بكين... إمبريالية الحرير

02 ابريل 2021
الصورة
تزايدت التظاهرات في ميانمار ضد سياسات بكين (Getty)
+ الخط -

في لعبة المصالح الغربية ـ الصينية، ينظر كثيرون في أوروبا بتوجس كبير إلى ما يسّمونه "إمبريالية القفازات الحريرية" تحت الراية الحمراء. شكوك هؤلاء، تُعزّزها الدراسات والتقارير الصادرة عن خبراء "معهد أبحاث السلام" في أوسلو ومجلة "فورين بوليسي" وتقارير حقوقية. النقاشات الأوروبية، بعيداً عن نوستالجيا "اليسار الماوي"، تقرأ في تراكم ممارسات الصين بعض "سمات الإمبريالية" وجشعاً رأسمالياً، ومنه الجشع الأميركي ودعم انقلابات جمهوريات صغيرة، وإغراق الدول في ديون لمصلحة الشركات العملاقة.  

فسياسات بكين الاستثمارية، التي تصفها الصحافة الاسكندنافية بـ"جشع عدواني"، ما عادت تقف عند حدود أفريقيا وبعض المناطق العربية والآسيوية، بل تحاول أن تجد لها موطئ قدم في القارة العجوز، ما أثار توجس نقابات العمال والشركات الوطنية. ومسألة ترجمة "الاستثمار" إلى نفوذ وتدخّل، تلتقي على انتقادها معسكرات اليسار والليبراليين، رابطين إياها بالسياسات الديمقراطية والحقوقية. فخلال الفترة الأخيرة، تزايد الحديث عن انتهاكات حقوق أقلية الإيغور المسلمين، ثم جاء انقلاب ميانمار ليشكل مدخلاً إضافياً للإشارة إلى "النزعة الإمبريالية الجديدة" للصين.

خلال العقد الأخير، اهتمت دراسات كثيرة بنزعة التدخل الصيني حول العالم. وأحد أكثر الأمثلة العربية وضوحاً، استخدام الصين وروسيا "الفيتو" عشرات المرّات في مجلس الأمن الدولي، لحماية نظام بشار الأسد في سورية، مثلما استخدمته لمنع إدانة مجلس الأمن لاضطهاد مسلمي الروهينغا في ميانمار. 
ولا يتردد بعض الباحثين الأوروبيين في وصف تلك النزعة بأنها "أنانية مصالح"، وعلى حساب الشعوب الأخرى. وبالطبع، ذلك ليس حكراً على بكين. فالتقرير الأخير حول مسؤولية باريس عن الإبادة في رواندا، وقائمة طويلة من مقايضة المبادئ الغربية بعقود تصدير واستثمار، للسكوت على انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في دول العالم الثالث، هي أمثلة أخرى. إلا أن نقّاد تلك السياسات يرون فارقاً أساسياً في السياق: ففيما الديمقراطية الأوروبية، وحرية الرأي والصحافة، تسمح بالكشف عن الانتهازية السياسية في بلادهم تجاه قضايا محلية وعالمية، فإن بكين لا تحظر فقط ذلك داخلياً، بل تحاول بالنفوذ المالي التأثير لتكميم أفواه منظمات وأحزاب ومشرعين في أوروبا. 

في كلّ الأحوال، ومع توالي دموية الطغمة العسكرية في ميانمار، تزايدت تظاهرات في الشارع الميانماري ضد سفارة بكين، وحرقت مصانعها. وهو ما تتناوله دراسات أوروبية مختلفة، باعتباره انعكاساً لمقولة شائعة هي أن الصين "تعامل ميانمار كالمقاطعة 24"، بحسب صحيفة "إنفورماسيون" الدنماركية. وباكراً جداً، أدركت زعيمة ميانمار المدنية، أونغ سان سو تشي، المسجونة حالياً، في مقابلة مع هذه الصحيفة في العام 2007، أن النظام العسكري في ميانمار "لا يمكن له البقاء من دون دعم الصين". 

فالمشاريع الصينية الممتدة بثبات عبر 70 دولة، وبعضها بمديونيات ومشاريع مختلة لمصلحة بكين أكثر من تلك التي تنتفع منها شعوب "طريق الحرير"، ليست ميانمار بمعزل عنه. التبادل التجاري مع ميانمار لمصلحة بكين، يقدر بنحو 5 مليارات دولار، إلى جانب استغلال اليد العاملة المحلية الرخيصة. ويتزامن ذلك مع مدّ أنبوبي نفط وغاز من سواحل ميانمار نحو إقليم يونان الصيني. ولدى بكين طموح كبير في سياق "مبادرة الحزام" الكبير لجعل ميانمار طريقاً للسلع الصينية من آسيا إلى أوروبا. وإذا استثنينا وجود 1.7 مليون صيني في ميانمار، وأغلبيتهم ضد حكم الحزب الشيوعي في بلدهم وتدخله لصالح الانقلاب، بحسب تقارير دبلوماسية ومتخصصة وشهادات نشرتها صحافة أوروبية، فلدى بكين سياسة ثابتة في محيطها القريب: منع نمو الديمقراطية والحريات السياسية، وانتقال تأثيراتها إلى البرّ الصيني.

وتبدو اليوم مخاوف بكين من النفوذ الغربي، وخصوصاً تعزز دوره في إرساء السلام في ميانمار عام 1991، أكثر جدية في سياق صدام المشروعين، وفي ظلّ تنامي المشاعر الشعبية الميانمارية المعادية للصين، ما يمكن أن يدمر مشاريعها، بحسب خلاصة لباحثي "مركز أبحاث السلام" في أوسلو، الذين يؤكدون أيضاً أنه "بينما يُحظر (موقعا التواصل الاجتماعي) فيسبوك وتويتر في الصين، فإن ميانمار تحولت مع الوقت إلى مجتمع إنترنت، وهو أمر يساهم في كشف تدخلات بكين"، مثلما استفادت منه الحركة الديمقراطية في هونغ كونغ.

المساهمون