ماذا بقي في الذاكرة بعد سبع سنوات على مذبحة ميداني رابعة والنهضة؟

14 اغسطس 2020
الصورة
تمّ فضّ الاعتصامين بقوة السلاح (تويتر)
+ الخط -

 

سبع سنوات مرت على المذبحة التي وصفتها منظمة "هيومن رايتس ووتش" بـ"القتل الجماعي في مصر"، والتي نفذت في شهر أغسطس/ آب عام 2013. أضافت المنظّمة أنّ "قوات الأمن المصرية نفذت (حينها) واحدة من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في العالم خلال يوم واحد، في التاريخ الحديث"، وذلك في إشارة إلى فضّ اعتصامين بقوة السلاح، الأول في ميدان رابعة العدوية بالعاصمة المصرية القاهرة، بالتزامن مع فضّ اعتصام آخر في ميدان النهضة بمحافظة الجيزة.
هناك العديد من الصور والأفلام التسجيلية التي وثّقت للحدث، لكن كانت هناك وقائع محدّدة بقيت في الذاكرة.

 الأشهر ربما، هي صورة ذلك الشاب، التي لا تُنسى، وهو يصرخ من هول ما يرى، وكان من ضمن من التقطتهم عدسته مصعب الشامي، قبل اغتياله من قبل القناصة وهو يوثق لمذبحة رابعة. الصورة تعود لطالب كلية العلوم في جامعة المنوفية أنس سامي شرف. 

ينتمي أنس إلى جماعة الإخوان المسلمين، وشارك في كلّ الفعاليات التي تلت الانقلاب العسكري، وقُتل عمه في أحداث الحرس الجمهوري، فأصرّ على البقاء وعدم الانسحاب مع تعالِي صافرات الإنذار بتفريغ الاعتصام. صرخة أنس جاءت بعد العجز عن صدّ إحدى الجرّافات، بعدما قامت قوّات الأمن بإشعال النيران في الخيام وإطلاق قنابل الغاز بكثافة.
بعد نجاته من المذبحة، استمر في المشاركة في الفعاليات التي تطالب بسقوط النظام العسكري، حتى تمّ إلقاء القبض عليه فى مظاهرات 6 أكتوبر 2013، بشارع قصر العيني بالقاهرة، واعتقل لمدة شهر، ثم أُخلي سبيله بكفالة. إلاّ أنه تمّ إلقاء القبض عليه مرة أخرى، ووجهت له 6 تهم مختلفة في 6 قضايا، حصل فيها على مجموعة أحكام بـ24 سنة، يقضيها في سجن شبين الكوم، بمحافظة المنوفية. هناك أعلن أنس خطبته على سارة، الطالبة بكلية الهندسة، ولا يوجد خبر عن مصير تلك الخطبة، لكن المؤكّد أنّ هناك شاباً يضيع مستقبله خلف القضبان.

"اصحي يا ماما"
"اصحي يا ماما.. يا ماما.. اصحي بالله عليكي"، النداء كان للطفل رمضان إبراهيم، صاحب الأحد عشر عاماً. الطفل الذي أبكى الملايين بعد انتشار مقطع الفيديو له، الذي حظي بملايين المشاهدات على موقع "يوتيوب"، يوم فض رابعة. في الفيديو، هو يرى أمه تفارق الحياة أمامه في المستشفى الميداني، وهو يحاول استيعاب وفاتها. بحسب ما ذكرت وكالات الأنباء، بعد عام من الفضّ، فإنّ رمضان يعيش مع جدته في محافظة بني سويف، جنوبي البلاد، وعانى في الأشهر الأولى من وفاة أمه، وكان يبكي بشكل مستمر وتنتابه نوبات قاسية. وعند سؤاله عن كيف يمضي أيامه، أجاب "بحفظ قرآن وبروح المدرسة، وهي أكيد مبسوطة".
لم يكن فيديو اللحظات الأخيرة لأسماء البلتاجي، ابنة القيادي الإخواني محمد البلتاجي، أقلّ تأثيراً من فيديو رمضان. "أسماء التي كانت تكتب دائماً في دفترها، (يا إما نحول أمتنا إلى جنة أو نذهب نحن إلى الجنة). المقطع الذي سجّل لحظاتها الأخيرة وهي تردد (يا رب.. يا الله)، كان وما زال من المقاطع الباقية والشاهدة على حجم الجريمة. أسماء لم تسلم من الظلم حتى بعد استشهادها، فبحسب ما قالته والدتها، فإنّ "النظام العسكري يرفض وضع لوحة تشير إلى قبرها، ويقومون بإزالته كلما حاول أحد من عائلتها وضعه. وعندما ذهبت زميلاتها للكتابة على قبرها عبارة (في الجنة يا أسماء هنا قبر الشهيدة)، قاموا بطلاء المكان بالكامل ليزيلوا أي معالم  تشير إلى قبر الشهيدة أسماء".

حبيبة عبد العزيز
رغم أنّ حبيبة عبد العزيز كانت ضدّ الرئيس الراحل محمد مرسي، إلا أنها بعد الانقلاب انحازت للشرعية، وانضمّت لاعتصام رابعة يوم 30 يوليو/تموز، وعملت في المركز الإعلامي هناك. لكنها كانت ترغب في نشر وقائع الاعتصام بشكل أوسع، فالتحقت بالجزيرة مباشر مصر كمتطوعة، وتعلّمت حمل الكاميرا لتقديم البث المباشر. وعند بداية الفضّ كان المطلوب منها الوجود عند "طيبة مول"، بعيداً عن المواجهات، لكنها تقدمت للصفوف الأولى، وسجّلت على صفحتها الخاصة على فيسبوك أنها ترى قناصة الجيش، ونقلته كاميرا البث المباشر الخاصة بها، حتى اكتشف جنود السيسي ما يدور، واستهدفوها برصاصة في قلبها. وكتب في شهادة وفاتها أنّ سبب الوفاة "فاصلة".
من المشاهد التي علقت كذلك في الذاكرة، هو عدد القتلى الذين تساقطوا في ميدان رابعة، ونظراً لضيق المكان، فقد تحوّل مسجد الإيمان بشارع مكرم عبيد، القريب من الميدان، إلى ما يشبه "ثلاجة الموتى"، فعندما ضاقت الأرض بقتلاها، تولى المعتصمون نقل الجثث إلى المسجد عن طريق العربات الملاكي والدرجات البخارية. لم يُعرف أصحاب بعض الجثامين،  فكتب على أكفانهم "مجهول"، وبحسب شهود، فقد قاربت الجثامين الثلاثمائة جثمان.

وتطوّع الأطباء المعتصمون بكتابة تقارير مبدئية عن أسباب الوفاة، في محاولة لمساعدة أهالي القتلى لاستخراج تصاريح الدفن. وبحسب ما أفادت به مروة، نجلة القتيل محسن أحمد عبد الصمد (48 عاما)، فإنّ مشرحة زينهم طالبتهم بأن يقولوا إنّ والدهم مات منتحراً لكي يمنحوهم تصريح الدفن. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ ما لبثت قوات الأمن بمحاصرة المسجد تحت دعاوى وجود مسلحين قبل اقتحامه.
جريمة أخرى أضيفت إلى سجلّ الانقلاب العسكري مع تلك المذبحة، التي رُصدت فيها  القوات الأمنية وهي تستخدم الجرّافات، لإزاحة الحواجز التي وضعها المعتصمون، وكذلك الجثث والخيام، في مخالفة صريحة للأعراف والمواثيق الدولية، حتى المعايير الإنسانية من حيث التمثيل بالجثث. حتى إنهم خالفوا اتفاقية جنيف لعام 1949، وقاموا بضرب الأطباء واستهداف عربات الإسعاف والدراجات البخارية التي تنقل المصابين. واستهدفوا المستشفى الميداني، كما المستشفى الملحق بمسجد رابعة العدوية، وسرعان ما امتدت النيران من خيم المعتصمين إلى المسجد حتى التهمته بالكامل.

 


مذبحة ميدان النهضة
مع بشاعة ما حدث في مذبحة رابعة، كانت تقام في التوقيت ذاته، مذبحة أخرى لم تقلّ عنها بشاعة، مع فارق أنّ مذبحة النهضة لم توثّق بشكل كبير، من ناحية الصور أو مقاطع الفيديو. لا شيء سوى شهادات عمّا لاقاه المعتصمون من قوات الأمن، أثناء الفضّ والذي لم يختلف كثيراً عما حدث في رابعة، حيث تمّ حصار الميدان من جميع المداخل، وبدأ إطلاق قنابل الغاز من الطائرات والرصاص الحي والمطاطي. كما تمّ سحل واعتقال من حاول الخروج من الممر الآمن. لكن أكثر ما بقي من المذبحة هو رائحة الموت والحريق الذي انبعثت من كل مكان وصورة الجثث المحترقة والملقاة في محيط الميدان.

المساهمون