ربي أرني كيف تحيي الثورة

30 سبتمبر 2020
الصورة
التاريخ أثبت أن الثورات لا تحترم الزمن (رياض قرامدي/فرانس برس)

لا تنتصر الأنظمة على روح الثورة في الشعوب إلا إلى حين. ويحاول المصريون النفخ في جمر الثورة الذي لم يخمد منذ 2011 وما قبلها، بعد سنوات من الطغيان الممتد في كل جنبات البلد وحواريه، مثلما يحاول الجزائريون الدفاع عن جمرة الحراك الشعبي. ويحرص التونسيون على ثورتهم من غدر "فأنتم الطلقاء" الذين عفت عنهم الثورة ولم تجتثهم.
جاءت ثورات عدة من الساحات والميادين في المدن والعواصم الكبرى في أوروبا الشرقية والدول العربية. لكن الثورة قد تأخذ أي نظام أيضاً على حين غرة من منطقة منسية وكَفر مهجور، أو من بلدة بعيدة لم يكن يذكر لها أثر في صحيفة أو قناة. ذلك أن أسباب ومسببات الغضب الشعبي في البلدان العربية جاهزة دائماً وتنتظر فتيلها. ولذلك ليس غريباً أن يعلن الريف المصري وأزقته البسيطة عن نفسه أخيراً كساحة ثورة على الظلم بدلاً من ميدان التحرير.
ليس للثورات مواعيد محددة وعمر، فقد تأتي بعد سنة من تمدد الطغيان أو بعد عشر من انقلاب. طاقة تحمُل الشعوب وحيوية المجتمعات وعدالة القضايا والمطالب وعوامل محيطة هي من تحدد ذلك. والتاريخ أثبت دائماً أن الثورات لا تحترم الزمن، ولا تتقيد بحساباته، وليست معنية بحساب الأيام والأشهر، بل قد تأتي في لحظة يكون فيها اليأس من التغيير قد سكن الناس واستوطن في النفوس من شدة القهر.
ليست المسببات والإكراهات السياسية والضغوط والفساد فقط من تقف دائماً وراء الثورة الشعبية، ففي الغالب لا تعيش كل فئات الشعب حالة رومانسية مع عناوين الحرية والديمقراطية، لأنها تفقد حاسة تلمس ذلك بسبب عوامل الغبن والفقر والقهر الاجتماعي. لكن هذه الأخيرة دوافع كافية تجعل الشعوب تطلق ثوراتها، خصوصاً عندما ينتهي الفساد من ابتلاع المقدرات ويتحول لابتلاع كرامة الناس ومنازلهم حتى.
لا تحتاج الثورة بالضرورة إلى حدث مفصلي كبير، أو لحظة غضب جماعية، أو مناطقية، لتندلع، فقد تأتي بسبب حادث عابر. الشاهد في ذلك أن احتجاج منطقة كاملة في تونس في 2008 (الحوض المنجمي) لم تصنع ثورة، بينما صفعة شرطية للشاب محمد البوعزيزي في تونس في ديسمبر/كانون الأول 2010، وحيث لا أحد كان يظن أن تلك الصفعة الظالمة ستهز عرش زين العابدين بن علي، غيرت وجه تونس وفتحت باب التحرر من النظام البوليسي، بغض النظر عن مدى النجاح في إحداث الانتقال الديمقراطي الذي تحكمه عوامل أخرى.
مثلما تأتي الثورات من قادة وطنيين وسياسيين مؤثرين في الشارع، قد تأتي أيضاً من فقير معدم، أو مزارع يعيش في كوخ قش، أو ناشط ليس بيده حيلة أكثر من هاتف وصفحة على "فيسبوك". ومثلما قد تكون الثورة نتاج تخطيط وتدبير من قوى مجتمعية حرة تواقة للديمقراطية، فقد تكون نتاج تفاعل كيمياء اللحظة المفاجئة مع قرار غير محسوب العواقب من قبل السلطة، أو مع استفاقة ضمير من داخل النظام نفسه.
دعا النبي إبراهيم ربه أن يُريه كيف يحيي الموتى، وهو مؤمن أنه على كل شيء قدير. في الزمن الحاضر يدعو كل حر ومظلوم على الأنظمة الغاشمة، ويقول "ربي أرني كيف تحيي الثورة".