سحب النقاط المحاصرة في إدلب: انعكاس للتفاهمات التركية الروسية

21 أكتوبر 2020
الصورة
تعزيزات تركية إلى نقطة مورك في إبريل 2018 (أيمن كاراجا/الأناضول)
+ الخط -

واصلت قوات النظام السوري قصفها اليومي المعتاد لمناطق جنوبي إدلب، بالتزامن مع سحب تركيا لنقطة المراقبة التي كانت قد أقامتها في مورك بريف حماة الشمالي، في خطوة تفاوتت التحليلات بشأن مغزاها وأهدافها وأبعادها العسكرية والسياسية، وما إذا كانت فاتحة لتفكيك وسحب مجمل النقاط العسكرية التركية المحاصرة في شمال غربي سورية من جانب قوات النظام السوري. علماً أنّ مصادر تركية رفيعة كانت قد أكدت لـ"العربي الجديد"، في وقت سابق، أن هناك نية بالفعل للانسحاب بشكل تدريجي وهادئ من نقاط المراقبة الثلاث: مورك وشير المغار في ريف حماة، والصرمان في ريف إدلب، عازيةً ذلك إلى تبلّغ أنقرة من موسكو بعدم تمكنها بعد الآن من توفير الحماية لهذه النقاط، مع إدراك تركيا أنه لم يعد هناك أي تأثير وفعالية ميدانية لهذه النقاط، ولن تكون ذات نفع لفصائل المعارضة المدعومة من قبلها. وبالتالي كانت هذه النقاط موضوع تفاوض مع الجانب الروسي، ومن خلال تلك المفاوضات، ونتيجة للتطورات الحاصلة والتعزيز العسكري في إدلب، والرسائل والمطالب الروسية التي جاءت في هذا الإطار، كانت خطوة الانسحاب.

ميدانياً، ذكرت مصادر محلية لـ"العربي الجديد"، أنّ قوات النظام قصفت، أمس الثلاثاء، بلدات سفوهن وفليفل والفطيرة وكنصفرة وبينين في ريف إدلب الجنوبي، إضافة إلى بلدة الزيارة وقرى تل واسط ومحيطها في ريف حماة الشمالي الغربي، وسط تحليق لطائرات الاستطلاع في أجواء المنطقة.

ومن جهتها، قصفت الفصائل المقاتلة بالمدفعية مواقع لقوات النظام على محاور التماس، جنوبي إدلب، فيما سيّرت القوات التركية، صباح أمس الثلاثاء، دوريتها المنفردة الخامسة على الطريق الدولي حلب - اللاذقية "أم 4" انطلاقاً من ريف إدلب الشرقي وصولاً إلى ريف اللاذقية الشمالي الشرقي.


رافقت الشرطة العسكرية الروسية القوات التركية أثناء انسحابها من مورك

وجاء ذلك بالتزامن مع مواصلة تركيا عملية سحب قواتها من نقطة مورك العسكرية الواقعة ضمن سيطرة النظام السوري بريف حماة الشمالي، والتي بدأت اعتباراً من فجر أمس، الثلاثاء، من خلال خروج عشرات الآليات العسكرية والشاحنات المحملة بكتل إسمنتية ومواد عسكرية ولوجستية من مورك واتجاهها نحو معرحطاط بريف إدلب. وقد رافقت الشرطة العسكرية الروسية القوات التركية أثناء انسحابها من مورك باتجاه جنوب إدلب، إذ نشر ناشطون تسجيلات مصورة تظهر الرتل التركي ترافقه عربات الشرطة العسكرية الروسية.

وتعد نقطة مورك أكبر نقطة عسكرية لتركيا في ريف حماة الشمالي، وكانت قد أقامتها منذ نحو عامين و4 أشهر، وهي تبعد عن الحدود التركية أكثر من 80 كيلومتراً، ما يجعلها النقطة الأبعد جغرافياً عن نقاط الإمداد التركية.

وحسب "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، فإنّ القوات التركية تواصل تحضيراتها للانسحاب من مجمل نقاطها العسكرية ضمن مناطق سيطرة النظام السوري في ريفي حماة وإدلب، وذلك وفقاً لاتفاق روسي-تركي. إذ تعمل على تفكيك معداتها أيضاً في كل من شير مغار بريف حماة الغربي، والصرمان وتل الطوقان والترنبة ومرديخ ومعرحطاط، ونقطة شرق سراقب، والتي تقع في ريفي إدلب الشرقي والجنوبي الشرقي، وسط معلومات كذلك عن انسحاب مرتقب للأتراك من نقاطهم في ريف حلب ضمن مناطق سيطرة قوات النظام، وفق المرصد.

كذلك، نقلت مواقع موالية للنظام عما وصفته بـ"مصدر أمني سوري" قوله، أمس الثلاثاء، إنّ القوات التركية تقوم بتفكيك ثلاث قواعد تابعة لها، وهي مورك وشير معار في ريف حماة والصرمان بريف إدلب. غير أنّ وكالة "رويترز" نقلت عن "مصدر مطلع" طلب عدم نشر اسمه، قوله إنّ القوات التركية لا تفكّر في إخلاء نقاط مراقبة أخرى في هذه المرحلة.

ولم تعلّق الحكومة التركية من جانبها على هذه التطورات، إلا أنّ القيادي في المعارضة السورية العميد فاتح حسون، لم يستبعد في حديث مع "العربي الجديد"، انسحاب القوات التركية من نقاط "معزولة" أخرى "تحيط بها الظروف نفسها المحيطة بالنقطة في منطقة مورك"، مشيراً إلى أنه "سيتم سحبها تدريجياً باتجاه خط تماس يؤمّن لها التواصل الفاعل مع المقرات والقواعد والنقاط التركية الأخرى".

واعتبر حسون أنّ روسيا "لا تحقق أي مكسب من خلال انسحاب النقطة التركية من مورك، أو انسحاب نقاط أخرى معزولة، فهي تريد انسحاب كامل النقاط التركية من جنوب الطريق الدولي أم 4، وتخفيف الوجود التركي في منطقة إدلب، وهذا ما لم يتم". وقال إنّ "ما حدث هو لتخفيف الضغط الروسي على تركيا عبر الانسحاب من النقاط المعزولة".

ورأى حسون أنّ "إعادة انتشار بعض النقاط التركية في منطقة إدلب خطوة متوقعة في ظلّ تعنت الروس الشديد ورفضهم انسحاب قوات النظام حتى خطوط اتفاق سوتشي حول إدلب المبرم في سبتمبر/ أيلول 2018، إذ يحتاج بذلك تطويق النقاط إلى حل، لا سيما أن النظام بدأ يثير القلاقل حولها". وأضاف: "هذا لا يعني تخلياً تركياً عن المنطقة وسكانها، بل إعادة نشر النقاط بشكل ينسجم مع الواقع الميداني ويحقق استعداداً أفضل لأي قرار عسكري ميداني دفاعي كان أو هجومي". واعتبر حسون أنّ "انسحاب بعض النقاط التركية المطوقة، هو مصلحة عسكرية للحفاظ على الجنود وتأمين حمايتهم، إذ كان يتم ذلك بالتنسيق مع روسيا، وحالياً هذا يجعل تركيا مستعدة وأكثر قدرة على اتخاذ القرار الميداني، خصوصاً مع مواصلتها تعزيز قواتها في شمال غربي البلاد، وبناء خط دفاعي قوي هناك".


الانسحاب التركي من بعض نقاط المراقبة، قد يكون مقابله السماح بالحضور في مناطق أخرى

وبعد إشارته إلى تداخل وترابط الملفات بين موسكو وأنقرة في ليبيا وأذربيجان، توقّع حسون أن تكون روسيا أكثر ليونة مع تركيا في منطقة إدلب في الفترة المقبلة.

إلى ذلك، يرى البعض أنّ الانسحاب التركي من بعض نقاط المراقبة، قد يكون مقابله السماح بالحضور في مناطق أخرى، إذ من المستبعد أن تتخلى تركيا عن ورقة مهمة من دون مقابل، ولا بدّ أنها توصّلت إلى تفاهمات مع روسيا بتعزيز حضورها في مناطق أخرى مثل شرق الفرات.

وكانت قوات النظام قد عمدت في الأشهر الأخيرة إلى تصعيد مضايقاتها للنقاط التركية المحاصرة، خصوصاً في مورك، عبر إرسال عناصر من مليشياتها بلباس مدني بغية استفزاز العناصر الأتراك، فيما استهدفت قوات النظام في منطقة سراقب، شرقي إدلب، قبل يومين، رتلاً من الشاحنات المدنية المرافقة للرتل التركي المتجه من إدلب نحو نقطة المراقبة التركية في مورك، ما تسبب بمقتل سائق وإصابة آخرين.

كذلك، فإنّ روسيا عمدت بدورها، في الآونة الأخيرة، إلى عرقلة وصول شحنات إمداد إلى بعض النقاط التركية المحاصرة، ما يضعف قدرتها على الصمود في حال تجددت المعارك مع قوات النظام، وهو ما عزز من مخاوف تركيا من استخدام عناصرها في النقاط المحاصرة كورقة ضغط عليها لمنعها من مساندة قوات المعارضة السورية في إدلب في حال تجدد المعارك.

وحسب مصادر عسكرية في المعارضة السورية تحدثت لـ"العربي الجديد"، فانّ عمليات تفكيك النقاط التركية المحاصرة ستتواصل تباعاً، وقد تمتد حتى نهاية العام الحالي، مشيرة إلى وجود اتصالات ومفاوضات بين الجانبين التركي والروسي حول مستقبل المنطقة والنقاط الخلافية العالقة. وأكدت المصادر أنّ الانسحاب التركي لن يشمل المناطق جنوبي الطريق الدولي "أم 4"، بل ستكون منطقة جبل الزاوية مقصد الأرتال التركية المنسحبة، حيث سيتمركز الجزء الأكبر منها هناك، ما يعزز الخط الدفاعي في تلك المنطقة. والدليل على ذلك إرسال تركيا في الأيام الأخيرة تعزيزات كبيرة لمنطقة التماس بين قوات النظام والفصائل في جنوبي إدلب، بل وإقامتها قاعدة عسكرية جديدة هناك في قرية قوقفين تضم مدافع ثقيلة ودبابات.

ورجحت المصادر أن يعزز هذا الانسحاب التركي من اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب، لأنه يمثل رسالة لروسيا والنظام السوري بأن القوات التركية تحررت الآن من وسائل الضغط عليها بالنقاط المحاصرة، وهي تعزز قواتها على خطوط التماس، ما يجعلهما: النظام وروسيا، يفكران ملياً قبل شنّ هجوم على المنطقة. وأشارت إلى أنّ حجم القوات التركية هناك بات يزيد عن 15 ألف جندي، فضلاً عن قوة الفصائل، وهو ما يتفوق بشكل واضح على أي حشد لقوات النظام في المنطقة.


عمليات تفكيك النقاط التركية المحاصرة ستتواصل تباعاً، وقد تمتد حتى نهاية العام الحالي

غير أنّ الانسحاب التركي تسبب في خيبة أمل في أوساط النازحين والمهجرين الذين كانوا يعلقون آمالاً كبيرة على الوجود التركي لتسهيل عودتهم، خصوصاً في ظلّ التصريحات التركية السابقة التي كانت تؤكد بقاء نقاط المراقبة، وضرورة عودة قوات النظام إلى حدود اتفاق سوتشي، وتأمين عودة الأهالي إلى مناطقهم. إذ ما زال هناك نحو مليون نازح من مناطق ريفي حماة وإدلب في الشمال السوري، قرب الحدود مع تركيا.

ولدى تركيا 13 نقطة مراقبة عسكرية محاصرة من قبل النظام السوري، وهي مورك وشير مغار في ريف حماة، والصرمان والطوقان بريف إدلب، والعيس والراشدين وعندان وقبتان الجبل بريف حلب، والتي أقامتها بموجب اتفاق سوتشي مع روسيا في سبتمبر/ أيلول 2018. إضافة إلى تطويق قوات النظام، العام الماضي، عدداً من النقاط التي وضعها الجيش التركي خارج الاتفاق في معرحطاط ومحيط مدينة سراقب، وهي حوالي خمس نقاط.

وتأتي خطوة سحب الجيش التركي للنقطة المحاصرة في مورك بعد رفض أنقرة طلباً روسياً بتقليص عدد نقاط المراقبة في إدلب، خلال اجتماعات مشتركة استضافتها العاصمة التركية، منتصف الشهر الماضي.

المساهمون