في مواجهة شعبوية ترامب .. الديمقراطية تحصّن نفسها

18 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

يقدّم الصراع الجاري حاليا بين الرئيس ترامب وخصومه، من الأميركيين تحديدا، درسا بليغا للديمقراطيات العريقة أو الفتية، فضلا عن أن الدول التي تجتاز مرحلة انتقال ديمقراطي يمكنها أن تستفيد منه كثيرا. انتعشت الشعبويات، بوصفها أسلوبا سياسيا ونزعات حكم وإدارة شأن المواطنين، مع صعود ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة، لقد قدم أصفى وأعتى نموذج مثالي بالمعنى الفيبري (نسبة إلى ماكس فيبر) للشعبوية. تسللت شعبويته من صناديق الاقتراع، فامتلأت مشروعية وشرعية، إذ لا أحد ينازعها شرعيتها، أو يسحب منها المشروعية، وهي التي حازت على قبول الأميركيين بها. "الشعب يريد" شعار فريد أضافته الشعبويات في السنوات الأخيرة. وهكذا أراد الشعب الأميركي أن يحكمه ترامب. شعبوية تختلف عن نماذج أخرى من الشعبويات التيوقراطية التي تجري في أماكن عديدة من عالمنا، وتحديدا في أميركا اللاتينية وروسيا، بل وحتى بلدان عربية عديدة، تقدّم تجارب مغايرة لشعبوياتٍ تدّعي فيها الأنظمة أنها تمثل شعبها، وهي هويته وضميره.
صبر الأميركيون على "ترامبهم"، على الرغم من كل الأخطاء والحماقات التي ارتكبها في حق مواطنيه وحق بلاده. سواء في مسائل تتعلق بالخدمات والمرافق، أو في مجال العلاقات الخارجية التي نسف أسسها المتعارف عليها. كانت صورة "أميركا الترامبية" منفّرة، فاقدةً أي جاذبية، كبلد جسّد قرونا صورة البلد الحر الديمقراطي. لم يبلور ترامب، في شعبويته هذه، مقولاتٍ على غرار زعماء شعبويين آخرين، مثل شافيز وبوتين، بل قدّم أسلوبا سياسيا قائما على الرعونة والاستخفاف بما يشبه "بلطجة سياسية فاخرة"، تجري تحت أضواء وبهرج وتقنيات اتصال عالية الجودة.

وتّر ترامب علاقاته مع الجميع، حتى أقرب الشركاء إلى بلاده، على غرار بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهي التي تضرّرت من عجرفته وعنجهيته

كان الرئيس يدير أعقد الملفات من خلال شلة من الأقارب والأصهار، ويتم الإعلان عن أخطر القرارات، عبر هاتفه المحمول، حتى ضاق به "تويتر"، وقطع عنه خدماته لسوء استعماله. رأينا رئيس أكبر ديمقراطية يعلن عن قرارات خطيرة من خلال جهازه على غرار فوزه بحيازة ملايين الدولارات من أنظمة عربية من أجل تشغيل مصانع بلاده، صفقات التطبيع. "توترة" (نسبة الى تويتر) العلاقات الدولية كانت إحدى السمات البارزة لهذا الأسلوب السياسي الفجّ.
كان الرئيس ترامب قد وتّر علاقاته مع الجميع، حتى أقرب الشركاء إلى بلاده، على غرار بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهي التي تضرّرت من عجرفته وعنجهيته، لم يكن ينظر إلى رؤساء هذه الدول شركاء، بل أتباعا لا يتوانى عن تلقينهم دروسا أمام الجميع. لقد أحرجهم، في أكثر من مناسبة، خصوصا في ملفاتٍ جرّها إليهم جرّا، من دون أدنى تنسيق، على غرار الموقف من إيران وإسرائيل،... إلخ. ولعلنا نتذكر كيف أعلن انسحاب الولايات المتحدة من إعلان باريس الخاص بالاحتباس الحراري والتغييرات المناخية، وتحديدا مكافحة تسربات غازات الكربون، الاستهزاء أمام الجميع من مشروع الصندوق الأخضر لإنقاذ الكرة الأرضية، وتصويره هدفا ساذجا.
في مذكراته "الغرفة التي شهدت الأحداث"، كشف مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون، أخطاء ترامب القاتلة، والتي أضرّت، حسب رأيه، بسمعة أميركا. كان رئيسا مسيئا لبلده حسب تعبير بولتون. يدرك الأميركيون، على الرغم من أن بلدهم أكبر قوة اقتصادية وعسكرية، أنهم يحتاجون هذه السمعة، من أجل أن تظل صورة الولايات المتحدة جاذبةً في سياقٍ لا يخلو من منافسات حادّة. ربما انتهى التاريخ، حسب فوكوياما، ولكن حتى تظل نهايته أبدية وغير مؤقتة، فإن الولايات المتحدة تحتاج إلى أن تسعى، بشكل هلوسي، إلى استدامة تفوقها وتلميع صورتها.

كان الجميع واثقا بأن الديمقراطية يمكن أن تنحرف، غير أن إصلاحها ليس في استنقاصها وازدرائها، بل في تعزيزها

ربما تُحسب للرجل بعض مكاسب ما زالت تثير التباساتٍ على غرار الضربات الموجعة التي تلقتها الجماعات الإرهابية في أكثر من بلد عربي وإسلامي. نفذت الولايات المتحدة عمليات قتالية بالغة الدقة والحساسية في باكستان والعراق وليبيا وسورية، غير أن من الأخطاء القاتلة التي ارتكبها، وتركت أثرا سيئا في مزاج الأميركيين، وغيرت مواقفهم، انقلابه على إصلاحات سلفه المتعلقة بالتغطية الصحية الدنيا للفئات الأكثر تضرّرا في الولايات المتحدة. وربما كانت الاحتجاجات الهادرة العنيفة على أثر مقتل المواطن، الأسود البشرة، جورج فلويد، على أيدي الشرطة، ثأرا من كل الأخطاء التي ارتكبها في حق الفئات المهمشة التي تضرّرت من سياساته الداخلية.
تجاه كل هذه التجاوزات الخطيرة، بما فيها تحريضه أنصاره على الزحف إلى مبنى الكونغرس، لم ينتفض الشارع مناديا بإنهاء هذه الديمقراطية التي ولدت وحشا مثل ترامب، بل كان الجميع واثقا بأن الديمقراطية يمكن أن تنحرف، غير أن إصلاحها ليس في استنقاصها وازدرائها، بل في تعزيزها، وعدم التخلي عنها، وهي في أقصى محن اختباراتها.

لم يشتم الأميركيون الديمقراطية، ولم يدعوا إلى إلغاء الدستور والبحث عن ديمقراطية شعبية مباشرة

لم يتذمّر الأميركيون من الديمقراطية مطلقا، ولم نجد في كبريات صحفهم وقنواتهم التي تتولى صنع الرأي العام دعوة إلى قبر الديمقراطية، بل شدّدت الدعوات، في الأشهر الماضية، على إنقاذ الديمقراطية من شعبوية ترامب. وتحت هذا العنوان، لعب أنصار الحزب الديمقراطي، وجو بايدن تحديدا، فصولهم الأخيرة من معركة شرسة. وتحت هذه تحرّك مجلس الشيوخ من أجل عزل الرئيس الأميركي. كان هذا الأمر على المستوى الرمزي بليغا، على الرغم من أن النتائج لم تكن بحجم ما طمح إليه خصوم ترامب.
في مواجهة هذا النموذج الأرعن من الشعبوية، تحصّن الأميركيون بديمقراطيتهم. لقد وقفنا على هذا القاموس المتداول بكثافة، والذي يدور حول إنقاذ الديمقراطية/ إنقاذا للولايات المتحدة. ثمّة هوية سياسية تلازم الديمقراطية في الولايات المتحدة لا يقبل الأميركيون بمراجعتها. لم يشتموا الديمقراطية، ولم يدعوا إلى إلغاء الدستور والبحث عن ديمقراطية شعبية مباشرة، أما البيان رقم واحد فهو من باب الخيال السياسي اللامفكر فيه أصلا.