إرث شعبوية ترامب بين 2016 و2020: تهديد الديمقراطية

20 يناير 2021
الصورة
شعار "أميركا أولاً" رمز الشعبوية والإجراءات الحمائية (تاسوس كادوبوديس/Getty)
+ الخط -

يغادر الرئيس الأميركي دونالد ترامب البيت الأبيض إلى منتجعه في مارآلاغو بولاية فلوريدا، قبل ساعات من موعد تنصيب خلفه جو بايدن، عند ظهيرة اليوم الأربعاء، في توقيت تاريخي وتقليدي لتنصيب الرؤساء الأميركيين، وفي رصيده أربع سنوات صاخبة من ولاية لم يمنحه الأميركيون فرصة لتجديدها. ويخرج ترامب أخيراً من البيت الأبيض، الذي لم يشأ أن يغادره إلا وقد وصمه بآخر فضائحه، والتي قادت إلى أن يكون أول رئيس أميركي إلى اليوم، واجه مساءلتين في الكونغرس، ومحاولتي عزل، لا تزال الثانية تنتظر بتّ مجلس الشيوخ فيها. رغم ذلك، فإن 75 مليون أميركي صوّتوا في الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لتجديد ولاية الرئيس الجمهوري، وذلك خلال سنة كانت الأسوأ في عهده، حيث خيّم فيروس كورونا على الولايات المتحدة، وأصاب ملايين من سكانها بالموت والوباء والعزل، وسط سوء إدارة حكومية لأسوأ كارثة صحية تطاول أميركا منذ قرن.

يغادر ترامب البيت الأبيض بـ29 في المائة من التأييد الشعبي

ويختلف المتابعون وأولئك الذين يقع على عاتقهم تقييم إرث ترامب، حتى الآن، حول ما إذا كان عليهم أن يفصلوا في ذلك بين السنوات الثلاث الأولى من ولايته، التي انطلقت أيضاً بفضيحة التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، والتواطؤ المحتمل بين هذا التدخل وحملة ترامب، وبين السنة الأخيرة، التي تحمل الإرث الأكبر لهذه الولاية. فباختصار، يصح القول إن كل ما سبق 2020، بالنسبة لولاية رجل الأعمال ونجم تلفزيون الواقع، قد يُمكن وضعه في سلّة، وما حملته السنة الأخيرة في سلّة أخرى. وفي السلّة الثانية، عبارة قصيرة، قد تلخص هذا الإرث، الذي ستمتد تداعياته على الأرجح لفترة طويلة، وقد تكون مؤسسة لحقبة مختلفة في التاريخ الأميركي. فبخلاف شعار "أميركا أولاً"، والشعبوية والحمائية والنزعة القومية والانعزالية الأميركية التي صبغت عهد الرئيس الـ45 للولايات المتحدة، فإن اعتبار ترامب، في آخر عهده، الرئيس الذي "قوّض الديمقراطية الأميركية"، ستكون له انعكاسات أخطر على مجمل العمل السياسي في واشنطن، وفي البلاد، والتي يتركها ترامب الرئيس، في منعطف دقيق، حيث يشتد الانقسام والاستقطاب، الشعبي والسياسي.

وقبل تقويض الديمقراطية الأميركية، عبر عدم الاعتراف أولاً بنتائج الانتخابات الرئاسية وبخسارته، مروراً بكل المسار الدرامي الذي أراد صبغه على هذه الخسارة، والذي ترافق مع تأجيج نظرية المؤامرة لدى أنصاره من اليمين المتطرف، وصولاً إلى اتهامه بالتحريض على "غزوة الكونغرس"، كان ترامب، بالنسبة إلى الكثير من المحللين والمؤرخين، قد قوّض موقع الرئاسة الأميركية، وباعتباره القائد الأعلى للبلاد. ووصل الأمر في النهاية، وفي مشهد سوريالي، إلى ما يشبه "التبرؤ" منه، بعدما باتت صورة الرئاسة مهشّمة، بفعل نزواته أو قراراته التي لم توافق عليها الكثير من الوكالات الفيدرالية، أو حتى الوزارات، والتي فعلت عكسها، في بعض المرّات. وفي منتصف ولاية الرئيس الجمهوري، كتب ديفيد فروم، مؤلف كتاب "ترامبوكراسي: فساد الجمهورية الأميركية"، أن ترامب "هو مثل المسمار في حذاء الحكومة الأميركية. فهو لا يلتزم بقواعدها، ولا بمعاييرها. لدرجة ما، لقد غيّر الحكومة، ولكن لدرجة ما أيضاً، فإن الحكومة تأقلمت. في نواحٍ حكومية كثيرة، يتساءل كثيرون عما إذا كانت كلمات الرئيس تعني شيئاً بعد الآن. الجيش ووكالات الاستخبارات بدأوا يطورون استقلالية أكبر عن الرئيس في ظلّ عهد ترامب. إني قلق من أن يكون ذلك تطوراً دائماً". ولا تزال غير بعيدة تلك المقالات التي نشرتها الصحف الأميركية لرجالات في الدولة الأميركية، حاليين وسابقين، طالبوا فيها إما بمحاسبة الرئيس أو عدم الموافقة على قرارات له، أو تقييم سلامته العقلية، وصولاً إلى إبداء الدعم لجو بايدن، وفيها كلّها نوع من المقاومة المؤسساتية لرئيس خارج عن المألوف، ومتمرد.

وعلى الرغم من النواة الصلبة لقاعدته، في "ولايات الصدأ" خصوصاً، والتي تمكنت من التعبير عن غضبها في عهده، يغادر ترامب، وفق معهد بيو للأبحاث، بـ29 في المائة من التأييد الشعبي، وهو الأسوأ له منذ وصوله إلى البيت الأبيض، وهو نوع من التمرد الأميركي الذي شعر بالخشية على ديمقراطيته. لكن الـ75 مليوناً الذين صوّتوا له، "لن يذهبوا إلى أي مكان"، وسيبقون، بالإضافة إلى الشرخ الأميركي، أكبر تحد لولاية جو بايدن على الإطلاق، بحسب "نيويورك تايمز". كما سيكون التحدي الأكبر هو بالنسبة لـ"الحزب القديم الكبير"، أي الحزب الجمهوري، والذي سيبقى لترامب تأثير كبير على قاعدته لسنوات طويلة.

على الصعيد الخارجي، ظلّ شعار "أميركا أولاً"، الذي رفعه دونالد ترامب، فضفاضاً في الكثير من المرّات، لكنه رغم كل شيء، تمكن من إحداث الفوضى التي لم تكن أميركا تشتهيها، على الرغم من اعتبار عدد من المتابعين أن سياسة الانكفاء سبقت وصول ترامب إلى البيت الأبيض، لكن الرجل جعلها تتبلور بشكل أكثر عدوانية. فإذا كان الرئيس، الذي بدأ عهده باستعراض قوة في أفغانستان، عبر قصف بـ"أم القنابل" لموقع لـ"داعش" في ولاية ننغرهار، قد نأى ببلاده عن التورط في حروب جديدة، أو تعزيز وتعميق الحروب الطويلة، إلا أن سياسته الفوضوية، وغياب رؤيته، سمحا للتمدد الروسي في المنطقة بأن يكون أكثر استدامة، وندّية، وللتغلغل الإيراني في سورية والعراق أن يستمر، ولأوروبا أن تبحث عن شركاء آخرين، في السياسة والاقتصاد. أما الصين، والتي واجهها ترامب بحرب تجارية ضروس، فقد تحولت في عهده إلى دولة أكثر رغبة في استعراض عضلاتها، والخروج من ثوب القوة الناعمة. وفي منتصف عهد ترامب أيضاً، رأى موقع "أفيفا إنفستور"، أن الرئيس الأميركي الـ45 "قد سلّم القيادة الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (إلى لاعبين آخرين)، وافتتح نظاماً جيوسياسياً جديداً، سلّم فيه النفوذ والتأثير لروسيا في أوروبا، والصين في منطقة آسيا – الهادئ". واعتبر مايكل هيرسون، مدير برنامج أبحاث آسيا في "مجموعة أوراسيا" (مجموعة بحثية)، أن "سياسة ترامب، أميركا أولاً، وانسحابه من التعددية، يفتحان المجال للصين لإظهار قيادتها في مسائل عدة، ولا يعني ذلك بأن بإمكانها تهديد النظام الدولي، ولكن تطويعه لصالحها". ورأى ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس الشؤون الخارجية (مؤسسة بحثية)، أخيراً، أن سياسة ترامب الخارجية فشلت أيضاً في كوريا الشمالية، إذ لا تزال بيونغ يانغ تكدس ترسانتها النووية، وتصنع المزيد من الصواريخ، كما أن إيران قلّصت الفترة الزمنية لتطوير أسلحتها النووية، كما تزداد ديكتاتورية فنزويلا قوة، والنفوذ الإيراني والروسي في الشرق الأوسط".

افتتح ترامب نظاماً جيوسياسياً جديداً، سلّم فيه التأثير لروسيا في أوروبا، والصين في منطقة آسيا – الهادئ

وكما في كل شيء أرضى به قاعدته وكتلته المحافظة داخلياً، من المحكمة العليا إلى تعيين القضاة الفيدراليين إلى الحمائية الاقتصادية وتقليص الضرائب على الشركات والأفراد والأغنياء، كان لهذه السياسة أيضاً وقعها الخارجي، ولا سيما في الشرق الأوسط، حيث نجح ترامب في تلبية آمال تاريخية للنخب والقواعد المحافظة والإنجيلية، عبر التحالف الأقوى مع اليمين الإسرائيلي المتطرف، وفرض إملاءات "صفقة القرن" التي رفضها الفلسطينيون، وإخراج التحالف الإسرائيلي المستتر مع دول عربية إلى العلن، لكن ذلك يجعل أي مسار لسلام حقيقي صعب المنال. فضلاً عن أن انسحاب الولايات المتحدة في عهد ترامب من الاتفاقات الدولية شكل علامة فارقة في عهده. ورأى هاس أن ترامب نجح في خضّ وتفكيك الكثير من التحالفات الدولية بين بلاده ودول وكيانات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية ظلّت قوية، وبعضها منذ 75 عاماً. وعلى الرغم من أنها ليست مثالية، إلا أن ترامب يغادر من دون أن يكون قد تمكن من وضع شيء مكانها". واعتبر هاس أخيراً، أنه سيكون من الصعب، بل المستحيل، إصلاح هذه الأضرار في وقت قريب، إذ سيبقى ترامب مؤثراً في الحزب الجمهوري، وفي الولايات المتحدة، وبينما يتراجع تأثير الولايات المتحدة، فإن ترامب قد سرّع هذا الاتجاه، وهو يسلم بلداً لخلفه في حالة أسوأ بكثير مما تسلمه. وهذا هو إرثه الكئيب".

قد يكون عهد بايدن أشبه بمرحلة انتقالية للولايات المتحدة، وقد يأتي الرئيس الـ46 للولايات المتحدة بدفعٍ سياسي كبير من الحزب الديمقراطي، وراغبين آخرين بتنظيف إرث ترامب، بقرارات تستعيد هيبة أميركا. ولكن مع بقاء فيروس كورونا، فإن عهد بايدن سيظلّ قصيراً لرأب الصدع في العلاقات الأميركية الداخلية، وعودة الأجندة الخارجية للولايات المتحدة إلى مسار تقليدي، إذ سيكون صعباً محو إرث ترامب في وقت سريع. 

المساهمون