"طالبان" تخترق كابول: واشنطن تفشل في إدارة الانسحاب

"طالبان" تخترق كابول: واشنطن تفشل في إدارة الانسحاب

05 اغسطس 2021
استهدفت "طالبان" منزل وزير الدفاع مساء الثلاثاء (الأناضول)
+ الخط -

تتخذ المعارك في أفغانستان مساراً تصعيدياً مع قرع حركة طالبان أبواب العاصمة كابول، عبر هجوم استهدف منزل وزير الدفاع بسم الله خان محمدي، مساء أول من أمس الثلاثاء. وشكّل الهجوم رسالة من الحركة مفادها بأن المعارك لن تتوقف، وأنها ستواصل هجماتها حتى فرض شروطها على السلطات. في المقابل، واصلت القوات الحكومية هجماتها المضادة، مستعينة بسلاح الجو، لوقف تقدم "طالبان" إلى داخل مدن رئيسية عدة. وتطرح هذه التطورات تساؤلات كثيرة حول جدوى الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وقدرة القوات الحكومية الأفغانية على الصمود بمفردها أمام "طالبان"، في ظلّ استراتيجية أميركية غير واضحة المعالم، لم تضع في الحسبان حجم ضعف قدرات الجيش الأفغاني أمام الحركة المتمرّسة في حروب العصابات منذ التسعينات من القرن الماضي، ولا كيفية مساعدة هذا الجيش بعد الانسحاب، ما قد يشرّع الأبواب أمام احتمال إعادة الإدارة الأميركية التفكير في خيارات مناقضة للانسحاب، المُفترض أن يتم الانتهاء منه نهاية شهر أغسطس/آب الحالي. ومن الواضح أن "طالبان" لا تكترث بتوقيع أي اتفاق يوقف المعارك، في ظلّ انتشارها على مداخل مدن رئيسية في البلاد، مثل هرات وقندهار ولشكر كاه، والآن في كابول، وهي مدن تنوي الحكومة الدفاع عنها، إلى جانب مناطق أخرى، بشتّى الوسائل، لأن سقوط المدن يعني عملياً العودة إلى العام 2001 عندما كانت "طالبان" لا تزال تحكم أفغانستان.

 

لا يبدو أن بايدن في وارد التراجع عن قرار الانسحاب
 

وحول الهجوم على منزل وزير الدفاع مساء الثلاثاء، الذي سقط فيه ثمانية قتلى وأكثر من 20 جريحاً، تبنّت "طالبان" العملية أمس الأربعاء. وأفاد المتحدث باسم الحركة ذبيح الله مجاهد، بأن الهجوم نفذ بواسطة سيارة مفخخة قبل أن يدخل الانتحاريون إلى منزل وزير الدفاع، وهم مدججون بأسلحة خفيفة وثقيلة. وادّعى أن كبار المسؤولين كانوا مجتمعين في المنزل، بينما أكد مصدر أمني ومصدر من أسرة بسم الله محمدي لـ"العربي الجديد"، أن وزير الدفاع لم يكن موجوداً في منزله وقت الهجوم. وأظهرت العملية نية "طالبان" مواصلة المعركة حتى إسقاط كابول، بل توعّدت باستهداف مزيد من المسؤولين الحكوميين. وكان الرئيس أشرف غني قد عيّن محمدي في منصبه في يونيو/حزيران الماضي، بسبب كونه قائداً جهادياً سابقاً، فضلاً عن كونه من أركان "التحالف الشمالي" الذي اشتبك مع "طالبان" في التسعينات. ويتمتع محمدي بخبرة عسكرية كبيرة، نالها بحكم عمله مع أحمد شاه مسعود، قائد "التحالف الشمالي". ومع تصاعد المعارك بين "طالبان" والقوات الحكومية، عاد الحديث عن جدوى الانسحاب الأميركي من أفغانستان إلى الواجهة، بعد الانتقادات الشديدة التي وجّهها الرئيس الأفغاني إلى واشنطن منذ أيام، وقوله إن الانسحاب أدى إلى التدهور الأمني الحاصل. ويعتبر مراقبون أن تأكيدات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بمواصلة القوات الأميركية توجيه الضربات الجوية لدعم القوات الحكومية في أفغانستان، غير كافٍ، بعد انتقادات داخلية خرجت إلى العلن. فمنذ أيام أفاد مسؤول عسكري أميركي لـ"سي أن أن"، بأن "الوضع ليس على ما يرام في أفغانستان"، في تقييم غير معهود للفوضى المستمرة وفي خروج عن أدبيات المصادر العسكرية الأميركية، التي غالباً ما تتفق مع الإدارة. وكل المؤشرات تفيد بأن "طالبان" تشجعت بعد إعلان الأميركيين الانسحاب، مما أثار مخاوف من احتمال استيلائها على البلاد. ويعتبر متابعون أن مثل هذا السيناريو لن يؤدي فقط إلى انهيار المكاسب بعد 20 عاماً من التدخل العسكري فحسب، بل سيؤدي أيضاً إلى سيطرة الحركة وممارسة التمييز ضد النساء. في المقابل، سيتعرض بايدن لاتهامات شتى بأنه "تخلى عن الأفغان" من أجل غاياته السياسية الخاصة. مع ذلك لا يبدو، حتى الآن، أن بايدن سيتراجع عن قرار الانسحاب، لأن المنطق الذي أوضحه في إبريل/نيسان في قرار المغادرة، تمحور حول ما هو الأفضل للولايات المتحدة وليس الأفغان. وقال: "ذهبنا إلى أفغانستان بسبب هجوم مروّع وقع قبل 20 عاماً (اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة). هذا لا يفسر سبب بقائنا هناك في عام 2021". وتعكس الشهادات الحيّة لسكان من مختلف المناطق الأفغانية، واضطرارهم للنزوح من منازلهم بعد انسحاب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من قواعد عدة، حجم المعاناة. وفي إحدى الشهادات، تقول سيدة متحدرة من إقليم قندهار في حديث لصحيفة "فاينانشال تايمز" إنه "قبل نحو أسبوعين قرع رجل أمن باب المنزل، وطلب منا المغادرة، لأن "طالبان" باتت في محيط المنازل". وتشرح كيفية خروجها متجهة إلى كابول، ورؤية أعلام حركة "طالبان" في مناطق عدة، مشيرة إلى اعتقادها بأن النظام تغيّر وأن الحركة سيطرت، وسألت زوجها: هل سقطت الحكومة من دون أن يقول لنا أحد ذلك؟ هذه السيدة هي واحدة من 300 ألف مواطن أفغاني نزحوا من منازلهم بدءاً من يناير/كانون الثاني الماضي، بعد التأكد من الانسحاب الأميركي من أفغانستان. ومنذ بدء الانسحاب لم تتأخر "طالبان" في ترسيخ نفوذها عبر سيطرتها على معابر برية عدة على الحدود مع إيران وطاجيكستان، موحية بقدرتها على إسقاط الحكومة سريعاً.

تدرك حركة "طالبان" أن مشكلتها الأكبر تبقى في الشمال

 

لكنها في المقابل، تدرك أن مشكلتها الأكبر تبقى في الشمال، حيث بوسع مناوئيها حشد قواهم، سواء للقيام بهجمات مرتدة، أو لتحصين مواقع مضادة لها، مما يعيق قدرتها على التحرك وإحكام السيطرة على البلاد. ولا يبدو أن الأميركيين يكترثون بهذه التحولات، طالما حصلوا على ما أرادوا، على الأقل بموجب اتفاق 29 فبراير/شباط 2020 مع "طالبان"، وهو عدم مهاجمتها الولايات المتحدة ولا أن تتحوّل أفغانستان إلى قاعدة انطلاق لمثل هذا الهجوم. ولعل الانسحاب الأميركي من قاعدة باغرام الجوية مطلع شهر يوليو/تموز الماضي، كان أكبر دليل على حصول الأميركيين على مرادهم. فقد انسحبت القوات الأميركية في حينه ليلاً من دون إعلام الجيش الأفغاني بذلك، واستُبيحت القاعدة لساعات، مع سيطرة اللصوص عليها. ووضع الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس، والذي سبق له أن شغل منصب قائد القوات الدولية في أفغانستان، التطورات الأخيرة، في سياق "انتظار طالبان انسحابنا قبل شنّ هجومها"، معتبراً أنها "حققت أهدافها بمجرد تأكدها من عدم عودة القوات الأميركية إلى أفغانستان".

المساهمون