توجه روسيا شرقاً: سقف رهانات مرتفع ونتائج متواضعة

توجه روسيا شرقاً: سقف رهانات مرتفع ونتائج متواضعة

01 يوليو 2022
تعتبر زيارة بوتين لطاجيكستان بروتوكولية (Getty)
+ الخط -

أنهى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جولة خارجية هي الأولى من نوعها له منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي، شملت طاجيكستان وتركمانستان.

وبدا لافتاً تركيزه على بحث العلاقات الثنائية والقضايا الاقتصادية والسياسية، وتجنّبه الحديث عن أوكرانيا في الجزء البروتوكولي من مباحثاته مع الرئيس الطاجيكي إمام على رحمون، في المحطة الأولى يوم الثلاثاء الماضي، وخطابه الرسمي أمام قادة البلدان المطلة على بحر قزوين الذي استضافته العاصمة التركمانية عشق أباد، الأربعاء الماضي، تزامناً مع قمة تاريخية لحلف شمال الأطلسي في مدريد، قررت الموافقة على انضمام فنلندا والسويد إلى "الناتو"، ووضعت روسيا كالتهديد الأكبر لدول الحلف.

والتقى بوتين قادة إيران وأذربيجان وتركمانستان على هامش القمة، وتركز البحث فيها على مجالات التعاون، حسب البيانات الرسمية الصادرة عن الكرملين.

زيارة بوتين لطاجيكستان وتركمانستان تؤكد أن روسيا ستحافظ على وجودها في الصراع على قلب آسيا بين القوى الدولية

ويمكن النظر إلى زيارة طاجيكستان على أنها بروتوكولية للتعويض عن غياب بوتين، في سبتمبر/ أيلول الماضي، عن حضور قمتين مهمتين استضافتهما دوشنبه، وهما منظمة معاهدة الأمن الجماعي ومنظمة شنغهاي للتعاون. وقال الكرملين، حينها، إن بوتين اضطر إلى البقاء في موسكو لعزل نفسه بسبب اتصالاته بأشخاص مصابين بفيروس كورونا.

ولكن الزيارة في الوقت ذاته تؤكد أن روسيا ستحافظ على وجودها في الصراع على قلب آسيا بين القوى الدولية، وتعمل على إجهاض المحاولات الأميركية لتوسيع نفوذها في طاجيكستان، بعد تكثيف المسؤولين الأميركيين زياراتهم لدوشانبه، وتقارير عن تزويد الجيش الطاجيكي بمروحيات، ومعدات، ومحاولات واشنطن لبناء وجود دائم لها بالقرب من أفغانستان، بعد انسحابها صيف العام الماضي وعودة حركة "طالبان" إلى الحكم.

محاولة لضم طاجيكستان إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي

وبدا واضحاً اهتمام روسيا بإقناع طاجيكستان بالانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، بعدما باتت الدولة الوحيدة ضمن منظمة معاهدة الأمن الجماعي غير المنتمية إلى التكتل الاقتصادي الذي بنته روسيا، في محاولة لإعادة التعاون الاقتصادي مع بلدان الاتحاد السوفييتي السابق، ويضم حالياً كلاً من كازاخستان وبيلاروسيا وقرغيزستان وأرمينيا، إضافة إلى روسيا.

وعلى الرغم من تباين مواقف البلدين بشأن الموقف من حكم "طالبان"، أكد بوتين ضرورة تشكيل حكومة تضم ممثلي جميع العرقيات الموجودة في أفغانستان، مشيراً إلى أن المسؤولية المشتركة لروسيا وطاجيكستان تنطلق من تبني سياسة لاستقرار الوضع في أفغانستان وعدم تحولها إلى بؤرة لتهديد الجيران. ومعلوم أن روسيا تمتلك القاعدة العسكرية 201 على أراضي طاجيكستان.

ومن المؤكد أن المحطة الثانية في عشق أباد تحظى بأهمية خاصة للكرملين، في ظل محاولة الغرب عزل روسيا وفرض عقوبات اقتصادية هي الأقسى في التاريخ الحديث.

وشكلت قمة البلدان المطلة على بحر قزوين فرصة لبوتين من أجل طرح رؤيته لتعزيز التعاون بين بلدان المنطقة، وتحويلها إلى عقدة للمواصلات بين الهند والصين وروسيا، ما يفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد الروسي، وتأكيد عدم السماح بوجود قوات عسكرية خارجية في بحر قزوين، ما انعكس على البيان الختامي للقادة.

وكشفت كلمة بوتين، في القمة، عن سعي موسكو لتعزيز العلاقات التجارية مع البلدان المطلة على بحر قزوين، واستكمال مشروع ممر "شمال جنوب" من موانئ إيران والهند عبر بلدان المنطقة، وصولاً إلى بحر البلطيق.

حلفاء ولكن!

وعلى الرغم من اهتمام جميع البلدان المطلة على بحر قزوين بتطوير البنى التحتية، وشبكات المواصلات في إطار ممر "شمال جنوب"، فإن مصالح هذه البلدان ليست متطابقة، وتصل إلى حد التضارب في بعض القضايا.

وفي موضوع استغلال الثروات الهائلة من النفط والغاز في بحر قزوين وتصديرها، تبرز مشكلة بين روسيا وأذربيجان وتركمانستان. فالأولى يمكن أن تتضرر في حال زيادة صادرات البلدين الآخرين إلى الاتحاد الأوروبي من الطاقة، كذلك فإن التنافس على سوق الغاز الصينية سيحتدم بين موسكو وعشق أباد.

وفيما تتفاوض إيران مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإعادة العمل بالاتفاق النووي، ورفع العقوبات عنها، ستتضرر روسيا كثيراً في حال عودة صادرات النفط الإيرانية إلى السوق بشكل فوري. وعلى المدى البعيد تشكل إيران منافساً قوياً لروسيا في تأمين حاجات أوروبا من الغاز الطبيعي. كذلك سيتنافس البلدان على تزويد الصين بموارد الطاقة.


شكلت قمة البلدان المطلة على بحر قزوين فرصة لبوتين من أجل طرح رؤيته لتعزيز التعاون بين بلدان المنطقة

ومن الواضح أن جولة بوتين القصيرة جاءت في إطار محاولات روسيا الحثيثة في الأشهر الأخيرة من أجل الاستعانة بتحالفاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وحشدها في المواجهة الكبرى مع "الغرب الجماعي"، من أجل بناء عالم متعدد الأقطاب يكون بديلاً للنظام أحادي القطب، الذي نعاه بوتين في خطاب "ناري" طويل في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي في 18 يونيو/ حزيران الماضي.

رهان على آسيا وبحر قزوين

وتراهن موسكو على أن تكون منطقة آسيا وبحر قزوين نقطة ارتكاز مهمة في سياساتها الخارجية، في عالم ما بعد غزو أوكرانيا، ضمن عملية إعادة نظر شاملة بسياساتها الخارجية، والبحث عن اتجاهات بديلة عن التوجه نحو الاتحاد الأوروبي والغرب، الذي لم يعد يحظى بأولوية بالنسبة إلى الكرملين، وهو ما دفعها على الأرجح إلى تفعيل جميع التكتلات التي عملت على إنشائها في العقدين الأخيرين.

وقبل أيام من قمة بحر قزوين، شارك بوتين، في قمة منظمة "بريكس" و"بريكس بلس". وشدد على ضرورة تمكين وإصلاح النظام متعدد الأطراف، وجعل أدوات الحوكمة العالمية أكثر شمولاً وتشاركية، وتعزيز مشاركة أكثر نشاطاً وذات مغزى من البلدان النامية، في عمليات وهياكل صنع القرار العالمية. وأكد أن روسيا قادرة على زيادة صادراتها من القمح والحبوب إلى دول العالم.

وكان لافتاً أن بوتين لم يستطع الحصول على موقف داعم له في حربه على أوكرانيا. وأشار بيان القمة الختامي إلى أنه "ناقشنا الوضع في أوكرانيا واستذكرنا مواقف بلداننا، التي عُبِّر عنها في أماكن متخصصة، وبالتحديد في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، ونحن ندعم المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا".

وبعيداً عن عدم قدرة بلدان "بريكس" على لعب دور مجموعة "السبع الكبار"، فإن "بريكس" ما زالت أقرب إلى منتدى منه إلى تحالف وثيق في ظل المصالح المتشابكة للصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا مع الغرب، والخلافات الثنائية بين الصين والهند.

وربما أقصى ما يمكن أن تحصل عليه روسيا من التحالف هو إعادة توجيه صادرات النفط والغاز نحو الهند والصين، ولكن مع حسم كبير في الأسعار، كما هو الوضع حالياً، فـ"الحليفان" زادا من مشتريات النفط الروسي بعد حصولهما على حسم قرابة 30 في المائة، مع تأمين وصول النفط إلى موانئهما.

لا دعم من منظمة الأمن الجماعي

وفي منتصف مايو/ أيار الماضي، أخفق بوتين وحليفه الأوثق الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو في انتزاع موقف داعم للحرب من قادة بلدان منظمة معاهدة الأمن الجماعي في قمة عُقدت في موسكو. ونأى قادة كازاخستان وأرمينيا وقرغيزستان وطاجيكستان عن الأوضاع حول أوكرانيا. ولم تعترف أي من دول الاتحاد السوفييتي السابق باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين.

تراهن موسكو على أن تكون منطقة آسيا وبحر قزوين نقطة ارتكاز مهمة في سياساتها الخارجية

وفي إشارة إلى المخاوف من تكرار سيناريو إقليم دونباس في دول أخرى، أكد الرئيس الكازاخي جومارت قاسم توكاييف أن بلاده لن تعترف بما وصفه "أشباه دول". وأشار، رداً على سؤال في أثناء مشاركته في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي إلى جوار بوتين، إلى التناقض في العلاقات الدولية بين مبدأي وحدة أراضي الدول، وحق الشعوب في تقرير المصير. وذكر أنه في حال اعتماد المبدأ الثاني، فإن عدد الدول سيرتفع من 193 دولة حالية إلى 500 أو 600 دولة.

ومعلوم أن قرابة 3.5 ملايين شخص من أصول روسية يعيشون في المناطق الشمالية من كازاخستان قرب الحدود مع روسيا. وبرزت في السنوات الأخيرة تصريحات من مسؤولين وإعلاميين روس تنطلق من أن كازاخستان لم تكن دولة قبل سيطرة الإمبراطورية الروسية عليها، وحصلت على مناطق واسعة من روسيا لإقناع قادتها بالانضمام إلى الاتحاد السوفييتي بداية القرن الماضي.

وتكشف تصريحات المسؤولين الروس وتحركاتهم أنهم يبنون سياساتهم الحالية من أجل الحصول على حشد عالمي داعم لهم من مبدأ "من ليس ضدنا فهو معنا". ولا شك في أن الكرملين استفاد من عدم العمل وفق مبدأ الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش "من ليس معنا فهو ضدنا".

لكن صنّاع السياسة في موسكو، وإن نجحوا في سياستهم هذه على المدى المنظور، بتحييد كثير من الدول، وتعويض بعض الخسائر، فإنهم يتجاهلون قصداً أو عمداً أن العالم الحالي مبني على شبكة علاقات صعبة ومعقدة. وخير دليل أن الصين لم تهبّ لنجدتها، ولم تغامر من أجل المبادئ بتعريض شركاتها لعقوبات ثانوية يمكن أن تؤثر بنموها الاقتصادي المعتمد كثيراً على التجارة مع الغرب.

كذلك يحاول الكرملين الهروب إلى الأمام بتجاهل تأثيرات العقوبات على المدى البعيد في عزل روسيا وتردي أوضاعها الاقتصادية، وتالياً تقويض نفوذها العالمي، لتقتصر على قوة إقليمية بأسلحة نووية، ومصدر للطاقة والمواد الغذائية. ولعل الدرس الأهم الذي لم يتعلمه صناع السياسة الروسية أنه يجب النظر إلى الواقع، لا تبنّي الأمنيات بالعظمة على أنها حقيقة.

المساهمون