شهران من حكم "طالبان": صداع "داعش" وانهيار اقتصادي

شهران من حكم "طالبان": صداع "داعش" وانهيار اقتصادي

15 أكتوبر 2021
عناصر "طالبان" أمام مسجد هاجمه "داعش" الأسبوع الماضي (بلال غولر/الأناضول)
+ الخط -

بعد شهرين على سيطرة حركة "طالبان" على السلطة في أفغانستان، لا تزال الحركة غارقة في تحديات جمّة، لم تكن مستعدة لمواجهتها، في ظل الفشل في وضع حد لتدهور الوضع المعيشي والاقتصادي، وتحوّل تنظيم "داعش" إلى صداع مستمر للحركة. في المقابل، أظهرت الحركة بعض المرونة في ملفات مختلفة، منها ملف النساء والتعامل مع عملية إجلاء الأجانب، كما أجرت مباحثات مع المجتمع الدولي من أجل انتزاع الاعتراف ورفع التجميد عن الأصول الأفغانية في الخارج. لكن كل تلك المساعي لم تكلل بالنجاح إلى حد الآن، فالمجتمع الدولي، تحديداً الولايات المتحدة، لا يزال يصر على موقفه حيال الاعتراف بـ"طالبان" ورفع التجميد، لكنه في الوقت نفسه أبقى قنوات تواصل مع الحركة، علاوة على إيصال مساعدات إنسانية إلى أفغانستان.

تمكنت "طالبان" بعد سيطرتها على كابول من احتواء أكبر قضية واجهتها آنذاك، وهي المقاومة ضدها في جبهة بانشير، إذ استطاعت بعد حرب استمرت ستة أيام على القضاء على "مقاومة بانشير"، والسيطرة على عاصمة الولاية بازاراك، التي اتخذتها "جبهة المقاومة الوطنية" بزعامة أحمد مسعود، نجل أحمد شاه مسعود، مقراً لمقاومة "طالبان"، ولجمع مسلحيها من مختلف مناطق شمالي البلاد. وعلى الرغم من احتواء هذه الأزمة، خلّفت القضية شرخاً كبيراً بين "طالبان" التي تتشكل في معظمها من الإثنية البشتونية، وبين الإثنية الطاجكية التي كانت تدعم جبهة المقاومة، والتي ينتمي إليها أحمد مسعود ومعظم قيادات الجبهة.


هناك حاجة لتوظيف شخصيات اختصاصية في الحكومة

وكان من المتوقع أن تعلن "طالبان" بعد ذلك حكومة شاملة لجميع الإثنيات والوجوه السياسية السابقة، لكنها قامت بعكس التوقعات بإعلان حكومة كلها من قيادات الحركة. كان من بين أعضاء الحكومة، التي ترأسها رفيق درب مؤسس الحركة الملا عمر، الملا حسن أخوند، منتمون إلى عرقيات أخرى غير البشتون، ولكنها لم تكن الحكومة التي يتوقعها المهتمون بقضية أفغانستان من الداخل والخارج. ولا تزال دول في المنطقة والعالم، منها باكستان وتركيا وطاجكستان، تطلب من "طالبان" إعادة النظر بتشكيل الحكومة لترضي العالم، غير أن الحركة لا تزال تصر على رؤيتها وهي أن الحكومة شاملة.

ومن الانتقادات التي توجه إلى الحكومة أيضاً، خلوّها من الكوادر والتخصصات، وبالنظر إلى ما تواجهه أفغانستان في هذه الفترة العصيبة ثمة حاجة ملحّة لأن تنضم إلى الحكومة كوادر وتخصصات مختلفة، تحديداً في الوزارات المعنية بالحالة المعيشية والاقتصادية. لكن وزير خارجية حكومة تصريف الأعمال الأفغانية أمير خان متقي، قال خلال زيارته الأخيرة إلى الدوحة، إن "طالبان" لم تجر تغييرات كبيرة على مستوى الحكومة، وإنها عيّنت فقط الوزراء بينما الطاقم الإداري بقي في مكانه، فعلى سبيل المثال جاء مع ستة من أفراده إلى وزارة الخارجية، بينما الطاقم الباقي استمر في منصبه.

بعد أن مضت الأيام الأولى لسيطرة "طالبان" على كابول، بدأ قياديون في الحركة قبل تشكيل الحكومة، ومعظمهم أعضاء مكتب الدوحة، بإجراء المباحثات مع سفراء ومندوبي الدول المختلفة في كابول، لإقناعهم في المرحلة الأولى بالتعامل مع حكومة "طالبان" ومواصلة الإغاثة الإنسانية. ويبدو أن الحركة نجحت في هذه المرحلة إلى حد كبير، بإقناع العالم كله، بما فيه واشنطن ودول أوروبية مختلفة، بإبقاء قنوات تواصل معها، مع مواصلة عمليات الإغاثة الإنسانية في شتى المجالات، ولها آثار على الأرضي تحديداً في المناطق النائية.

ويبدو أن الحركة بدأت مرحلة جديدة من الحوار مع دول العالم، أساسها زيارة أمير خان متقي الأخيرة إلى الدوحة، حيث أجرى مباحثات في غرفة مغلقة مع وفد أميركي، وكان التركيز خلال تلك المباحثات، حسب "طالبان"، على تطبيق اتفاق الدوحة الموقع في 29 فبراير/شباط 2020 بين الأميركيين والحركة، ورفع التجميد عن الأصول الأفغانية. وبطبيعة الحال كانت محاولة من الحركة لبدء صفحة جديدة مع العالم في العلاقات الدبلوماسية. ثم توجه وزير الخارجية إلى تركيا ليجري مباحثات مع القيادة التركية. ولا شك أن تركيا كانت من بين الدول التي كانت من المفترض أن تعتمد عليها "طالبان" أكثر بالإضافة إلى قطر والصين، ولكن يبدو أن أنقرة لم تكن مرتاحة لما تمارسه "طالبان"، تحديدا ملف مطار كابول الدولي، بالتالي زيارة متقي إلى تركيا محاولة لتحسين العلاقة بين الطرفين.

الدور الباكستاني
منذ نشأتها عام 1994 كانت من بين الانتقادات الموجهة لـ"طالبان" أنها حركة أسستها باكستان وأنها ممولة من قبلها، وكان الكثيرون يتوقعون بعد سيطرة الحركة على كابول للمرة الثانية، أن باكستان نجحت في الوصول إلى مبتغاها، وربما إسلام آباد نفسها كانت تتوقع ذلك، لكن ما حصل بين الطرفين كان بخلاف توقعات الجميع. لم تلبّ "طالبان" مطلب إسلام آباد الأول باتخاذ خطوات جادة ضد حركة "طالبان" الباكستانية، كما طلبت حكومة "طالبان" من إسلام آباد إطلاق سراح ما يقرب من 1300 من قيادات وعناصر الحركة كانوا في السجون الباكستانية. لاحقاً، وبعد وقوع شجارات على الحدود، قامت "طالبان" بإغلاق منفذ سبين بولدك الحدودي في جنوب أفغانستان مع باكستان، في وجه كل ما يستورد من باكستان أو يمر عبرها من دول مختلفة، وذلك احتجاجاً على ما وصفته الحركة بسوء تعامل السلطات الباكستانية مع المواطنين الأفغان، تحديداً المرضى والتجار. لم تعلّق باكستان على هذه الخطوة التي فاجأتها، ولكنها عادت لتغلق منفذ طورخم في وجه الحركة التجارية، تحديدا ما يُصدَّر من أفغانستان.


لن ترضخ طالبان لباكستان في ملفي التجارة والاقتصاد

وقد أثارت صور فاكهة رماها التجار على جوانب الشوارع وفي الأماكن الخالية على الحدود مع باكستان بدلاً من نقلها إلى هناك، استياء عامة الأفغان وقادة الحركة أيضاً. لم تكتفِ باكستان بإغلاق المنافذ بل أيضاً لجأت إلى إيقاف رحلات شركة "كام إير" الأفغانية ومن وإلى باكستان لأسباب غير معلومة. وعلقت الخطوط الجوية الباكستانية الدولية رحلاتها إلى كابول، أمس الخميس، بسبب ما وصفته بـ"تدخل جائر" من جانب سلطات حركة طالبان، في أمور عدة، منها تغييرات تعسفية للوائح وترهيب العاملين.

ويبدو أن "طالبان" لن ترضخ لمطالب باكستان فيما يخص التجارة والاقتصاد؛ بالتالي بدأ الاهتمام أيضاً بإيران وعقدت معها مفاوضات توصلت إلى اتفاقات معينة، كما أن هناك أحاديث مع كل من أوزبكستان وتركمانستان من أجل تطبيع عملية التجارة، تحديداً التصدير والاستيراد.

وقبل سيطرة "طالبان" على كابول نفذ تنظيم "داعش" هجوماً كبيراً داخل مطار كابول، ما أدى إلى مقتل أكثر من 80 شخصاً، بينهم أميركيون. حينها أكدت "طالبان" أن العملية وقعت في منطقة تسيطر عليها القوات الأميركية وهي المسؤولة عن تأمين الحماية. لكن خلال الشهرين الماضيين أثبت "داعش" وجوده في مناطق مختلفة من البلاد، خصوصاً في الشرق، إذ لا يمر يوم إلا ويعثر سكان مدينة جلال آباد على جثامين إما مشنوقة أو مقطوعة الرأس، وذلك ضمن الصراع المتواصل بين التنظيم والحركة. كما نفذ التنظيم أكبر هجوم على مسجد للشيعة في قندوز الشمالي الأسبوع الماضي ما أدى إلى مقتل 100 شخص. وعلى الرغم من تأكيدات "طالبان" أن "داعش" لا يشكل خطراً كبيراً، غير أن المراقبين يرون أن "داعش" هو الصداع الحقيقي في وجه الحركة، وهي ورقة يمكن لاستخبارات المنطقة أن تحركها في وجه الحركة في الوقت الراهن، بعد أن فشلت جبهة بانشير في الوصول إلى مبتغاها.

الوضع الاجتماعي
ومن بين الكثير من الملفات الشائكة التي تواجهها "طالبان"، ملف الحالة المعيشية، إذ لم تتمكن الحركة إلى حد الآن من جعل المصارف الأفغانية تعمل بشكل طبيعي، ما يؤدي إلى عدم قدرتها على الاعتماد على النظام المصرفي. ولعل سلوك المجتمع الدولي هو أهم عامل في فشل "طالبان" في هذا الجانب، لكن معروف أيضاً أن الحركة لم تتخذ خطوات فاعلة لاحتواء هذا الجانب داخلياً، من خلال توظيف مؤهلين لديهم خبرة في مجال الاقتصاد.


لم تتمكن طالبان من دفع الرواتب لجميع الموظفين في القطاع العام

كذلك لم تتمكن الحركة على الرغم من مضي شهرين على استلامها السلطة، من دفع رواتب جميع الموظفين سوى في بعض الإدارات، كإدارة شرطة المرور، علماً بأنهم لم يستلموا سوى راتب شهر واحد. بالتالي يعيش المواطن الأفغاني في حالة صعبة جداً، مع بروز ظواهر اجتماعية سيئة، منها بيع أثاث المنازل. وهي ظاهرة تحولت إلى تجارة تشهدها جميع شوارع العاصمة كابول. كما بدأ مواطنون يتجهون صوب القرى والأرياف بدلاً من العيش في كابول، بسبب ارتفاع كلفة المعيشة فيها.

وفوق كل ذلك شهدت قيمة العملة الأفغانية تدهوراً كبيراً، مقابل العملة الصعبة، لا سيما الدولار الأميركي، ما أدى إلى ارتفاع في الأسعار، خصوصاً الاحتياجات الأولية والوقود. وكل ذلك جعل المختصين بالجانب الاقتصادي يتوقعون أن الآتي أصعب، مع تنامي حالات الهروب من البلاد، حتى بطرق غير شرعية، إلى إيران ثم تركيا، ومنها إلى أوروبا.

مع ذلك، رأى رئيس المكتب الإعلامي في الداخلية، قاري سعيد خوستي، في حديثٍ مع "العربي الجديد" أنه رغم هذا التحول الكبير، إلا أن ما حصل ليست أشياء كبيرة، والحركة تحتاج إلى فترة زمنية كي تسيّر الأمور طبيعياً. كذلك قال القيادي السابق في الحركة السيد أكبر أغا لـ"العربي الجديد" إن "طالبان" أثبتت أنها تغيرت وأنه بإمكانها أن تدير البلاد، ولكن هناك حاجة إلى أن يتعامل معها المجتمع الدولي ودول المنطقة.

ومما كان يتوقعه الشعب ولم يحصل أن "طالبان" لم ترسم أيضاً سياستها حيال الجيش والشرطة السابقين، خصوصاً أن معظم عناصرهما عاطلون عن العمل. كما أنها فشلت حتى الآن في بدء عملية الدراسة في المدارس في مراحل ما فوق الصف السادس إلى الثانوية، والجامعات الحكومية لا تزال مغلقة، في حين أن "طالبان" تكرر وعدها بأن العمل على الملفات مستمر، وأن ما يريده الشعب سيحصل قريباً.

المساهمون