زيارة السيسي لباريس: إنعاش التعاون الاقتصادي يسبق الملف الحقوقي

03 ديسمبر 2020
الصورة
وقع خلاف بين ماكرون والسيسي في 2019 (لودوفيك مارين/فرانس برس)
+ الخط -

يجري الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي زيارة دولة إلى فرنسا في السابع من الشهر الحالي، بعد نحو عامين من آخر محادثات رسمية، في زيارة دولة بينه وبين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عندما دخل الإثنان في خلاف معلن حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر، خلال الزيارة التي قام بها ماكرون إلى القاهرة في يناير/كانون الثاني 2019. وخلّف هذا الأمر وقتها حالة من الفتور بين الطرفين، وأدى إلى تعثر التعاون في عدد من المجالات، على الرغم من استمرار التنسيق - بل وتناميه- في مجالات أخرى، أبرزها التعاون الاستخباراتي والعسكري في مواجهة تركيا، لا سيما على التراب الليبي.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية استثنائية بسبب الوضع الحالي لحقوق الإنسان في مصر، والهجمة الأمنية الشرسة على المجتمع الحقوقي، وبصفة خاصة منظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية واعتقال ثلاثة من العاملين بها، في أعقاب اجتماع عقدته إدارة المبادرة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مع عدد من السفراء الأوروبيين، بينهم الفرنسي، في القاهرة. كما أعلنت حكومة السيسي إقرارها اللائحة التنفيذية لقانون العمل الأهلي الجديد، الذي كان أحد محاور النقاشات الأخيرة التي جرت في القاهرة، الشهر الماضي، بين وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان والسيسي ووزير الخارجية المصري سامح شكري، وهي الزيارة التي شهدت الإعداد لزيارة السيسي المرتقبة لباريس.

تكتسب زيارة السيسي لباريس أهمية استثنائية بسبب الوضع الحالي لحقوق الإنسان في مصر

وبالنسبة للفرنسيين، تكتسب الزيارة أهمية أخرى، تتمثل في التأكيد على احترام باريس للعالم العربي والإسلامي في أعقاب أزمة الرسوم التي تصور النبي محمد. ويعتبر الفرنسيون رؤية السيسي من بين الأقرب لهم في محيطه الإقليمي، نظراً لمواقفه المعادية للإسلام السياسي، والتصعيد ضد فرنسا أو أي دولة أخرى بالمقاطعة الاقتصادية احتجاجاً على الإساءات للنبي، ما سيعطي فرصة لترويج الخطاب الفرنسي الرسمي لمحاولة السيطرة على الأزمة، وتخطي مأزق دعوات المقاطعة الاقتصادية. إلى جانب اعتبار الزيارة فرصة لدراسة أفكار الإعداد لمؤتمر أوروبي إسلامي لمناهضة التطرف والإساءة للمعتقدات، وهي أفكار ترحب بها باريس، ولكن بشروط.
ويواجه ماكرون حالياً انتقادات لاذعة من المعارضة والصحافة بسبب الزيارة المرتقبة، وتعامل حكومته المتقدم مع النظام المصري الحالي في السنوات الماضية، خصوصاً في ملف التسليح، امتداداً لهجوم سابق من منظمات عدة، أبرزها "العفو الدولية"، بسبب تصديرها أسلحة مختلفة استخدمت في قمع المدنيين داخل البلاد. وأكدت المنظمة، في أكتوبر/تشرين الأول 2018، أن قوات الأمن المصرية قامت بإطلاق النار على المتظاهرين من داخل سيارات مدرعة ورّدتها فرنسا، من طراز "شيرباس" و"إم آي دي إس" استخدمت خلال بعض الأحداث الدامية.

وقالت مصادر دبلوماسية مصرية وأخرى أوروبية بالقاهرة، في أحاديث خاصة لـ"العربي الجديد"، إن الملف الحقوقي على أهميته للفرنسيين، وحتمية مناقشته من عدة جوانب خلال الزيارة، إلا أن الأولوية ستكون لملف التعاقدات الاقتصادية والعسكرية والتسهيلات التي ترغب باريس في تأمينها لأكثر من 90 مستثمرا فرنسيا في مصر. ويشارك بعض هؤلاء المستثمرين في مشاريع حكومية كبرى، والبعض الآخر يبحث عن فرص حقيقية لتوسيع أعماله مع الجيش والوزارات المعنية، خصوصاً في مجالات الخدمات العامة والمرافق والمشاريع الكبرى. وذكرت المصادر أن النقاشات في هذا الملف ستنطلق من ردود مصر على ملاحظات سجلتها فرنسا، بشأن تفضيل مستثمرين من دول أخرى للتعاقد معهم في أعمال حكومية مختلفة وضخمة، لأسباب سياسية، في إطار رغبة السيسي في تنويع أطراف التعاقدات الأجنبية، لإرضاء أكبر عدد من العواصم، وكذلك في أعقاب الخلاف حول حقوق الإنسان بينه وبين ماكرون.
وعلى الرغم من أن مصر باتت من المتعاقدين الرئيسيين على شراء الأسلحة الفرنسية في عهد السيسي، وأن البلدين ينسقان جهودهما الاستخباراتية والعسكرية بشكل متقدم في ليبيا ومنطقة شرق البحر المتوسط، فإن الملف الحقوقي كانت له آثار سلبية على مجالات الاستثمار والصفقات العسكرية في العامين الأخيرين، بالنظر إلى حجم الصفقات التي أبرمها الجيش المصري وحكومة السيسي مع إيطاليا وألمانيا، وهو ما أصبح يقلق دوائر مختلفة في باريس. 

يشارك بعض المستثمرين الفرنسيين في مشاريع حكومية مصرية كبرى

وفي هذا الإطار، سبق أن كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية ومصرية، لـ"العربي الجديد" في 10 و19 فبراير/شباط الماضي، أن فرنسا اعتذرت عن تزويد مصر بطلباتها البحرية، عندما أبلغتها، في خريف العام الماضي، برغبتها في رفع كفاءة قواتها البحرية، وتوسيع الأسطول الخاص بالفرقاطات متعددة المهام. حيث أبلغت باريس القاهرة أنها لن تستطيع الوفاء بالطلبات الخاصة بها على نحو سريع، وأن إيطاليا لديها قطع جاهزة من الفرقاطات "فريم"، يمكنها إمداد مصر بها على نحو عاجل. وهو ما حدث بالفعل، وكانت صفقة الحصول على الفرقاطتين بداية لإبرام أكبر صفقة تسليح في تاريخ مصر وإيطاليا، ربما تصل قيمتها إلى 11 مليار يورو، منها فقط مليار و200 مليون قيمة الفرقاطتين "فريم" اللتين ستصل أولاهما للقاهرة قريباً. 
وأكدت المصادر آنذاك أن الفرنسيين لم يكونوا صادقين في ادعائهم بأن سبباً فنياً وراء صعوبة إمداد مصر بالأسلحة والمعدات المطلوبة، بل إن السبب هو توتر دبلوماسي مكتوم بين البلدين على خلفية عدة ملفات، أبرزها أوضاع حقوق الإنسان. وبحسب المصادر فإن بعض الشخصيات الواقعية حول ماكرون تضغط حالياً لاستخدام الملف الحقوقي بشكل مختلف، لدفع السيسي لعقد المزيد من الصفقات، ومنح مزايا تفضيلية للفرنسيين، بدلاً من السعي لترهيبه، فضلاً عن استمرار التعاون في الملف الليبي والتعاون العسكري والاستخباراتي المباشر.
ومن المرتقب أن يناقش خلال الزيارة عدداً من المواضيع التي سبق وناقشها لودريان خلال زيارته الأخيرة، مثل موضوع الهجوم الصحافي الذي شنه، في ربيع العام الحالي، بعض الكتاب، المحسوبين على المخابرات العامة ودائرة السيسي، على شخصيات دبلوماسية غير بارزة في السفارة الفرنسية بمصر، وشخصيات فرنسية أخرى من الخارج، بدعوى أنها تتواصل مع حقوقيين وصحافيين معارضين. وسبق أن أبلغت الخارجية الفرنسية استياءها من هذا التعرض، محذرة من انعكاسه السلبي على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. كما سيتم بحث مسألة استمرار حبس عشرات النشطاء السياسيين والحقوقيين ممن تم اعتقالهم قبيل وعقب أحداث العشرين من سبتمبر/أيلول 2019. وأبرز هؤلاء المتهمين في القضية المعروفة إعلامياً بـ"مجموعة الأمل"، الذين كانوا يحاولون التنسيق للمشاركة في انتخابات مجلس النواب، ومنعتهم السلطات من ممارسة حقهم السياسي عبر اعتقالهم. وسيتم بحث ملف مصير نشطاء بعينهم، والشكاوى التي تصل إلى باريس وترصدها المنظمات الحقوقية بشأن سوء أوضاعهم في السجون المصرية، ممن هم معتقلون على ذمة "مجموعة الأمل" وغيرها من القضايا. وبين هؤلاء الناشط اليساري المصري الفلسطيني رامي نبيل شعث، الذي تهتم باريس بوضعه بشكل خاص لاقترانه بزوجة فرنسية، هي سيلين لوبران. وسبق أن أصدرت الخارجية الفرنسية بيانات عدة بشأن هذه القضية، لحث القاهرة على الإفراج عنه، ورفع اسمه من قائمة الإرهاب التي تم إدراجه عليها العام الماضي مع غيره من المتهمين في هذه القضية.
ومن بين المواضيع التي كان لودريان عرضها مصير قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني رقم 173 لسنة 2011، التي لم ينته رسمياً التحقيق فيها حتى الآن، بعد ما يقرب من خمس سنوات من الاستدعاءات والفحص والملاحقة الأمنية وقرارات المنع من السفر وتجميد الأموال، والتي طاولت عدداً من الشخصيات الحقوقية الموثوقة وذات المصداقية لدى الحكومة الفرنسية. ولم يحصل لودريان على أي إجابة واضحة بشأن تلك القضايا، حيث تمسك السيسي وشكري بترديد أن جميع هذه القضايا في يد "القضاء المستقل"، وما زالت قيد التحقيق، ولا يجوز للسلطة التنفيذية التدخل فيها.

المساهمون