جحيم الجمهوريين الإسبان المنفيين في شمال أفريقيا

08 ابريل 2021
الصورة
من إحياء ذكرى ضحايا قُتلوا خلال حكم فرانكو (Getty)
+ الخط -

في الأيام الأخيرة من الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، لجأ آلاف الجمهوريين الإسبان إلى شمال أفريقيا. تاريخ هؤلاء، الذين اعتقلوا، ثم فُرضت عليهم الأشغال القسرية في ظلّ نظام فيشي، بقدر ما هو مأساوي، فهو غير معروف. قصة تتقاطع فيها الحرب الأهلية الإسبانية والحرب العالمية الثانية والاستعمار.

مارس/آذار 1939. منذ أكثر من شهر، وقعت كاتالونيا في أيدي قوات (الجنرال) فرانكو. فرّ ما يقارب نصف مليون لاجئ جمهوري إسباني في اتجاه الشمال، في حركة لا تزال إلى اليوم تعد أكبر هجرة على الإطلاق تمّت مشاهدتها على الحدود الفرنسية. لكن لم يكن هذا الانسحاب (retirada) الفصل الأخير من الحرب الإسبانية: ففي جنوب شرقي شبه الجزيرة الأيبيرية، كانت آخر معاقل الجمهوريين تتهاوى، الواحد تلو الآخر. وقد انتهت الأعمال القتالية في أليكانتي؛ حيث اضطر رجال المليشيات والمدنيون الجمهوريون، الذين كانوا غير قادرين على الفرار عبر فالنسيا، ولا عبر جنوب إسبانيا الذي سبق أن وقع في أيدي قوات فرانكو، إلى أخذ طريق البحر. وهكذا أبحر على عجل عدة آلاف من الأشخاص من أليكانتي في اتجاه أقرب ميناء: وهران.

رسا الأسطول الجمهوري القادم من قرطاجنة، في الجزائر العاصمة، قبل أن يتم تحويله، وعلى متنه أربعة آلاف شخص، إلى بنزرت في تونس. في المجموع، يكون قد وصل ما بين 10 و12 ألف إسباني -  أحياناً أكثر وفقاً لبعض الروايات - إلى سواحل شمال أفريقيا في غضون أيام قليلة.

تحت حجز الجمهورية الثالثة
إذا كانت هناك حفنة من الجمهوريين قد تم استقبالهم من طرف أقارب لهم في وهران، حيث توجد جالية إسبانية مهمة، فإن حكومة الجمهورية الثالثة التي تدير شمال أفريقيا بدأت فوراً يوم 10 مارس/آذار 1939 في وضع عوائق لوصولهم. فمنذ عام سبق، أصبحت المراسيم القانونية لدلادييه (إدوار دلادييه - رئيس وزراء فرنسا الأسبق) تؤطر وصول اللاجئين، وصار يدور الحديث عن الفرز بين "الجزء السليم والمجتهد من السكّان الأجانب وبين غير المرغوب فيهم"، وعن الإقامة الجبرية ومراكز الاعتقال... وهو نمط ستتم إعادة إنتاجه في الجزائر والمغرب وتونس.

في مارس 1939، وصل ما بين 10 و12 ألف إسباني إلى سواحل شمال أفريقيا هرباً من حكم فرانكو

بينما كان رئيس بلدية وهران يحتفل بأبهة كبيرة بانتصار فرانكو، تم الإبقاء بالقوة على جزء من الجمهوريين في القوارب التي تم تحويلها إلى سفن - سجن.

تم وضع أولئك الذين تمكنوا من النزول في ڨْيَاطَنْ (خيم)، وخصوصاً على الرصيف البعيد لرافين بلانك (رأس العين). تقول إليان أورتيغا برنابيو، التي كان جدّها على متن إحدى هذه السفن، "الرونوين": "كانوا معزولين تماماً، وتُركوا بعيداً عن السكّان المحليين. على الرغم من ذلك، جاء بعض الوهرانيين لمساعدتهم بجلبهم الطعام الذي كانوا يرفعونه إلى متن السفن باستخدام الحبال. في المقابل، كان هناك جزء آخر من السكّان يرفضون استقبال هؤلاء الإسبان، حيث كان يقلقهم عددهم الكبير. وقد ساهم كثيراً عمدة المدينة، الأب لامبرت، الذي كان صديقاً لفرانكو، في خلق مناخ من الخوف بين هؤلاء السكّان". طال الوضع في ميناء وهران، ومكث آلاف الجمهوريين هناك لأكثر من شهر، في ظروف غير صحية ونقص تام في التغذية.

الأشغال القسرية
في تونس، تم إبعاد البحارة والمدنيين من الأسطول الجمهوري عن السكّان. وقد تم نقلهم بسرعة بالقطار إلى وسط البلاد وإلى معسكرات الاعتقال، ولا سيما معسكر مهري الجباس. في الجزائر أيضاً، تم وضع اللاجئين في مخيمات بمجرد نزولهم من السفن. تشرح إليان أورتيغا برنابيو: "كان هناك مدنيون وعمال ونقابيون محبوسون وراء الأسلاك الشائكة وتحت تهديد الحراب المستمر".

تم تطبيق نفس التشريعات السارية في فرنسا في العديد من المخيمات، التي تقع معظمها في الأراضي الجزائرية. يوضح بيتر غايدا، المؤرخ الألماني ومؤلف العديد من الكتب حول معسكرات الأشغال القسرية (أو أشغال السخرة) وحول الجمهوريين: "كان ينظر إلى المنفيين على أنهم يشكلون خطراً على الدفاع الوطني، وسيفرض عليهم تقديم خدمات مقابل الحصول على اللجوء: تم وضع جزء منهم في معسكرات الاعتقال، وجزء آخر تحت خدمة شركات العمال الأجانب (سي تي إي). وهي خدمات ذات طابع قانوني، حيث كانت فرنسا في حالة حرب، وكان الفرنسيون هم أيضاً يخضعون لأمر التسخير".

في الجزائر، تمّ إرسال النساء والأطفال، وكذلك المعوقين، إلى معسكرات مختلفة: كارنو (العبادية - عين الدفلى) أو موليير (برج بونعامة)، بالنسبة للمعسكرات المعروفة أكثر؛ أما المقاتلون، فقد تم إرسالهم إلى بوغار وقصر البخاري، حيث تم تجنيدهم لسدّ الاحتياجات في اليد العاملة للقوة المحتلة. وقد تم تشغيلهم أساساً في ترميم الطرق في منطقة قسنطينة، وفي استغلال مناجم الفحم والمنغنيز في الجنوب الوهراني.

الطريق العابر للصحراء... ذلك الحلم الاستعماري القديم

قرّر قادة الجمهورية الفرنسية الثالثة ربط مناجم القنادسة في الجنوب الوهراني، بالسكك الحديدية المغربية. التحق ألفا جمهوري إسباني وأعضاء من الألوية الدولية بالشركة العامة عبر الصحراء، للعمل على صيانة المسالك في الصحراء. نشر بيتر غايدا في كتابه "معسكرات العمل تحت نظام فيشي (1)" شهادة أحدهم الذي كان محتجزاً في معسكر ببشار في الجزائر: "تمّ إرسالنا على بعد أربعة كيلومترات من الواحة لإزالة الرمال من كثيب رملي ضخم متحجر يزيد طوله على ألفي متر. كانت الحرارة خانقة، أكثر من 40 درجة تحت الظلّ، وكان الماء نادراً وساخناً. في هذا المكان، بدأت حالات الزحار (إسهال دموي) ونوبات الملاريا والقيء والصداع الشديد".

كان ينظر إلى المنفيين على أنهم يشكلون خطراً على الدفاع الوطني، وسيفرض عليهم تقديم خدمات مقابل الحصول على اللجوء


بعد الهدنة في 22 يونيو/ يونيو 1940 مع ألمانيا النازية، أحيت حكومة فيشي التي كانت في السلطة حلماً استعمارياً قديماً: بناء خط سكة حديد استراتيجي، عابر للصحراء الكبرى، والمعروف أيضاً باسم المتوسط - النيجر. وتتمثل الفكرة في ربط مستعمرات شمال أفريقيا بمستعمرات غرب أفريقيا: "يتعلق الأمر في الواقع بربط عاصمتي الإمبراطوريتين الاستعماريتين الفرنسيتين، الجزائر وداكار. لذلك باشرت حكومة فيشي ببناء خط سكّة حديد بطول ثلاثة آلاف كيلومتر وسط الصحراء. لكن الهدف من ذلك متعدد: فبالإضافة إلى الهيبة الاستعمارية، فإن الأمر يتعلق أيضاً بنقل القوات العسكرية والعتاد والفحم المستخرج من المغرب. كما كان هناك أيضاً مشروع في غرب أفريقيا يتمثل في ريّ النيجر وإنشاء زراعة ضخمة للقطن، مما يضمن استقلال فرنسا عن البريطانيين. من أجل ذلك، فهم بحاجة إلى خط سكّة حديد تُربط بمدينة الجزائر". وتنقسم الورشة الضخمة إلى ثلاث مراحل: بناء محور وهران - غاو، يمرّ على طول النيجر، وثان من غاو إلى باماكو، وثالث يفترض أن يربط الخطّ بدكار.

فظاعة المعسكرات

ولهذا الغرض، كانت اليد العاملة متوافرة بسهولة: إنها مجموعات العمال الأجانب (جي تي إي)، التي خلفت شركات العمال الأجانب (سي تي إي) التي كانت تتوافر في إطار تشريعي قمعي، وهو مزيج خبيث بين الاستعمار والفاشية. أقيمت معسكرات عدة، وتم توزيعها بين المغرب وتونس والجزائر. ولكن لم يكن الجمهوريون الإسبان وحدهم الذين تم الزجّ بهم في الورشات المختلفة. يشرح بيتر غايدا: "سيتم ترحيل أناركيين (لا سلطويين) وشيوعيين فرنسيين، وأعضاء من الألوية الدولية، وأشخاص ذوي بروفايلات متنوعة للغاية من معسكرات فرنسية، مثل معسكر فيرنيه، نحو معسكرات شمال أفريقيا على متون سفن. بالنسبة لفيشي، فهم "أفواه غير مجدية وأذرع مفقودة".

وبالإضافة إلى ذلك، تم استبعاد آلاف عدة من اليهود من الجيش الفرنسي، ووضعهم في مجموعات عمال "بنو إسرائيل" (جي تي آي – Groupements de travailleurs Israelites). يعلق غايدا: كان في المخيمات أيضاً شمال - أفريقيين، وخصوصاً قادة الحركات الوطنية في تونس والجزائر. كان هناك إذا مجموعة سكّانية جدّ مختلطة، حتى أننا نجد آثاراً ليهود ألمان ويوغسلافيين".

في منطقة وهران، تمّ حجز المعتقلين السياسيين الذين اعتبروا خطرين في معسكرات الجلفة، جنين بورزق، وحجرات المقيل. تتابع إليان أورتيغا برنابيو: "كانت هناك ستة معسكرات مكرسة للقمع. معسكرات الموت، كما كان يسميها الجمهوريون المعتقلون. كلّ القرائن التي استطعنا جمعها في البرواقية تظهر أن ما لا يقل عن 750 شخصاً ماتوا هناك بين عامي 1940 و1942 من الجوع أو البرد أو سوء المعاملة. تعرض المقيمون في المعسكرات للعقوبات والتعسف والتعذيب". تتابع إليان أورتيغا برنابيو: "تمّ غلق معسكر المريجة (الموجود في الجزائر) بعدما أطلق الجمهوريون إضراباً عن الطعام احتجاجاً على أعمال التعذيب. في الواقع، أعاد فيشي فتحه إلى الشمال قليلاً، بمنطقة عين العراك". أما ورشة بناء السكّة العابرة للصحراء، فقد تعثرت: سيتم بالكاد الانتهاء من 62 كيلومتراً منها.

في 1943، غادر جزء من الجمهوريين الإسبان إلى الدار البيضاء قبل الإبحار إلى المكسيك أو أميركا الجنوبية


في تونس، تبدو الظروف في المعسكرات، بالكاد، أفضل مما هي عليه في الجزائر أو المغرب. كان نصف الأربعة آلاف شخص الذين وصلوا في العام 1939، قد عادوا فعلياً إلى إسبانيا بعد وعد بالعفو من قبل فرانكو. تروي فيكتوريا فرنانديز، ابنة جمهوري إسباني منفي في تونس: "وفقاً لأبحاثي، تمّ إعدام 25 شخصاً على الأقل عند وصولهم إلى إسبانيا، وعاش الباقون في ظروف صعبة للغاية. أما الألفان الذين بقوا في تونس، فقد تم إرسال عدد كبير منهم إلى المعسكرات في منطقة القصرين، حيث يعتنون بمحاصيل الخضر وأشجار الفاكهة أو يعملون في شركات مختلفة".

تمّ الإبلاغ عن كثير من المعلومات بخصوص سوء المعاملة، خصوصاً في منطقة قابس. تتابع فيكتوريا فرنانديز: "فضلاً عن ذلك، تم إرسال 300 بحار جمهوري إلى الصحراء في جنوب البلاد. لقد كانوا مسيّسين ومقاومين، وهذا ما جعلهم غير مرغوب فيهم أكثر من الآخرين". في موازاة ذلك، تم تجنيد حوالي خمسة آلاف رجل تونسي يهودي للعمل القسري في معسكرات مختلفة بالقرب من خطوط الجبهة.

مساهمة بتحرير فرنسا ومساعدة "جبهة التحرير الوطني"

أدى إنزال الحلفاء في شمال أفريقيا في نوفمبر/تشرين الثاني 1942، المعروف باسم عملية طورش (الشعلة)، إلى خلط الأوراق: حصل تذبذب في الإدارة الفرنسية حيث كان الجنرالان هنري جيرو وشارل ديغول يتنافسان على التحكم في الجزائر والمغرب. في تونس، دخل الجيش الألماني (الفيرماخت)، وسيبقى هناك ستة أشهر. تشرح فيكتوريا فرنانديز: "خلال هذه الفترة من الاحتلال الألماني، فرّ جزء من الجمهوريين الإسبان نحو الجزائر، وحاول الآخرون إخفاء هوياتهم. كلّ من ألقي القبض عليه، تم إرساله إلى مجموعات العمال الأجانب (جي تي إي) في منطقة القصرين".

اتخذ جمهوريون آخرون الطريق المعاكس انطلاقاً من الجزائر والمغرب. يشرح بيتر غايدا: "عرض عليهم التوقيع على عقد عمل، أو العودة، أو حمل السلاح. قرّر الكثيرون الانخراط في القوات المرتبطة بفرنسا الحرّة وهاجموا القوات الألمانية في تونس. بعد رحيل الفيرماخت من البلاد، نزل بعضهم إلى صقلية ونجد آثارهم إلى جانب قوات فرنسا الحرّة في بروفانس. فبعدما كانوا لاجئين من الحرب الإسبانية وتمّ احتجازهم من طرف الجمهورية الثالثة، وفرض عليهم العمل القسري تحت حكم فيشي، صاروا يقاتلون من أجل تحرير فرنسا. إنه مصير، هم فيه ضحايا وأبطال، لم يتم تسليط الضوء عليه كثيراً".

في العام 1943، غادر جزء من الجمهوريين الإسبان إلى الدار البيضاء قبل الإبحار إلى المكسيك أو أميركا الجنوبية. تستطرد إليان أورتيغا برنابيو: "بقي آخرون مثل عائلتي. في الواقع، كانوا يظنون بأنه سيتم في آخر المطاف طرد فرانكو. وكانوا ينامون والحقيبة تحت السرير".

تزامنت ولادة أورتيغا برنابيو في وهران عام 1954 مع بداية حرب التحرير الوطني في الجزائر: "أنا لست من الأقدام السوداء، أولاً لأنه مصطلح استعماري، ولكن أيضاً لأنني لست فرنسية. أنا إسبانية من وهران. كان الجمهوريون يحملون قيماً ديمقراطية، وبالتالي كانوا معارضين بشدة للاستعمار. كانوا يرون أن استغلال شعب من طرف شعب آخر أمر مروع.  بعد وقت طويل، أدركت أن والدي كان يدفع مساهمته لجبهة التحرير الوطني. كان هو مثل الآخرين، يشاهد فقر السكّان الأصليين والاستغلال والتعذيب. لقد انخرطوا تلقائياً في معركتهم".

انتهى الأمر بالإسبان الذين بقوا في تونس إلى المغادرة، ويعود ذلك أساساً لأسباب اقتصادية. غادرت الموجة الأخيرة البلاد عند وفاة فرانكو، وبعدما اعترفت إسبانيا بخدمتهم في البحرية. عن مرور الجمهوريين الإسبان في المنطقة المغاربية، بقيت شواهد قبور وقليل جداً من النصوص وكثير من مناطق الظلال التي يجب توضيحها.

يواصل كل من بيتر غايدا (2) وإليان أورتيغا برنابيو وفيكتوريا فرنانديز وآخرون من دون كلل جمع أجزاء هذه القصة. وهي طريقة لمنح ضحايا هذه المعسكرات اعترافاً لا يزال بعد مرور 80 عاماً ينتظر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ بيتر غايدا، معسكرات العمل تحت فيشي. "مجموعات العمال الأجانب" في فرنسا وشمال أفريقيا (1940 ـ 1944) سيتم نشره عام 2021 بدار Les Indes Savantes.

2ـ بيتر غايدا، هو صاحب عرض الرتسبانير (الإسبان الحمر) الذي يقدم تاريخ عمال السخرة المنسيين هؤلاء للحرب العالمية الثانية.


يُنشر بالتزامن مع "أوريان 21"
https://orientxxi.info/ar

 

المساهمون