25 إبريل .. عيدان للتحرير بمعنيين متناقضين

25 إبريل .. عيدان للتحرير بمعنيين متناقضين

25 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

يوافق 25 إبريل/ نيسان في مصر ذكرى تحرير شبه جزيرة سيناء من الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، بينما يوافق اليوم نفسه في إيطاليا ذكرى تحريرها من الحكم الفاشي عام 1945، تحت قبضة الديكتاتور بنيتو موسيليني. التطابق في تاريخ العيدين واسمهما لا يكاد يعني شيئاً. نعم، تحرّرت سيناء من احتلال أجنبي، لكن عبودية المصريين السياسية للحكم التسلطي المتواصل منذ الانقلاب العسكري الأول في يوليو/ تموز 1952 لم تنحسر، بل صار الحكم فاشياً بامتياز بعد الانقلاب العسكري الثاني الذي قاده الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في يوليو/ تموز 2013 ضد أول رئيس منتخب غير عسكري في مصر منذ الانقلاب الأول. بل دعا السيسي سلاح الجو الإسرائيلي ليقصف في سيناء من جديد تحت لافتة مكافحة الإرهاب، على الرغم من أن مصر ثالث أكبر دولة مستوردة للسلاح في العالم، وتملك جيشاً تعداده نحو نصف مليون جندي، يواجه بضعة مئات من الإرهابيين منذ ثماني سنوات.

بعد الانقلاب الأول بأعوام قليلة، انسحب ما بقي من قوات الاحتلال البريطاني، وحصلت مصر على استقلالها. لكن مصر لم تصبح حرّة في قرارها وسيدة نفسها، فقد احتكر القرار مجموعة من الضباط أسموا أنفسهم "الأحرار". اكتشف المصريون لاحقاً أن "حرية" هؤلاء لا تشمل حرية باقي المصريين، ولا امتلاكهم زمام تقرير مصير بلادهم بأنفسهم واستبداله. من أجل مصادرة حريات المصريين، وحقهم في تقرير مصيرهم شعباً ومواطنين أفراداً، خاض الضباط "الأحرار" حرباً بربرية ذات طابع استئصالي ضد كل ما هو حر ومستقل في مصر. هدفها لم يكن مجرد إبعاد السياسيين المنافسين، بل تركيع المجتمع. لذا، استهدفت هذه الحرب كل كيان مصري مستقل، واستبداله بمسخ شائه، فشملت البرلمان والنقابات العمالية والمهنية، وأول اتحاد نسائي مستقل والجمعيات الأهلية، واستقلالية القضاء والصحافة والجامعة، والمفكرين المستقلين، والقطاع الاقتصادي الخاص، والأحزاب السياسية كلها، وصولاً إلى جماعة الإخوان المسلمين. لم تدرك أغلبية المصريين مدى هول هذه الحرب وتأثيرها المدمر في المجتمع والدولة ومؤسساتها، بل وجيشها ذاته، إلا بعد أكبر هزيمة عسكرية في تاريخ مصر الحديث، التي لحقت بهذا الجيش في يونيو/ حزيران 1967.

من جرؤ على منافسة السيسي في الانتخابات الرئاسية جرى تهديده، أو التحفظ عليه في منزله، أو سجنه باتهامات ملفقة

ثورة يناير 2011 هي في جوهرها أول تمرّد شعبي على الانقلاب العسكري الأول. لم يكن حسني مبارك في واقع الأمر إلا آخر وريث للنظام الوراثي العسكري الذي استبدل به الضباط "الأحرار" التسلسل الوراثي الملكي المنحصر بأسرة محمد علي. لم تقبل المؤسسة العسكرية في مصر استبدال الوراثة العسكرية بوراثة مدنية، حتى لو كانت من نسل قائد الضربة الجوية الأولى في حرب أكتوبر 1973 ضد الاحتلال الإسرائيلي لسيناء. لذا، كان موقفها إزاء انتفاضة يناير 2011 فرصة لتثبيت التسلسل الوراثي العسكري، عبر ركوب الانتفاضة والتلاعب بأطرافها نحو عامين.

يحكم السيسي مصر كما حكم الديكتاتور بنيتو موسيليني إيطاليا. من جرؤ على منافسة السيسي في الانتخابات الرئاسية جرى تهديده، أو التحفظ عليه في منزله، أو سجنه باتهامات ملفقة. السيسي يمارس الحكم كإله لا يقبل أن يراجعه أحد في قراراته في السياسة، كما الاقتصاد وباقي مجالات الحكم. مجلس الوزراء أقل سلطة من سكرتارية إدارية. البرلمان تشكله الأجهزة الأمنية، لكي يبصم على القوانين التي يجري إعدادها في سكرتارية رئاسة الجمهورية. القضاء جرى تطهيره من أبرز القضاة المستقلين، وجرى تعديل الدستور لكي يمنح السيسي سلطة تعيين رؤساء المحاكم. وسائل الإعلام التلفزيونية والمقروءة اشترتها شركاتٌ تتبع المخابرات العامة التي تسيطر أيضاً على إنتاج الدراما التلفزيونية اليومية، ومن خلالها تعيد كتابة تاريخ مصر بعيون فاشية. لكي يضمن السيسي ولاء الجيش، أغرقه في أنشطة اقتصادية طفيلية على حساب القطاعين، الخاص والعام، وازدهار مصر والمصريين. ولكي يضمن سكوت كبريات دول الغرب، يشتري منها صفقات سلاح باهظة الثمن، لا يحتاجها جيش مصر. تُرى، لو بعث موسيليني للحياة، هل يتمنّى أكثر من ذلك لإعادة تمكين الفاشية في إيطاليا؟

نمط من الحكم الديكتاتوري الفردي حوّل مؤسسات الدولة في مصر إلى أشباح

بفضل هذا النمط من الحكم الديكتاتوري الفردي الذي حوّل مؤسسات الدولة في مصر إلى أشباح، بما في ذلك النظام القضائي، أمكن أن يجري إخفاء الطالب الإيطالي، جوليو ريجيني، وتعذيبه وقتله، كما آلاف المصريين الآخرين، ثم إفلات الجناة من المحاسبة والعقاب، بل تجريم الحقوقيين الذين يطالبون بمحاسبة الجناة.

بعد أربعة أيام، في 29 إبريل/ نيسان تبدأ في روما محاكمة المتهمين بإخفاء ريجيني وتعذيبه وقتله. وتكتسب هذه المحاكمة أهمية لدى المصريين، لا تقلّ عن أهميتها للإيطاليين. ذلك لأنها ستكون خطوة هامة على طريق الكشف عمّا حدث ويحدث للمصريين كل يوم في قبضة "محرّريهم".

عندما طلبت مني مؤسسة مدنية في إيطاليا أن ألقي كلمة بمناسبة تحرير إيطاليا من الحكم الفاشي، لم أجد أفضل من المعاني السابقة لتقريب الصورة في مصر إلى أذهان الإيطاليين المصدومين في بلد يعتبرونه مهد الحضارة، لكنهم يسمعون كل يوم عنه من الأنباء ما يعيد إلى ذاكرتهم ديكتاتورهم الدموي.