العراق: إعادة تدوير مشروع قانون "جرائم المعلوماتية"

العراق: إعادة تدوير مشروع قانون "جرائم المعلوماتية"

31 اغسطس 2021
اتهامات للسلطات بمحاولة إسكات معارضيها (حسين فالح/ فرانس برس)
+ الخط -

في السابع عشر من أغسطس/ آب الحالي، أعلن الرئيس العراقي برهم صالح تقديم مشروع قانون جديد للعقوبات في البلاد، بديلاً من الحالي المعمول به منذ عام 1969. ودافع صالح عن مشروع القانون، والذي يقضي الدستور بإرساله إلى البرلمان لمناقشته قبل التصويت عليه بالرفض أو القبول، قائلاً: "حدثت في العراق خلال العقود الماضية تحولات كبرى، لكن منظومته القانونية وقانون العقوبات تحديداً بقيا في إطار لم يواكب التطورات التي حدثت ولا سيما في المنظومة السياسية والمجتمع العراقي". لكن مصادر مطلعة كشفت لـ"العربي الجديد" عن تضمين القانون المُقدم فقرات عدة من مسودة قانون "جرائم المعلوماتية"، الموجود في البرلمان منذ قرابة الثلاث سنوات، والذي سبق أن قاد ناشطون وحقوقيون حملات شعبية واسعة ضد محاولات التصويت عليه وتمريره بسبب احتوائه مواد تهدد حرية التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي، وتقيّد التظاهرات والتجمعات الاحتجاجية بموافقة مسبقة من السلطات، وتفرض عقوبات توقيف وغرامة على المخالفين بدعوى تعطيل الحياة العامة.
وعلى الرغم من تشكيك أعضاء في البرلمان، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، في قدرة مجلس النواب على تمرير القانون بسبب العُمر المتبقي له قبل الانتخابات المبكرة المقررة في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، إلا أن مراقبين اعتبروا القانون مشروعاً قائماً ويمكن أن يمرره البرلمان في دورته المقبلة.

ما لا يقل عن 3 فقرات في القانون القديم تم نقلها للقانون الجديد

ووفقاً لمصادر عراقية مطلعة في الدائرة القانونية بالبرلمان، فإن مسودة قانون العقوبات التي وصلت إلى مجلس النواب "تتضمن فقرات كاملة من قانون جرائم المعلوماتية" الذي تعارضه قوى سياسية مدنية وناشطون وكتاب وصحافيون وحقوقيون، على اعتبار أنه يتضمن تقييداً كبيراً للحريات، فضلاً عن إمكانية استخدامه من قبل السلطة لفرض سيطرتها على كل أشكال الانتقاد أو كشف جرائم الفساد والانتهاكات الحاصلة في البلاد.

وبحسب أحد المصادر، فإنّ ما لا يقل عن 3 فقرات في القانون القديم (جرائم المعلوماتية) تم نقلها للقانون الجديد الخاص بالعقوبات بصيغة مطابقة للموجودة بالقانون القديم أو مشابهة لها، وتكمن المشكلة في أنها فقرات فضفاضة قابلة للتأويل. فعلى الرغم من تحدثها عن الابتزاز الإلكتروني والعقوبات المترتبة عليه وجريمة انتحال الصفة على مواقع التواصل، وتجريم التهجم على الشخصيات العامة، فإنها خالية من التفصيل بما يسمح باستخدامها بشكل انتقائي، مثل أنها لا تُفصّل الفرق بين الانتقاد أو كشف الانتهاكات والفساد وبين السب والقذف، وما معنى "الاعتداء اللفظي" على مؤسسات الدولة.

ووفقاً للمصدر نفسه، فإنّ قانون العقوبات الجديد الذي قدمته رئاسة الجمهورية شارك في إعداده أشخاص بصفة مستشارين في رئاسة الجمهورية ونواب برلمان عن قوى إسلامية كانوا سابقاً قد شاركوا بصياغة قانون جرائم المعلوماتية، إضافة إلى خبراء مندوبين من مجلس القضاء الأعلى، الذي يواجه اتهامات منذ أيام بالتضييق على مساحة الحريات من خلال إعلانه عن تشكيل لجنة قضائية لمراقبة ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها ما اعتبره المحتوى المشجع على "الفسق والفجور".

وأبرز ما يقلق القوى المدنية العراقية من محاولات تشريع قانون متعلق بالنشر وحرية التعبير، هو إمكانية تفسير وتأويل فقرات القانون؛ سواء في مسودته التي قدمت سابقاً أو الحالية المرسل إلى البرلمان، لخدمة القوى السياسية الحالية ومحاصرة الحركات المعارضة لها داخل العراق.

مخاوف من تفسير وتأويل فقرات القانون لخدمة القوى السياسية

في السياق، وصف القيادي في التحالف المدني العراقي، والنائب السابق جوزيف صليوا، محاولات تشريع قانون يحاصر الحريات في العراق بأنها "تعكس عقلية دكتاتورية استبدادية". وأضاف في حديث مع "العربي الجديد"، أن "الدعوة إلى تشريعات تحت مسمى جرائم المعلوماتية، هي لفرض قيود كبيرة على العراقيين في مجال الحريات والانتقاد والتظاهر، ومن غير المنطقي حشر فقرات تتعلق بجرائم المعلوماتية في قانون العقوبات". ودعا صليوا السياسيين إلى "إدراك أن رياح الديمقراطية في العراق يجب أن تستمر"، وخاطبهم بالقول "لا يمكن التخلص من استبداد، والعودة إلى استبداد آخر بثياب ديمقراطية". ولفت إلى أن "مثل هذه الإجراءات تهدف إلى تكميم الأفواه، والسلطات تخشى من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لفضح سلوكيات المتنفذين".

وبحسب صليوا، فإن "العراقيين ليس لديهم متنفس سوى موقع فيسبوك، وبقية تطبيقات الإنترنت، ومحاولات قطع الطريق على المواطنين للتعبير عن آرائهم هو أمر خطير جداً"، معتبراً أنّ "الدورة البرلمانية الحالية التي بدأت عام 2018، سُجلت عليها إشكاليات كبيرة، ومحاولة تمرير أي قانون يمسّ بالحريات العامة للعراقيين أو التعبير عن آرائهم سيكون نقطة سوداء في جبين البرلمان". ووجه دعوة إلى من وصفهم بـ"المؤمنين بالديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني، إلى اتخاذ موقف تجاه مثل هذه القوانين".

صليوا: السلطات تخشى من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لفضح سلوكيات المتنفذين

من جهتها، أقرت عضو البرلمان العراقي، انتصار الجبوري، في حديث مع "العربي الجديد"، بوجود حاجة للاستماع لمنظمات المجتمع المدني خلال دراسة البرلمان لمشروع القانون المقدم من رئاسة الجمهورية. ولفتت إلى أن "قانون جرائم المعلوماتية سبق أن رُفض بشكل كامل لأنه يقيّد الحريات، واليوم جرى الالتفاف من خلال إدخال فقراته في قوانين أخرى"، داعية إلى أن تكون القوانين متوازنة. وأشارت الجبوري إلى أن "وجود فقرات تتعلق بجرائم المعلومات في قانون العقوبات، هو أمر يخالف طموحات الشارع، وقد تقود هذه الفقرات إلى تعديل القانون"، متوقعةً أن يتم ترحيل القانون إلى الدورة البرلمانية المقبلة.

وفي حال أُجريت الانتخابات البرلمانية في العاشر من أكتوبر المقبل، فإنّ مجلس النواب الحالي سيحلّ نفسه قبل ذلك بثلاثة أيام، أي بعد أقل من شهر ونصف الشهر، وهي مدة قد تكون غير كافية لتمرير قانون العقوبات الجديد، الذي يجب أن تتم مناقشته في اللجنة القانونية بالبرلمان التي تمتلك حق إلغاء أو تعديل بعض فقراته، أو إضافة فقرات جديدة، ثم عرضه للقراءتين الأولى والثانية في البرلمان، قبل أن يكون جاهزاً للتصويت.

وبغض النظر عن تشريع القانون في الدورة البرلمانية الحالية أم المقبلة، فإنه "يعدّ محاولة واضحة من السلطات لوضع كوابح أمام ممارسة الحريات في العراق"، بحسب الناشط في حقوق الإنسان، أحمد البدري، الذي قال في حديث مع "العربي الجديد"، إن "تضمين فقرات من قانون جرائم المعلوماتية سيئ الصيت في قانون العقوبات الجديد، يشير إلى وجود إصرار واضح من السلطات على إسكات جميع الأصوات المعارضة لها". واعتبر أن هذه الفقرات "تستهدف الناشطين والمدونين الذين لا سلاح لديهم سوى حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي".

وعلى الرغم من إصرار بعض الكتل البرلمانية على تمريره، إلا أن مجلس النواب بدورته الحالية فشل في التصويت على قانون جرائم المعلوماتية بسبب خلافات عميقة بشأنه وانتقادات شعبية واسعة. ويفرض مشروع القانون عقوبات بالسجن وبغرامات مالية كبيرة على الصحافيين والناشطين والمدونين الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، في حال "إساءة" استخدامها.

المساهمون