تهديد بالانسحاب من شرقي الفرات: موسكو تبتزّ أكراد سورية

25 سبتمبر 2020
الصورة
روسيا مستاءة من محاولات أميركا للتفرد بالقرار (دليل سليمان/فرانس برس)
+ الخط -

لوّح الجانب الروسي، أخيراً، بورقة الانسحاب من شمال شرقي سورية بوجه الأكراد، في محاولة واضحة لابتزازهم من أجل تعزيز وجود النظام السوري في المنطقة، في ظل ظهور استياء روسي من محاولات أميركية حثيثة للتفرد بالقرار في منطقة شرقي الفرات، التي يُنظر إليها باعتبارها "سورية المفيدة"، والتي يقع جُلها تحت سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) التي تتلقى دعماً كبيراً من واشنطن، التي تدفع باتجاه تشكيل مرجعية سياسية واحدة للأكراد السوريين لقطع الطريق على أي عودة محتملة للنظام إلى المنطقة. 
وقال فريد السعدون، وهو سياسي سوري كردي مقرب من النظام، إن "القيادة العسكرية الروسية في سورية رفعت مقترحاً إلى قيادتها في موسكو يقوم على انسحاب القوات الروسية من منطقة شرقي نهر الفرات، مع الإبقاء على مركز في مطار مدينة القامشلي". وعللت القيادة سبب طلب الانسحاب، وفق منشور للسعدون على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أيام، بـ"عدم تعاون قسد معها، وتعرض القوات الروسية لمضايقات من قبل حواجز الأسايش"، في إشارة إلى الشرطة الكردية في شرقي الفرات التابعة إلى "الإدارة الذاتية". وأشار إلى أنه إذا اقترن الاقتراح بالموافقة من موسكو فسيبدأ الانسحاب، و"بذلك فإن الاتفاق الروسي التركي حول مناطق التماس مع قسد وضمان الاستقرار فيها سينتهي مفعوله". وقال: "إنها رسالة واضحة بعد زيارة جيفري (المبعوث الأميركي إلى سورية جيمس جيفري) إلى الحسكة".

تدفع واشنطن باتجاه فتح باب حوار بين "الإدارة الذاتية" والائتلاف الوطني السوري للمشاركة في إدارة منطقة شرقي الفرات

وتشي مزاعم السعدون بأن النظام السوري وحلفاءه الروس بدأوا بابتزاز الأكراد السوريين، وتخويفهم بالجانب التركي في حال الانسحاب الروسي من المنطقة، في محاولة من النظام لإفشال المساعي الأميركية التي بدأت تطفو على السطح أخيراً لدفع الأكراد إلى تشكيل مرجعية سياسية واحدة لهم، في خطوة واسعة باتجاه فرض إقليم يتمتع بوضع خاص في الشمال الشرقي من سورية. وكانت "قسد"، التي يهيمن الأكراد عليها، قد اضطرت إلى إبرام تفاهم عسكري مع الجانب الروسي في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي لإيقاف العملية العسكرية التركية في شرقي الفرات. ونصّ هذا التفاهم على دخول قوات روسية، وأخرى للنظام، تُرابط على خطوط التماس مع فصائل المعارضة السورية المرتبطة بالجيش التركي في منطقتي تل أبيض ورأس العين. واتخذ الروس هذا التفاهم ذريعةً للتمدد في منطقة شرقي الفرات، ولا سيما في منطقة عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي الشرقي، وفي أجزاء من محافظة الحسكة. غير أن الجانب الأميركي منع الروس من الوصول إلى الحدود السورية العراقية، والاقتراب من حقول النفط والغاز في ريفي الحسكة ودير الزور.

وتشير معطيات ميدانية وسياسية إلى أن الجانب الروسي مستاء من محاولات الولايات المتحدة للتفرد بالقرار في شرق الفرات، وقطع كل الطرق على النظام السوري والإيرانيين للعودة إلى هذه المنطقة التي يُنظر إليها على أنها "سورية المفيدة" لغناها بالثروات. وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اعتبر أن الوجود الأميركي في منطقة شرقي الفرات "غير قانوني"، مضيفاً، في تصريحات تلفزيونية منذ أيام: "يلعبون مع الأكراد بطريقة غير مسؤولة". 

تنظر أنقرة بقلق إلى التحركات الأميركية الهادفة إلى منح "الإدارة الذاتية" شرعية سياسية

في المقابل، زار المبعوث الخاص إلى سورية جيمس جيفري قبل أيام محافظة الحسكة لحث "المجلس الوطني الكردي"، وحزب "الاتحاد الديمقراطي"، أبرز أحزاب "الإدارة الذاتية" الكردية، على إنجاز اتفاق سياسي يفرز مرجعية سياسية واحدة للأكراد السوريين. وفي حال توصَّل الكيانان السياسيان الكرديان إلى اتفاق جدي، يمكن أن يكون خطوة باتجاه منح الشمال الشرقي من سورية وضعاً سياسياً وإدارياً خاصاً، في ظل دعم غربي كبير لهذا التوجه، الذي عززته واشنطن أخيراً من خلال استقدام تعزيزات عسكرية كبيرة إلى ريف دير الزور الشرقي.
وفي السياق، ذكرت مصادر مطلعة، لـ"العربي الجديد"، أن واشنطن تدفع باتجاه فتح باب حوار وتفاوض بين "الإدارة الذاتية" الكردية والائتلاف الوطني السوري للمشاركة في إدارة منطقة شرقي الفرات، ولا سيما أن الجزء الذي يقع تحت سيطرة "قسد" من محافظتي الرقة ودير الزور خالٍ من أي وجود سكاني كردي، فضلاً عن كون العرب يشكلون أكثرية السكان في محافظة الحسكة. وتصطدم الرغبة الأميركية في هذا الاتجاه حتى اللحظة برفض تركي، إذ تنظر أنقرة بقلق إلى التحركات الأميركية الهادفة إلى منح "الإدارة الذاتية" الكردية شرعية سياسية في شمال شرقي سورية. غير أن المصادر أكدت أن الائتلاف تواصل بالفعل مع شخصيات من محافظة الرقة استعداداً ربما لأي تطورات سياسية، ربما تدفع باتجاه الشروع في مفاوضات مع الجانب الكردي، وهو ما يقلق الجانب الروسي الذي لا يريد أن يكون خارج "اللعبة السياسية" في أكثر المناطق السورية أهميةً.

وتستقبل موسكو هذه الأيام وفداً من "جبهة السلام والحرية" التي تشكلت أواخر الشهر الماضي من ائتلاف عدة قوى في منطقة شرقي نهر الفرات. وتأتي هذه الزيارة بعد أيام من توقيع مذكرة تفاهم بين "مجلس سورية الديمقراطية" (مسد)، وهو الجناح السياسي لـ"قسد"، وبين "حزب الإرادة الشعبية" بزعامة قدري جميل، والذي يدور في فلك السياسة الروسية. ومن جملة ما نصّت عليه هذه المذكرة، "الإبقاء على الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية، ودمج قسد ضمن الجيش السوري على أساس صيغ وآليات يتم التوافق عليها، وإشراك مسد في العملية السياسية بكل تفاصيلها وعلى رأسها اللجنة الدستورية السورية".

ولا ينفي الباحث السياسي السوري الكردي المقرب من "الإدارة الذاتية" إبراهيم مسلم، فكرة أن الروس يبتزون الأكراد من خلال التلويح بورقة الانسحاب من منطقة شرقي نهر الفرات. وأضاف، في حديث مع "العربي الجديد": "روسيا دائما تبتز الأكراد، وهي تقوم بذلك حتى تحصل على تنازلات أكثر من الأكراد وحلفائهم من العشائر العربية والأحزاب السريانية". وتابع: "قوتان تستطيعان لجم الأطماع التركية في المنطقة، هما روسيا وأميركا". وأعرب عن اعتقاده بأن الجانب الروسي "يخوّف أكراد سورية بالجيش التركي لهدفين اثنين؛ الأول: من أجل تعزيز الوجود العسكري للنظام في الشمال الشرقي من سورية، أو ما بات يُعرف بشرقي الفرات، والثاني من أجل إبعاد الأكراد عن الأميركيين"، وفق مسلم.