عصابات تحكم السجون العراقية: ابتزاز واغتصاب وتعذيب

21 يناير 2021
الصورة
سجون العراق تشهد الكثير من الجرائم والانتهاكات (فرانس برس)
+ الخط -

كشف مسؤولان عراقيان في العاصمة بغداد، أحدهما في وزارة العدل لـ"العربي الجديد"، أن السلطات الأمنية والقضائية باشرت تحقيقاً موسعاً في ثلاثة من السجون الرئيسية في البلاد، بشأن معلومات عن حصول انتهاكات مروّعة في السجون. وأبرز تلك الانتهاكات متعلقة بتورّط ضباط ومسؤولين بجرائم الاتجار بالجنس بين النزلاء، ومساومة ذوي السجناء خلال زيارتهم السجون، فضلاً عن استمرار جرائم التعذيب عبر الصعق بالكهرباء والطعن بالسكاكين والحرق بالماء الحار والحرمان من الطعام والشراب.

وسبق لرئيس مؤسسة "الإصلاح والتغيير العراقية"، صباح الكناني، أن تحدث يوم الأحد الماضي، في مقابلة تلفزيونية، عن سلسلة من الانتهاكات الخطيرة داخل السجون العراقية منذ سنوات. وكشف أن السجون تضمّ كبار المسجونين وبعضهم من الأثرياء، ومحكوم عليهم بعشرات السنوات لجرائم مختلفة. وأضاف أنه من خلال تواطؤ بعض الضباط والمسؤولين، مقابل بدل مادي، في عملية نقل شبّان صغار السن إلى مكان سجن هؤلاء للاعتداء عليهم جنسياً. ونوّه إلى أن "كبار السجناء، باتوا أشبه بالعصابات ويمتلكون الكثير من الأموال. ويصل سعر الشخص المنوي الاعتداء عليه إلى نحو 10 آلاف دولار، ويتم اغتصابه". وطالب بإرسال لجان طبية للكشف عن حقيقة ما يجري في السجون.

يتمّ نقل سجناء صغار السن من سجون معينة للاعتداء عليهم في سجون أخرى

ورأى الكناني أن الأمر تعدّى وجود عمليات مساومة وابتزاز لعائلات المعتقلين، من خلال الضباط الذين يتواصلون مع زوجات المعتقلين وأمهاتهم بدعوى نقلهم إلى مكان أفضل داخل السجن أو وقف التعذيب عنهم، وكله من أجل الحصول على مبالغ مالية. وقال إن "قضية السجون تحتاج إلى مسؤول لديه غيرة وينتفض لما يحدث"، لافتاً إلى امتلاكه شهادات وتسجيلات مسرّبة من عائلات سجناء ومن نساء سجينات تعرضن إلى الاعتداء.

في السياق، أفاد مسؤولان عراقيان، أحدهما في وزارة العدل، لـ"العربي الجديد"، بأن رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، وجّه بفتح تحقيق موسع إزاء الأوضاع في السجون عموماً في البلاد. ووفقاً لمسؤول في دائرة الإصلاح بوزارة العدل، فإن سجني التاجي والناصرية، هما أكثر السجون التي تشهد انتهاكات، وأن العمل على فتح ملف السجون سيبدأ منهما قبل التمدد نحو سجون أخرى. وأضاف أن هناك شكوى سابقة وصلت إلى هيئة النزاهة تتعلق بطعام السجناء والتلاعب به، لكن الأكثر خطورة هي جرائم اغتصاب شبان بالتواطؤ مع ضباط مقابل مبالغ مالية، فضلاً عن جرائم ابتزاز ذوي السجناء من قبل مسؤولين في السجون.

ولفت المسؤول إلى أن "الانتهاكات بدأت بقرار من وزير العدل الأسبق حسن الشمري، لجهة قبول المئات من أفراد المليشيات في الوزارة بقطاع السجون، ضمن خطة الدمج التي سبقت اجتياح داعش عام 2014. بالتالي فقد أسس هؤلاء لقاعدة الانتهاكات الكبيرة في السجون، وصلت إلى حدّ تشكيل مافيات تدير تجارة الممنوعات من داخلها".
وأكد مسؤول آخر في بغداد، فتح الحكومة ملف الجرائم والانتهاكات بالسجون، كاشفاً أنه سيتم استدعاء الكناني لتسليم ما لديه من معلومات ووثائق. واعتبر أن "التحقيق لا يتحمل الإعلان عنه في وسائل الإعلام كونه غير مشرّف"، مضيفاً أن "موضوع التعذيب أو سوء المعاملة يبدو هيناً أمام الجرائم الجديدة المكتشفة للإعلام".

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، قد دعت في وقتٍ سابق، الحكومة ومجلس النواب العراقيين إلى إقرار تشريعات تعالج أوجه القصور الرئيسية المتعلقة بحقوق الإنسان في النظام القانوني العراقي. وشدّدت على أنها طالبت السلطات العراقية "على مدى السنوات الماضية بالإعلان عن العدد الإجمالي للأشخاص في السجون العراقية، لكنها رفضت القيام بذلك. وهو ما جعل من المستحيل تقييم ما إذا كان الإفراج حتى الآن، قد قلّل بشكل كاف من الاكتظاظ الحاد وأمن مبدأ التباعد الاجتماعي".

من جهته، أكد عضو نقابة المحامين العراقيين في بغداد كرم العيثاوي، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "غالبية السجناء يعانون سوء المعاملة وابتزاز ذويهم، خصوصاً النساء اللواتي يأتين لزيارة أزواجهن أو أبنائهن، فضلاً عن سوء التغذية واكتظاظ السجون بالنزلاء وانتشار الأمراض المعدية. أما في السنوات الأخيرة فانتشرت أكثر من ظاهرة، ومنها القضايا اللاأخلاقية، بتعاون وتنسيق ما بين مسجونين يُلقبون داخل السجون بالباشوات، وضباط ومسؤولين العنابر في بعض دوائر الإصلاح التابعة لوزارة العدل". وأوضح أن "الحكومة والسلطات المسؤولة تُعلن دائماً عن تشكيل لجان تحقيقية بهذه الملفات، التي عادة ما يثيرها قانونيون وناشطون، إلا أنها لا تعلن عن النتائج التي تصل إليها في التحقيقات".

سبق أن أُجريت تحقيقات سابقة لكنها لم تصل إلى نتائج

بدوره، أكد النائب رعد الدهلكي، وصول عشرات الشكاوى لهم في الفترة الأخيرة من السجون لكن الحكومة لا تحرك ساكناً، مشيراً في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إلى أن "سجون العراق تشهد الكثير من الجرائم والانتهاكات وسط صمت حكومي وقضائي. وأسوأها هو تعرض ذوي النزلاء للابتزاز من أجل إجراء مقابلات مع أبنائهم، وهناك عمليات فساد كبيرة تقودها مافيات تابعة لأحزاب سياسية بهذا الملف". وشدّد على أن "بعض السجون تتكتم عن أعداد الوفيات الحقيقية وأسبابها، خصوصاً سجنَي التاجي ببغداد والحوت في الناصرية. وهناك حديث عن انتشار أوبئة وأمراض داخل السجون. كما أن ذوي المسجونين يدفعون الكثير من الأموال من أجل إدخال الطعام والملابس إلى السجن".

حول ذلك قال عضو مفوضية حقوق الإنسان علي البياتي، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إن "الحكومة العراقية ودوائر الإصلاح ووزارة العدل والمنظمات الحقوقية والإنسانية، مطالبة بالتحقيق في بعض المعلومات الأخيرة حول السجون". وأضاف أنه "يجب كشف نتائج تحقيقات تلك الدوائر أمام الإعلام، تحديداً التحقيقات المرتبطة بالسجون التي تحدث فيها انتهاكات كثيرة، مثل التاجي ببغداد والحوت في الناصرية وتلكيف بمحافظة نينوى". ونوّه إلى وصول "تقارير من منظمات ومن مفوضية حقوق الإنسان إلى وزارة العدل في وقتٍ سابق، تحدثت عن عشرات الحالات من عمليات المساومة والرشى التي قادها ضباط ومسؤولون".

الجريمة والعقاب
التحديثات الحية

المساهمون