتظاهرين في الأحداث المختلفة التي اندلعت عقب مذبحة الفض. وكان النظام يطمح منذ البداية إلى كتابة سردية جديدة للمذبحة، شأن السرديات القضائية الأخرى التي كتبت لأحداث ما بعد ثورة يناير، والتي أضفت عليها أوصاف المؤامرات.

ويكلل المسلسل هذا الاتجاه الرسمي بالعبث العمدي بالوقائع التاريخية، فيتضمن السيناريو أحداثاً كانت قد انتشرت فقط على ألسنة الإعلاميين الموالين للأمن الوطني، لبث الأكاذيب في عقول المتابعين وشيطنة الإسلاميين ومعارضي الانقلاب، ولم تتضمنها من قريب أو بعيد الروايات القضائية، سواء الصادرة عن النيابة العامة، جهة التحقيق والاتهام، أو محكمة الجنايات أو النقض. وعلى رأس هذه الروايات الكاذبة ما نُسب للمتهمة سامية شنن، في قضية اقتحام قسم شرطة كرداسة، من تقديم حمض الكبريتيك المُركز لضباط وأمناء الشرطة ليشربوه، وهو ما سبق أن نفته محكمة جنايات القاهرة، في حكمها في مرحلة إعادة المحاكمة في القضية في يوليو/ تموز 2017 بعبارات واضحة نشرتها جميع الصحف وقتها، رداً من القاضي المعروف بمواقفه المتشددة ضد المعارضين محمد شيرين فهمي على تلك الشائعات التي انتشرت على ألسن الإعلاميين، رغم إدانته لشنن والحكم عليها بالسجن المؤبد.
الأكذوبة الثانية هي أن قرار فض الاعتصام صدر بالتزام السلمية. فعلى عكس الاعتراف بـ"استخدام القوة المفرطة"، حسب تعبير لجنة تقصي الحقائق الحكومية المصرية، صور النظام ما حدث وكأنه كان معركة وجود بين تيار إرهابي وقوات الدولة، وأن الطرفين كانا مسلحين. والأكذوبة الثالثة تتمثل في التسليح الكثيف والثقيل للاعتصام، وإقدام المعتصمين على استخدامها في حرق خيمهم، وهو ما يناقض ما أعلنه وزير الداخلية آنذاك محمد إبراهيم من أن الشرطة وجدت في اعتصام رابعة 9 أسلحة آلية وطبنجة (مسدس) واحدة و5 خراطيش (رصاصات). وهذه الأكذوبة تتفق مع الحكم الصادر في العام 2018 بإعدام 75 من قيادات وناشطي اعتصام رابعة، إلى جانب عقوبات متوقعة تتدرج من السجن 3 سنوات إلى المؤبد بحق نحو 650 آخرين من المعتصمين، تمادياً في الزعم بأن الاعتصام كان خطراً على الأمن القومي، وأنه كان ساحة لارتكاب جرائم قتل وتعذيب لمعارضي مرسي ومؤيدي عبد الفتاح السيسي، وأن المحكومين بالإعدام حرضوا على قتل أفراد الجيش والشرطة، خلال فض الاعتصام وما تلاه من أحداث شغب انتقامية ضد الأقسام في كرداسة بالجيزة وبعض محافظات الصعيد.

لم تبد الأجهزة القضائية المصرية اهتماماً يذكر خلال النظر في قضية الاعتصام بمقتل المواطنين

أما الأكذوبة الرابعة فهي الخاصة بالممر الآمن. والواقع أنه مع بداية أعمال الفض كانت إدارة الشؤون المعنوية والآلة الإعلامية التابعة لها تطلق، بالتوازي مع الرصاص في الميدان، مناشدات للمعتصمين لإنهاء الاعتصام، مقابل ضمان خروج آمن لهم. وبحسب روايات موثقة في تقارير حقوقية فإن الضباط القائمين على الممرات الآمنة ألقوا القبض على معظم من سلكوها، سواء كانوا مصابين أو أصحاء، بينما شهد آخرون من المعتصمين في تحقيقات النيابة العامة أنه أثناء إسعاف المصابين، وحملهم للخارج، قال بعض الضباط إن الخروج الآمن ليس للمصابين والجثث. ولذلك أشارت بعض التقارير إلى مسؤولية هذه النقطة عن ارتفاع عدد الوفيات بين مصابين بحالات متوسطة، نتيجة إبطاء إسعافهم أو تخيير مسعفيهم ما بين الخروج الفوري أو الاعتقال.
وتختلف تقديرات المنظمات الحقوقية والحكومية، المصرية منها والدولية، في تعداد ضحايا المذبحة. وهي تبدأ من 333 قتيلًا، بينهم 247 حالة معلومة، و52 حالة مجهولة، و7 حالات من الشرطة، بحسب التقديرات الحكومية المصرية الصادرة عن وزارة الصحة ومصلحة الطب الشرعي، وتصل في بعض التقديرات الحقوقية المصرية إلى 2200 حالة، بحسب آخر إحصاء صادر عن مستشفى رابعة العدوية الميداني، بينما يرتفع العدد قليلًا إلى 2600 قتيل، بحسب ما أعلنته جماعة الإخوان المسلمين آنذاك. بينما ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقريرها الصادر في 12 أغسطس/ آب 2014، أن عدد الضحايا هو 1150 قتيلاً، قبل أن ينخفض العدد في التقرير الصادر عن المنظمة ذاتها في 14 أغسطس 2015 إلى 817 حالة.
ووقعت هذه الأحداث في ظل تكرار إذاعة بيان رسمي من وزارة الداخلية يقول: "نناشد المعتصمين بالاحتكام إلى العقل وتغليب مصلحة الوطن وإنهاء اعتصامهم فوراً. وزارة الداخلية حريصة كل الحرص على سلامة كافة المعتصمين، وعدم إراقة نقطة دم واحدة. وتتعهد بعدم ملاحقة كافة المعتصمين، باستثناء الصادر بحقهم قرارات من النيابة العامة بالضبط والإحضار. وتناشد المعتصمين برابعة الخروج الآمن من منفذ طريق النصر المؤدي إلى شارع الاستاد البحري. مقاومة قوات فض الاعتصام يعرّض حياتك للخطر وللمساءلة القانونية، وفقاً لمقتضيات القانون. عملية فض الاعتصام مراقَبة ومصورة بشكل كامل، وسيتم رصد المخالفين وأية مخالفات ترتكب ضد القانون. عملية فض الاعتصام تتم بقرار من النيابة العامة وبحضور وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية والمجتمع المدني".
لكن الأجهزة القضائية المصرية لم تبد اهتماماً يذكر خلال النظر في قضية الاعتصام بمقتل المواطنين، فلا محاكمة أو مساءلة للمسؤولين عن الفض، مقابل اتهامات قانونية هشة للمعتصمين، كتنظيم اعتصامات دون تصريح وتعطيل الطرق والمواصلات. وزعمت النيابة، أمام المحكمة في عام 2018، أن قاضياً مستقلاً انتدب من محكمة استئناف القاهرة للتحقيق في قتل المعتصمين، كجريمة مستقلة بذاتها عن جريمة الاعتصام، لكن المعلومات، التي سبق أن نشرها في حينه "العربي الجديد"، وتأكدت بمرور الوقت، أوضحت أن هذه التحقيقات لم تتعد كونها "تجميعاً لمحاضر إثبات الوفاة وبعض المحاضر الشرطية الإدارية التي وثقت خلال ساعات الفض، وأثبت فيها جميعاً أن الفض تم بواسطة قوات الشرطة بعد استئذان النائب العام الراحل هشام بركات. بمعنى أن هذا الإذن كفيل بقوننة إجراءات الفض أياً كانت طبيعتها".

السيسي على رأس شخصيات تستفيد من قانون أصدره صيف 2018 للإفلات من أي ملاحقة قضائية

ولا يعبر إصرار النظام على المضي قدماً في إنتاج هذه الروايات، لسنوات من خلال الإعلام والقضاء، والآن من خلال الأعمال الفنية، عن خطة ممنهجة لتزييف التاريخ، فحسب، بل يعكس أيضاً الخوف الدفين من تحمل النظام وقياداته وزر المذبحة سياسياً وجنائياً في المستقبل، خاصة بعدما حسم خياراته بعدم سلوك طريق العدالة الانتقالية، لتضمنها عنصري المحاسبة والمصالحة، وفي ظل استمرار محاولات تحريك دعاوى ضد قيادات الدولة آنذاك في الخارج. ولم تكف في هذا السياق التبعية المطلقة للنيابة العامة والسلطة القضائية للنظام، ليأمن قادة السلطة الحاكمة وقت فض الاعتصام من خوف دفين من أي محاسبة مستقبلية، أو إجراءات قضائية دولية من شأنها تعريض شخصيات نافذة للخطر، كالسيسي نفسه، أو وزير الداخلية آنذاك محمد إبراهيم، أو رئيس الوزراء آنذاك حازم الببلاوي، أو رئيس الجمهورية المؤقت السابق عدلي منصور، أو رئيس الأركان آنذاك ووزير الدفاع السابق صدقي صبحي، وكذلك رؤساء وقادة الفرق الشرطية والعسكرية التي شاركت في عملية الفض. 
ففي صيف 2018 أصدر السيسي قانون معاملة بعض كبار قادة القوات المسلحة، الذي يجيز له إصدار قرار بتحديد بعض الشخصيات العسكرية ممن تولوا مناصب قيادية في فترة تعطيل الدستور، التي وقعت خلالها أحداث رابعة والنهضة، ومنحهم حصانة نهائية من أي إجراءات قضائية بشأن أي جرائم وقعت منهم، أو بمناسبة توليهم مناصبهم، وكذلك منحهم حصانة دبلوماسية تقيهم الملاحقة القانونية خارج مصر. والسيسي نفسه على رأس الشخصيات العسكرية التي تستفيد من هذا القانون للإفلات من أي ملاحقة قضائية، محلية أو دولية، بسبب اعتصام رابعة، فهو المسؤول الأمني الأول في البلاد وقت الأحداث، ولن يكون بمعزل عن المحاسبة إذا تغير النظام السياسي أياً كانت الطريقة، وحتى إذا لم تنته المساءلة بإدانته، فهو لا يرغب في وضع نفسه بموقف الرئيس المخلوع الراحل حسني مبارك، الذي نال من محكمة النقض براءة من تهمة قتل متظاهري ثورة 2011 بعد إجراءات استغرقت 5 سنوات.

المساهمون