أميركا بين رعب كورونا وأخطار أزمتها الانتخابية المتفاعلة

04 ديسمبر 2020
الصورة
توالت التحذيرات من أن التعاطي العشوائي مع كورونا لا بد أن يقود إلى انفجار كارثي(فرانس برس)
+ الخط -

منذ أشهر، والتحذيرات تتوالى من أن التعاطي العشوائي مع فيروس كورونا لا بد أن يقود إلى انفجار كارثي قبل نهاية السنة، وأن الانتخابات تشير مقدماتها – رفض الرئيس دونالد ترامب التسليم المسبق بنتائجها إذا جاءت لغير صالحه – إلى أنها سائرة نحو أزمة تهدد بتخريب نوعي سياسي ومؤسساتي وربما أمني، يصعب تصحيحه في المدى القريب.

لكن الخلل في المقاربة والقرار كان أكبر والكوابح أضعف، بما أدى إلى العجز عن تدارك الأمور واحتوائها. وبذلك تحول ما كان يخشى منه إلى واقع عنيد على الأرض، مع غياب المخارج والحلول القريبة، ما فاقم حالة الشلل وشرّع الأبواب أمام المزيد من الخسائر والمخاطر.

"كورونا" صارت أرقامه فلكية وتنذر بالأسوأ، الإصابات الأسبوعية تجاوزت المليون، الوفيات اليومية وصلت إلى 2700 بمعدل شخص كل 35 ثانية وهي في طريقها إلى 3 آلاف وأكثر. دخول مرضى الفيروس إلى المستشفيات تخطى يوم أمس المائة ألف، ما بدأ يرخي بثقله على البنية التحتية الطبية المهددة بطوفان الحالات التي تفوق طاقاتها.

التقديرات أن يصيب الفيروس حوالي مائة مليون أميركي مع أواخر فبراير وأن يحصد ما يزيد على 450 ألف ضحية حتى ذلك الحين، حسب مدير "مركز مراقبة الأوبئة" الطبيب روبرت رادفيلد الذي حذر من أن موجة الوباء الحالية لم تصل بعد إلى ذروتها وأن الأشهر الثلاثة القادمة ستكون "الأصعب صحياً في تاريخ أميركا". أصعب من إنفلونزا 1918 التي أودت بحياة أكثر من 600 ألف أميركي.

المركز الطبي في جامعة ولاية واشنطن، جاء بنفس التوقعات وأكثر، بالرغم من الحديث عن قرب استخدام اللقاح الموعود خلال الشهر الجاري وإن على نطاق محدود، فما زالت الالتباسات تحيط بمواعيد البدء بتوزيعه، فضلاً عن طرح التساؤلات حول مدى فعاليته وسلامة استخدامه في ضوء علامات الاستفهام حول ما إذا كانت هناك ضغوط سياسية وراء "العجلة في إنتاجه"، حتى ولو وافقت عليه الجهة الرسمية المعنية بإجازة استعمال الأدوية بعد التأكد من صلاحيتها والمشهود لها بالتزام المهنية والعلم في أداء مهمتها. ففي ظل أجواء الريبة وشبه انعدام اليقين السائدة، كل شيء مشكوك فيه.

وما يعزز هذا المناخ المسكون بالرعب أن البيت الأبيض شبه غائب عن الموضوع، غارق في معركته للإطاحة بالانتخابات "المسروقة". وحده مع لفيف ضيق من محيطه، مصرّ خلافاً للقناعة العامة، على أنها "عنزة ولو طارت".

أمس سجل ترامب فيديو لمدة 46 دقيقة لشرح مزاعم "التزوير" في الانتخابات، من دون أي إشارة إلى مجزرة كورونا. ترافقت حملته مع إشاعات حول نيته منح العفو لنفسه كما لأفراد في عائلته. احتمال غير مستبعد أثار الكثير من الجدل القانوني حول جواز إصدار عفو رئاسي عن الذات، حيث لا نص عن هذا الامتياز في الدستور؛ كما أنه يتعارض مع فلسفة العفو التي تعني "الصفح والغفران" للآخَر، وفق أهل القانون. خاصة وأن الرئيس غير مدان حتى الآن في قضية تبرر مثل هذه الخطوة، إلا إذا كان يتوسل هذه الصلاحية الدستورية لضمان الحصانة ضد قضايا قد تثار بعد الرئاسة.

سجل ترامب فيديو لمدة 46 دقيقة لشرح مزاعم "التزوير" في الانتخابات، من دون أي إشارة إلى مجزرة كورونا

 

وفي ذلك خطر تجريم الذات الذي قد يقطع عليه احتمال الترشيح للرئاسة في انتخابات 2024، حيث نسب إليه قوله لبعض الجمهوريين: "نراكم بعد 4 سنوات". وازدادت الحيرة بعد تصعيد عدد من محاربيه لخطابهم وبلهجة سكبت الزيت على نار المخاوف.

 الجنرال مايكل فلين مستشاره السابق والذي منحه قبل أيام العفو العام لحمايته من السجن، ناشد الرئيس إعلان حالة الطوارئ وتعليق الدستور لإجراء انتخابات قريبة. دعوة مذهلة لا سابقة لها في تاريخ أميركا.

كما دعا أحد محامي ترامب وهو لين وود، الناخبين الجمهوريين في ولاية جورجيا إلى العزوف عن التصويت في انتخاب عضوي الولاية بمجلس الشيوخ في الخامس من يناير القادم، وتطويق منزل حاكم الولاية "ووضع القيود في معصميه" بزعم أنه تواطأ ضمناً في الانتخابات ضد الرئيس وهو جمهوري وانتخب ترامب كما قال!

 محامٍ آخر من فريقه جو دي جينيفا، دعا أخيراً وبدون مواربة إلى الاقتصاص "بالقتل"! من مسؤول رصد وإحباط التدخلات الإلكترونية الأجنبية في الانتخابات كريستوفر كريبس، والذي أقاله الرئيس قبل أسبوع، لأنه صرّح بأن الانتخابات جرت من دون أي تدخلات أو تلاعب فيها.

 المجاهرة بهذه اللغة الفجة دقت ناقوس الخطر لدى البعض، فيما وضعها آخرون في خانة الرد الانفعالي العابر على حقيقة باتت بمثابة أمر واقع لا جدال فيه ويزداد الاعتراف به حتى في صفوف جمهوريين كانوا من أقرب المقربين من الرئيس، مثل وزير العدل وليام بار الذي نفى في تصريح مفاجئ، أن تكون الانتخابات قد شهدت من التزوير ما يؤدي إلى تغيير النتائج. كلامه حسم الجدل من داخل البيت حتى ولو أنه جرى تدوير زواياه لاحقاً، بأن بايدن هو الرئيس المنتخب وأن الزعم بخلافه غير صحيح. والاعتقاد أنه لم يكن ليتبرع بهذا الاعتراف الذي قد يكلفه إقالته حسب تلميح الناطقة الرسمية في البيت الأبيض كايلي ماكيناني، لولا موافقة وتحريض قيادات في الحزب الجمهوري، بغرض التحذير من عواقب التمادي في لعبة الإنكار.

 ربما يكون هذا التفسير من باب المبالغة في التفاؤل، إذ لا يجرؤ الجمهوريون عموماً على مغادرة مركب الرئيس على الأقل قبل 20 يناير القادم. لكن إقدام الوزير المحسوب من عظام الرقبة، على مثل هذه الخطوة ليس من غير مدلول في هذه اللحظات الحاسمة من الصراع على انتخابات انتهت من غير أن تنتهي تداعياتها. وفي أي حال، سيكشف خطاب الرئيس غداً السبت في جورجيا، إلا إذا صرف النظر عن زيارته، ما إذا كانت رسالة "طفح الكيل" قد وصلته أم لا.

المساهمون