ريبورن يغادر منصبه... ما مستقبل جهوده المتعددة في الضغط على الأسد؟

14 يناير 2021
الصورة
الاستقالة تغيير روتيني مع تسلّم الإدارة الجديدة لمهامها (فابريس كوفريني/فرانس برس)
+ الخط -

تشكل مغادرة المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية جويل ريبورن لمنصبه، في العشرين من الشهر الحالي، عقب تسلّم الإدارة الأميركية الجديدة مهامها برئاسة جو بايدن، محط استفهامات عدة حول مستقبل الجهود التي بذلها خلال الفترة القصيرة من توليه لهذا المنصب منفرداً بعد استقالة السفير جيمس جيفري في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، وقبل ذلك، عندما كان نائباً لمساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، ومبعوثاً كذلك إلى سورية.

وكثف ريبورن من جهوده خلال الأشهر الأخيرة، في سبيل تثبيت عزلة النظام ومحاصرته بالعقوبات، سواء من خلال قانون قيصر، أو عبر ضغطه على دول إقليمية في سبيل عدم تطبيعها للعلاقات مع نظام بشار الأسد، كذلك كانت له محاولات كبيرة لدفع مسار اللجنة الدستورية لإحراز تقدم في مسيرة أعمالها، مع تلويحه بأدوات أميركية وغربية أخرى غير العقوبات الاقتصادية والسياسية، إذا لم ينصع النظام للعملية السياسية الرامية إلى حل الأزمة السورية.

وأكد مصدر من الخارجية الأميركية، في حديث مع "العربي الجديد"، مغادرة ريبورن لمنصبه، مشيراً إلى أن ذلك لا يأتي كاستقالة من المبعوث الخاص إلى سورية، بل هو تغيير روتيني مع تسلّم الإدارة الجديدة لمهامها، لكون هذا المنصب يُعدّ منصباً سياسياً وليس إدارياً، ما يعني أن الإدارة الجديدة سيكون لها مبعوث خاص إلى سورية ضمن تشكيلتها الجديدة، في مناصب مختلفة.

ومع عدم وضوح ما ستكون عليه سياسة الرئيس المقبل جو بايدن حيال القضية السورية، تبقى التكهنات مشروعة بشأن مصير سياسة استمرار الضغط على النظام التي اتبعها ريبرون خلال الفترة الأخيرة، والمشاريع التي كان ينوي تنفيذها لتحسين واقع المعارضة السورية، ولا سيما تحقيق تقارب بين المكونات الكردية، لينتقل إلى تقارب بين الأكراد والمعارضة الممثلة بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، مع وضوح تحركات له قبل حوالى ثلاثة أشهر، لتحقيق مقاربة بين الأكراد وأنقرة، بما ينعكس إيجاباً على الوضع في سورية.

ولا يعتقد رئيس مكتب العلاقات الخارجية وعضو لجنة متابعة قانون قيصر في الائتلاف عبد الأحد سطيفو، من خلال عمله مع المبعوثين الأميركيين إلى سورية، أن يكون هناك تغيير جذري بالسياسة الأميركية تجاه سورية مع الإدارة المقبلة، مشيراً إلى أن الاهتمامات الأميركية في سورية كانت تنحصر في ثلاثة محاور رئيسية، هي: محاربة الإرهاب، وتقليص الوجود الإيراني وتجميده، ودفع العملية السياسية إلى الأمام بناءً على المرجعيات الأممية. لذلك، يرى أن يستمر الثبات في السياسة الأميركية حيال هذه المحاور، لكون السياسة العامة في واشنطن لا تخضع لمزاج الحزبيين.

وعن علاقتهم في الائتلاف والمعارضة مع ريبرون، أشار سطيفو إلى أن "الرجل كانت له خلفية عسكرية، ما جعله يكون مباشراً معنا أكثر من غيره، وكنا نشعر بأن لديه قضيتين أساسيتين، الأولى عقوبات قيصر، وعملنا معه على هذه القضية من خلال لجنة مشتركة بيننا في الائتلاف وبين الإدارة الأميركية، ودائماً من خلال الاجتماعات مع الجانب الأميركي كان يطلعنا على أدق التفاصيل، وحتى اللوائح القادمة من العقوبات، بيد أن الخلاف بيننا وبين السيد ريبرون يتمثل بمدى قناعته بأن العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية ستكون كافية للضغط على النظام، بينما نحن نعتقد أن النظام يحتاج للمزيد للانصياع للعملية السياسية". وأشار سطيفو إلى أنه "يتفرع عن هذه القضية، ملف رئيسي بالنسبة إلى ريبرون، يتعلق بإيقاف عمليات التطبيع بين النظام والدول العربية، وقد سعى إلى ذلك وحقق نتائج من خلال جولات مكوكية واتصالات مهمة".

أما القضية الثانية، فأشار سطيفو إلى أنها تتمثل بتحقيق تقارب بين الأكراد شمال وشرق سورية وبين المعارضة، معتبراً أن "ريبورن كان من أول المقتنعين بأن يكون هناك تجسير بين الشمال الشرقي والشمال الغربي، وضرورة تقارب بين الأكراد والمعارضة، وضغط جدي لفك الارتباط بين "قوات سورية الديمقراطية" من جهة، وحزب "العمال الكردستاني" من جهة أخرى، كذلك وضع جهوداً كبيرة بالمفاوضات الكردية - الكردية، وأخيراً بتنا نشعر بأن الأسئلة الرئيسية لدى "قسد" باتت تتبلور فعلياً حول فك الارتباط بينهم وبين حزب العمال، ما يعني أن جهود ريبرون قد أحدثت مفعولاً".

وأشار سطيفو إلى أن الأميركيين كانوا "يطمحون من خلال ريبرون إلى صيغة تقارب معينة، بحيث لا يصل الروس والنظام ولا حتى الأتراك إلى الشمال والشرقي والغربي لسورية، وأن يكون هناك نوع من سورية مفيدة في الشمال، خصوصاً أن هذه المنطقة تشكل ما نسبته حوالى 42% من جغرافية البلاد، وكان المخطط الأولى الذي سعى إليه ريبورن خلال ذلك، إيقاف القتال على خطوط التماس، ومن ثم التجسير بين المنطقتين، في مسعى لأن يؤدي ذلك إلى طاولة حقيقية للمفاوضات".

وقيّم سطيفو علاقة المعارضة والائتلاف تحديداً مع ريبرون خلال فترة عمله، عبر المقارنة بينه وبين من سبقه من المبعوثين الأميركيين إلى سورية، مشيراً إلى أن العلاقة جيدة، وتخللتها فترات جيدة كان فيها تعاون بناء، ولم تخلُ من وجود خلافات وأزمات، لكنه أشاد بدوره ودور المبعوث السابق السفير جيمس جيفري، في الحدّ من قدرات النظام بالاستمرار بالعمليات القتالية، ولا سيما في إدلب.

من جهة أخرى، أشارت المديرة التنفيذية في المجلس السوري – الأميركي سوزان مريدين، مقره واشنطن، إلى أن مصير الجهود التي حققها ريبورن في الملف السوري، يرتبط بمن سيخلفه، بيد أنها أشارت في حديثها لـ"العربي الجديد"، إلى أن "هناك ثلاثة أشياء يجب التصويب عليها في هذا الجانب، الأولى تتعلق بأن الموقف الأميركي من سورية بات قانوناً نافذاً بعد إصدار قانون قيصر، ويتطلب من أي سياسي أميركي قادم العمل بمقتضاه. أما الأمر الثاني، فيجب التنويه من خلاله بأنه صحيح سيغادر ريبورن منصبه، لكن فريقه من إداريين وموظفين سيبقون في الملف السوري بالإدارة الأميركية، ويحتفظون بذات الأدوات التي عملوا عليها معه. أما الشيء الثالث، فيتعلق بعملنا نحن كجالية أميركية، في مساعدة المبعوث الأميركي القادم إلى سورية، بزيادة حجم المناصرة والضغط، كما كان ذلك في مسائل عديدة حيال سورية".

وفي آخر تصريحات صحافية له، أكد ريبورن أول أمس الثلاثاء، أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي استطاعوا دفع النظام السوري وحلفاءه بعيداً عن فرض حل عسكري للأزمة، مضيفاً في مقابلة مع قناة "الحرة" أن الجميع كان يشعر قبل أربع سنوات بخيبة أمل، خصوصاً بعد سقوط مدينة حلب، وسط إخفاق محاولات تطبيق العدالة في سورية، ولكننا الآن أحرزنا الكثير بإيجاد موقف للشعب السوري لتحقيق طموحاته، مشيراً إلى أن العامل الأساسي لإيجاد حل سياسي للأزمة في سورية، هو بالضغط على نظام بشار الأسد، ومن يسانده لإجبارهم على وقف الحرب، خصوصاً أن النظام حالياً يعاني من ضغوطات لم يشهدها من قبل.

وأوضح ريبرون أن الولايات المتحدة ملتزمة الحفاظ على وجودها العسكري في سورية لمحاربة تنظيمي "داعش" و"القاعدة"، مرجحاً استمرار فرض العقوبات من قبل الإدارة الأميركية المقبلة، وخصوصاً في ظل وجود إجماع من الحزبين على قانون قيصر، مشيراً إلى أن العقوبات التي فرضت قلّصت من قدرة النظام السوري على دعم عناصر للاستمرار بالحرب. كذلك تطرق ريبورن إلى عائلة الأسد في سورية، التي فرضت واشنطن عقوبات عليها بموجب قانون قيصر، مشيراً إلى أن النظام السوري بدأ يتعامل مع ابن بشار الأسد على أنه ولي للعهد، وتحولت زوجته أسماء من رمز للموضة إلى ما يشبه زعيمة المافيا هي وعائلتها، وبدأوا بالاستيلاء على أصول لأشخاص آخرين موجودين في سورية.

كذلك أشار إلى أن مستقبل عائلة الأسد يجب أن يقرّره الشعب السوري، ولكنه يتوقع عدم اختيار المواطنين لاستمرار هذه العائلة في الحكم، وأن قدرة النظام حالياً على الاستمرار أصبحت أضعف، ولا يجب أن يتفاجأ الجميع إذا بدأ بالانهيار بسرعة، مضيفاً أن قانون قيصر سيكون له دور هام لمنع استغلال الانتفاع من العلاقات مع النظام السوري، وله سلطة كبيرة لعزل دمشق عن دول المنطقة.

وحيال مستقبل تعامل الإدارة الأميركية مع الملف السوري، يأتي تعيين بايدن لبريت ماكغورك، منسقاً للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البيت الأبيض، كخطوة لم تلقَ صدىً إيجابياً داخل المعارضة السورية، لكون ماكغورك صديقاً للقوات الكردية شمال وشرق سورية، وهو بذلك يعارض تطلعات أنقرة، الحليفة الأقرب للمعارضة في الوقت الحالي، حيال ترتيبات شمال وشرق البلاد، ويخشى أن تشكل علاقته المتوترة مع أنقرة، عاملاً سلبياً على خيارات المعارضة شمالي البلاد في المرحلة المقبلة، بانتظار من سيكون مبعوث بايدن الخاص إلى سورية، وتعامله المباشر مع هذا الملف المعقد.

المساهمون