الانتخابات الأردنية: شبح اللامبالاة

10 نوفمبر 2020
الصورة
لا اهتمام كبيراً بالانتخابات (خليل مزرعاوي/فرانس برس)
+ الخط -

بين فقدان الثقة بدور مجلس النواب الأردني وتفشي جائحة كورونا في البلاد، تجتمع العوامل التي تدفع لترجيح نسبة عزوف كبيرة عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي يشهدها الأردن اليوم الثلاثاء لملء 130 مقعداً نيابياً في مجلس النواب التاسع عشر، موزعة على 23 دائرة انتخابية، على الرغم من عدم وجود إعلان رسمي عن المقاطعة سوى من حزب وحيد هو "الشراكة والإنقاذ". وبينما لا تشهد الانتخابات البرلمانية في الأردن بشكل عام مشاركة كبيرة، فإن عوامل جديدة يُتوقع أن تؤثر على قرار الأردنيين بالعزوف عن الاقتراع، فإضافة إلى المخاوف من وباء كورونا، تسيطر الأولويات الاقتصادية والمعيشية على اهتمامات المواطنين، بالتوازي مع ثقة ضعيفة بالبرلمان وقدرته على إحداث تغيير، على الرغم من أن الاستحقاق يأتي في ظروف مهمة ومعقّدة، مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة في الداخل، والتطورات السياسية المتسارعة في الإقليم.

وبلغ عدد القوائم النهائية المرشحة للانتخابات، وفق الهيئة المستقلة للانتخاب، 294 قائمة، وعدد المرشحين داخل هذه القوائم 1674 مرشحاً، منهم 1314 من الذكور، و360 من الإناث. وسيشارك 41 حزباً في الانتخابات من أصل 48 مسجلة في البلاد، بمجموع 389 مرشحاً ومرشحة، يشكلون 23 في المئة من مجموع المرشحين الكلي للانتخابات. ووفق المدير العام لدائرة الأحوال المدنية، فهد العموش، فإن عدد الناخبين تجاوز الأربعة ملايين و647 ألفاً.

تعاملت الهيئة المستقلة مع أكثر من 830 مخالفة انتخابية

ودخلت البلاد صباح أمس الإثنين مرحلة الصمت الانتخابي، استباقاً للعملية الانتخابية. ودعت الهيئة المستقلة للانتخاب إلى ضرورة التقيّد بتطبيق القانون ووقف أشكال الدعاية الانتخابية كافة في مختلف وسائل الإعلام والتواصل، مشيرة إلى أن قانون الانتخاب يحظر ممارسة الدعاية الانتخابية قبل 24 ساعة من يوم الاقتراع تحت طائلة المساءلة القانونية. وسترصد الجهات الرقابية، والجهات الرسمية، التزام المرشحين والمرشحات بفترة الصمت الانتخابي، وستقوم هيئة الانتخاب بمراقب كافة مواقع الدعاية ميدانياً وعبر منصات التواصل الاجتماعي لمتابعة أي تجاوزات.

وأفاد المتحدث باسم الهيئة المستقلة للانتخاب جهاد المومني، في تصريح لـ"العربي الجديد"، بأن هناك حوالي 55 ألف شخص سيعملون مع الهيئة لإنجاح عملية سير الاقتراع، لافتاً إلى أن هناك حوالي 1824 مركزاً موزعة على الدوائر الانتخابية في مختلف محافظات المملكة. وأوضح أن الناخبين سيدلون بأصواتهم في 8061 صندوقاً في كافة الدوائر، لافتاً إلى أن الهيئة عملت على تهيئة البيئة المناسبة التي تسمح للجميع بالإدلاء بأصواتهم بكل يسر وسهولة. وسجلت الهيئة رقماً غير قليل من المخالفات، وأعلن المومني، في تصريح صحافي الأحد، أن الهيئة تعاملت مع أكثر من 830 مخالفة انتخابية، تنوعت بين مخالفات لتعليمات الدعاية الانتخابية، وأخرى مخالفة المادة (59) من قانون الانتخاب المتعقلة بـ"المال الأسود". وأشار إلى تشكيل 3 لجان تدقيق لأقاليم الشمال والوسط والجنوب، لتسرع عملية استخراج النتائج في كافة الدوائر الانتخابية.

وفي محاولة لرفع عدد المقترعين، قرر رئيس الوزراء بشر الخصاونة تعطيل الوزارات والدوائر الرسمية والمؤسسات والهيئات العامة والخاصة يوم الانتخاب، وذلك لتمكين الموظفين من المشاركة في الاقتراع. كما أصدر بلاغاً السبت، حدد فيه ساعات الحظر الشامل الذي سينفّذ بعد إجراء الانتخابات النيابية، ليبدأ تطبيقه من الساعة العاشرة مساءً بعد الانتهاء من عملية الاقتراع وإغلاق الصناديق اليوم الثلاثاء، وينتهي عند الساعة السادسة من صباح الأحد 15 أكتوبر/تشرين الثاني الحالي.

حزب وحيد هو "الشراكة والإنقاذ" أعلن مقاطعة الانتخابات

ويقول وزير الإعلام الأسبق سميح المعايطة، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنه عبر تاريخ الانتخابات الأردنية تراوحت نسب الاقتراع بين 40 و60 في المئة، وهذا ضمن معدلات المشاركة العالمية، لكن هذه الانتخابات فيها عوامل جديدة دخلت على أولويات الناس ومنها المفاضلة بين المشاركة وبين توخي الحذر في ما يتعلق بوباء كورونا وهذا ينطبق ليس فقط على كبار السن بل حتى على فئات أخرى. ويشير إلى أن هذا الموسم الانتخابي ليست فيه مقاطعة سياسية منظمة من قوى سياسية أو اجتماعية، لكن هناك تزايداً في حالة عدم الاهتمام وعدم المبالاة التي تعود إلى أسباب عدة، منها وجود فئات لم تكن يوماً تشارك وغير معنية بأي أمر سياسي، إضافة إلى تعمّق القناعة بالدور الهامشي لمجلس النواب في التأثير على القضايا الهامة في حياة الناس والدولة، مضيفاً أن أولوية القضايا الاقتصادية والمعيشية سيطرت على فئات شبابية وأرباب أسر من بطالة وفقر وجعلت من فكرة المشاركة ترفاً أمام الحاجة إلى العمل أو متطلبات الحياة. ويرى أن المشاركة هذا العام لن تكون أكبر من الموسم الماضي، وكما توقع رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات فإن المشاركة لن تتجاوز الـ35 في المائة، وهذا التقدير دقيق على الرغم من أن نشاط المحافظات خارج العاصمة قد يزيد النسبة قليلاً، وفق قوله.

من جهته، يعتقد الكاتب السياسي والمحلل أنيس خصاونة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن ثقة الناس بالبرلمان الجديد ضئيلة جداً والآمال المعقودة عليه ضعيفة، مضيفاً أن فقدان الثقة ليس مرتبطاً فقط بهذه المؤسسة بل يشمل مؤسسات أخرى، لا سيما في ظل ما تطرحه الحكومة من برامج وقرارات، وهو ما يؤثر على زخم المشاركة في عملية الانتخاب. ويشير إلى أن "الناس لا ترى أن البرلمان المقبل سيكون أفضل من سابقه، فهو لن يشكّل فجراً جديداً، أو تطوراً في الحياة السياسية، وهذا له جذور تاريخية، فالناس ترى أن الحكومة تؤثر وتتدخل أحياناً في الانتخابات"، لافتاً إلى الأحاديث المتداولة عن تدخل حكومات في انتخابات سابقة، أحدها منقول عن لسان رئيس وزراء سابق، والأخرى منقولة عن مدير سابق لأحد الأجهزة الأمنية. ويضيف خصاونة أن جائحة كورونا تؤثر على إقبال الناس على الانتخابات، كما أن قرار رئيس الوزراء فرض حظر بعد انتهاء عملية الاقتراع يزيد الشكوك حول نزاهة الانتخابات ونوايا الحكومة، خصوصاً في ظل عدم الثقة بالحكومة وقراراتها، متابعاً "تاريخياً هناك ما يبرر شكوك المواطنين بإجراءات الحكومة، وزاد ذلك مع قرار الحكومة الأخيرة الحظر الشامل". ويرى أن هذه الانتخابات مهمة وظروف الأردن معقدة، فالأوضاع الاقتصادية صعبة جداً، والمديونية عالية، والوضع السياسي مقلق في إقليم ملتهب، وربما هناك صفقات وتسويات مقبلة، فمن سيراقبها، متوقعاً ألا يكون البرلمان المقبل بمستوى المرحلة المقبلة.

وفي سياق متصل، دعا تحالف "عين على النساء"، والذي تقوده جمعية معهد تضامن النساء الأردني "تضامن"، في بيان، إلى المساءلة واحترام سيادة القانون في مواجهة التجاوزات المحتملة من قبل بعض المرشحين والمرشحات، وإلى اتخاذ الإجراءات القانونية لمنع حدوث المخالفات وإزالتها إذا وقعت. وحذر التحالف من أن خرق الصمت الانتخابي سيكون سهلاً بوجود وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت والهواتف الخلوية، فلا يعقل أن يتم وقف البث الشبكي للمواقع الإلكترونية أو مواقع التواصل الاجتماعي التي تروج وتمارس الدعاية الانتخابية على مدار الساعة حتى يوم الاقتراع.

تحذيرات من أن خرق الصمت الانتخابي سيكون سهلاً بوجود وسائل الاتصال الحديثة
 

ويُشترط في من يترشح لعضوية مجلس النواب أن يكون أردنياً منذ عشر سنوات على الأقل، أتم الثلاثين عاماً من عمره في يوم الاقتراع، وألا يكون محكوماً عليه بالإفلاس ولم يستعد اعتباره قانونياً، وألا يكون مجنوناً، أو محكوماً عليه بالسجن مدة تزيد على سنة واحدة بجريمة غير سياسية ولم يعف عنه، وألا يكون من أقارب الملك في الدرجة التي تعين بقانون خاص. ويشترط أيضاً ألا يكون متعاقداً مع الحكومة أو المؤسسات الرسمية العامة أو الشركات التي تملكها أو تسيطر عليها الحكومة أو أي مؤسسة رسمية عامة سواء كان هذا التعاقد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة باستثناء ما كان من عقود استئجار الأراضي والأملاك ومن كان مساهماً في شركة أعضاؤها أكثر من عشرة أشخاص.

وتتألف المقاعد البالغ عددها 130 مقعداً في مجلس النواب من 115 عضواً يتم انتخابهم عن طريق التمثيل النسبي في قائمة مفتوحة من 23 دائرة انتخابية موزعة على 12 محافظة، وتتراوح حصة الدائرة بين ثلاثة وتسعة مقاعد حسب المساحة الجغرافية وعدد السكان، و15 مقعداً (كوتا) مخصصة للنساء اللواتي حصلن على أكبر عدد من الأصوات في كل من المحافظات الاثنتي عشرة ومناطق البادية الثلاث. كما تم تخصيص تسعة من مقاعد التمثيل النسبي البالغ عددها 115 مقعداً للأقلية المسيحية، وثلاثة مقاعد أخرى مخصصة للأقليات الشيشانية و‌الشركسية.

ويعتمد نظام الانتخاب في الأردن، القائمة النسبية المفتوحة، لملء المقاعد النيابية الـ130، ويصوّت الناخب للقائمة أولاً، ومن ثم للأعضاء الذين يرغب التصويت لهم داخل القائمة، ويجب أن تحصل كل قائمة على مقاعد الدائرة الانتخابية، بنسبة عدد الأصوات، التي حصلت عليها كقائمة، من مجموع المقترعين في الدائرة الانتخابية ذاتها. ويُحدد الفائزون من هذه القائمة، على أساس أعلى الأصوات التي حصل عليها المرشحون في القائمة، وفي حال تعذر إكمال ملء المقاعد بالنسبة الصحيحة، فإنه يتم اعتماد طريقة الباقي الأعلى لملء هذه المقاعد. وتحصل القائمة على عدد مقاعد مساوٍ لنسبة ما حصلت عليه من إجمالي أصوات المقترعين الصحيحة وسيكون هناك نسب مجزوءة وكسور، ولذلك اعتمد القانون نظاماً يسمى نظام الباقي الأعلى لاحتساب المقاعد. وفي حالة التساوي بنسبة الأصوات بين قائمتين أو تساوي الأصوات بين مرشحين اثنين، يجري رئيس لجنة الانتخاب القرعة بين المتساوين في نسبة الأصوات أو عددها لتحديد الفائز منهما.

المساهمون