في نقد نخب الربيع العربي .. مطلوب ثورة ثقافية

25 يناير 2021
الصورة

(غيلان الصفدي)

+ الخط -

"عندما يؤرّخ التاريخ لثورة 25 يناير، فإنه سيذكرها بوصفها الثورة التي اهتمت بتنظيف ميدان التحرير، وأهملت كنس النظام القديم، وفي كلتا الحالتين، كانت محل تقدير المجلس العسكري". (من مقال للكاتب بعد ثمانية شهور من تنحّي حسني مبارك)
بعد عشر سنوات من انتفاض عشرات الملايين في ست دول عربية، من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، في ما عرف بالربيع العربي، تواجه الشعوب وضعا أكثر بؤسا مما كانت عليه، ففي البحرين تعزّزت القبضة القمعية للأقلية الحاكمة من الطائفة السنية. وخضعت مصر لأكثر نظم الحكم العسكرية وحشية ونهبا لاقتصادها في تاريخها الحديث. وصار اليمن وليبيا نهبا لصراعاتٍ مسلحةٍ داخلية، وحروب بالوكالة لحساب أطراف إقليمية ودولية. بينما صارت سورية ساحة لحرب أهلية متعدّدة الأطراف، ولقمة سائغة لاحتلالات أجنبية. في تونس، التي تعتبر النموذج الوحيد لانتصار الربيع والديمقراطية، خرجت في الذكرى العاشرة مظاهرات احتجاج في ست مدن على تدهور الحالة الاقتصادية، وبؤس أداء النخبة السياسية الحاكمة المنتخبة ديمقراطيا، وأعلن أحد أبرز رموز المعارضة اعتذاره لزين العابدين بن علي الذي سجنه، عندما كان يحكم تونس بقبضة حديدية، بينما اتهم عياض بن عاشور (أحد أهم المسؤولين عن عملية الانتقال بعد الثورة) رئيس الجمهورية الحالي، قيس سعيد، بأن مواقفه مثيرة للانقسام وتتعارض مع مبادئ الثورة. 
وصول المنطقة إلى هذا الوضع المأساوي بينما كانت تحاول أن تزيح أنماطا متنوعة من حكم القرون الوسطى، ومن فساد النخب الحاكمة، لم يكن متوقعا. أيضا لم يكن ممكنا لولا الشراسة اللامحدودة لهذه النخب الحاكمة، وتبلور تحالف إقليمي، بقيادة السعودية والإمارات، ينظر إلى الربيع العربي باعتباره خطرا يتهددها، ومن ثم عليها أن تحاربه، على الرغم من أن موجاته توقفت عند البحرين. لعب هذا التحالف دورا حيويا في مساندة الثورة المضادّة في المنطقة، من خلال توظيف فائض عائدات النفط لدعمها، وقام بتدخل عسكري مباشر في البحرين واليمن وليبيا، وضغط من أجل إقناع الاتحاد الأوروبي وأميركا بالتسامح إزاء أعمال القمع الوحشي لأعمال الاحتجاج والتدخل المسلح، والاكتفاء ببيانات إدانة روتينية.

أفلتت تونس إلى حين، بفضل توافقها النسبي منذ الأسابيع الأولى على خريطة طريق وعلى القيم الأساسية. ساعد على ذلك أن جيشها ليس له طموح سياسي واقتصادي

من ناحية أخرى، لم يشكل أداء النخب السياسية المعارضة التي اعتلت موجات الربيع العربي عائقا أمام إعصار الثورة المضادّة، بل لم يكن بمستوى المهمة التاريخية للربيع، ولا للأسف بمستوى التضحيات الهائلة التي قدّمتها الشعوب العربية التي ظنت أن ساعة الخلاص قد حانت، وأن الحواجز التي تحول دون أن تحتل مكانها المناسب تحت شمس التقدّم، بجانب شعوب حرّة في العالم، قد بدأت في التداعي تحت أقدامها. للأسف، ربما كان أداء النخب المعارضة عاملا مساعدا للثورة المضادّة. 
يقول المفكر السوري، برهان غليون، أول رئيس منتخب للمجلس الوطني السوري (المعارض) عام 2011، في كتابه: "عطب الذات .." (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2018)، إن هذه النخب فشلت تماما في العمل الجماعي المنظم. وإنها بعد أن ارتقت، في الأيام الأولى لانتفاضات الربيع العربي، إلى مستوى من السمو الأخلاقي المذهل، ارتدّت إلى عصر التوحش والبدائية في نهاياتها. وفي تقييم له قبل أيام، يقول محمد البرادعي، أبرز الرموز العلمانية للربيع العربي في مصر؛ إن هذه النخب فشلت في التوافق على رؤيا وخريطة طريق والقيم الأساسية للدولة. لا ينحصر التقييمان بسورية ومصر، بل ينطبقان أيضا، وإن بدرجاتٍ متفاوتة على اليمن وليبيا. أفلتت تونس إلى حين، بفضل توافقها النسبي منذ الأسابيع الأولى على خريطة طريق وعلى القيم الأساسية. ساعد على ذلك أن جيشها ليس له طموح سياسي واقتصادي مثل الجيش المصري، وأن حركة النهضة (الإسلامية) تتميز بانفتاحها السياسي وبراغماتيتها، مقارنة بجماعات الإسلام السياسي في مصر وسورية. مع ذلك، تظل تونس مثالا إضافيا على الفشل في العمل الجماعي، ليس فقط بين الإسلاميين والعلمانيين، بل أيضا داخل كل تيار على حدة.
كان رائعا وتطوّرا ملفتا، في سياق سيرورة الربيع العربي، اهتمام قوى موجته الثانية بالتعلم الجماعي واستخلاص الدروس خلال مراقبتها تفاعلات الموجة الأولى وردود الفعل عليها. أحد أهم الدروس الحصيفة التي استخلصتها الموجة الثانية هو الأهمية الحاسمة للحفاظ بكل الوسائل علي سلمية التمرّد الشعبي، مهما كانت قسوة أعمال القمع من الحكومات وأعوانها من الجماعات غير النظامية. أيضا أهمية تجنب الوقوع في خلافاتٍ علنية بين أطرافها. ولكن يبدو أن صعوبة التوافق على القيم الأساسية بين قوى الموجة الثانية للربيع العربي لم يساعد على تطوير الحرص على تجنب الخلاف العلني إلى درجة تسمح بتشكيل قيادة سياسية ائتلافية، ووضع خريطة طريق بديلة في العراق والجزائر ولبنان. على الرغم من هشاشة العملية الانتقالية فيه، يشكل السودان استثناء في الموجة الثانية، وذلك بفضل تراثه العريق في الكفاح من أجل الديمقراطية ضد الحكم العسكري منذ عام 1964، والذي يستند إلى تقاليد راسخة في الكفاح المشترك بين المجتمع المدني والأحزاب السياسية، ولثقافات عرقيةٍ منفتحةٍ وحد أدنى من التوافق القيمي، لكن الإسلاميين السودانيين ليسوا طرفا في هذا التوافق السياسي والقيمي.

في حين أن مراكز التفكير في العالم تتهيأ "للقرن الصيني"، ولعالم تسوده الصين، فإن قطاعا من الإسلاميين ما زال مهموما بإعادة إحياء عالم يعود إلى أكثر من ألف عام

ما جعل مهمة الربيع العربي أكثر صعوبة أن مشكلة بعض نخب المعارضة، الإسلامية والعلمانية، لا تنحصر فقط بما تختلف عليه، بل تمتد أيضا إلى بعض ما تتوافق عليه. قطاع من هذه النخب، وخصوصا الأكبر سنا منها، لا يعيش عالمه، بل عوالم متخيلة. ففي حين أن مراكز التفكير في العالم تتهيأ "للقرن الصيني"، ولعالم تسوده الصين سياسيا واقتصاديا، فإن قطاعا من الإسلاميين ما زال مهموما بإعادة إحياء عالم يعود إلى أكثر من ألف عام مضى. من ناحية أخرى، لم تغادر بعد، روافد متعدّدة من النخب العلمانية مرحلة التحرّر الوطني والحرب الباردة في خمسينيات القرن الماضي وستينياته وشعاراتها، حين كانت جيوش الاحتلال البريطاني والفرنسي تتقاسم بلدان المنطقة، بينما تتأهب الإمبريالية الأميركية الصاعدة لوراثة دوره. رحل الاحتلال القديم، بينما تتقاسم الآن بعض بلدان المنطقة جيوش احتلال روسية وإيرانية وتركية وإماراتية، وفرق مرتزقة سودانية وتشادية وسورية وروسية، ومليشيات طائفية شيعية تتحرّك بأوامر إيران، إلى جانب استمرار الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين والجولان وبقايا قوات الغزو الأميركي للعراق. 
بالتوازي، كوّنت القوى الحاكمة نمطا من "الاستعمار الداخلي" في دول عربية، على النحو الذي سلط عليه الأضواء برهان غليون وآخرون قبل الربيع العربي وبعده. يصف غليون حال الشعب السوري تحت حكم حزب البعث بأنه "حرم من أي شكل من أشكال التنظيم الذاتي، في القرى والمدن والأحياء، واستعمرت مؤسساته المدنية والسياسية والاقتصادية، واحتلت من الداخل". لا يختلف هذا الواقع كثيرا عن عراق صدام حسين، ومصر عبد الفتاح السيسي، وسودان عمر البشير، وإيران الإسلامية. ربما قد يكون من المفيد التعلّم من الأفارقة الذين رفعوا شعار "الاستقلال الثاني"، ليس فقط تمييزا لمرحلة الكفاح من أجل الديمقراطية عن الكفاح من أجل التحرّر من المستعمر الأجنبي، بل أيضا باعتباره كفاحا في مواجهة من أنجزوا "الاستقلال الأول"، وانحرفوا به في مواجهة شعوبهم، وورثوا دور المستعمر الأجنبي. من المفارقات اللافتة في سياق بعض انتفاضات الربيع العربي، رفع في المظاهرات صور رموز واصلت جلد شعوبها بسياط "وطنية" أو "دينية"، بعد أن حرّرتها من سياط المستعمر. قد يكون مثيرا للأسى لدى الذين ما زالوا من النخب العربية يؤمنون بأن المسألة الفلسطينية هي أم قضايا التحرّر، تأمل كيف تحول قادة في منظمة التحرير الفسطينية في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته إلى أمراء بانتوستانات تؤمن الاحتلال الإسرائيلي، وتقمع النشاط السلمي الناقم على فساد المؤسسات الفلسطينية وتسلّطها، والرافض تحوّل الضفة الغربية وغزّة إلى بانتوستانات في نظام للفصل العنصري. لكم اختلف العالم العربي خلال نصف قرن!

لا بد من بناء اقتصاد ديناميكي قادر على تعزيز الموارد وإيجاد الثروة للمجتمع ككل، وبالتالي إيجاد فرص عمل جديدة بشكل دائم

عدم إدراك بعض النخب الإسلامية والعلمانية بدرجة كافية حجم التغيرات الهائلة التي لحقت بالعالم والمنطقة يحاصرها بعوالم متخيلة، تزكّي لها حلولا أيديولوجية ربما كانت تصلح للزمان الذي تبلورت خلاله هذه العوالم، لكنها لا تصلح لزمانها، ولا للتعامل مع التحدّيات المعاصرة. بل هي، في المقابل، تمنح أحجاما غير واقعية لمشكلات بعينها على حساب تحدّيات رئيسية، خصوصا الاقتصادي منها، فجوهر انتفاضات الربيع العربي هو السعي إلى انتزاع الكرامة المستلبة في الدولة والمجتمع والأسرة. أي التمتع بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية والمساواة السياسية والحرية الفردية، بصرف النظر عن اعتبارات العرق والجنس والأصل الاجتماعي. إحقاق ذلك يتطلب أولا ترتيبات سياسية ودستورية وتشريعية وقضائية. وثانيا بناء اقتصاد ديناميكي قادر على تعزيز الموارد وإيجاد الثروة للمجتمع ككل، وبالتالي إيجاد فرص عمل جديدة بشكل دائم، وتطوير نظام تعليمي وصحي كفؤ. هذه مهمة لا تكفي للوفاء بها شعارات طيبة مهما كان سحرها "عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية"، بل تحتاج خططا مدروسة، ترتكز لمعلومات حقيقية من أجل ترجمة هذه الشعارت لواقع على الأرض. الشق الأول كان دائما محل تركيز النخب المتمرّدة، وللأسف نادرا ما التفتت إلى الشق الثاني، إلا من خلال شعارات ووعود بالعدالة الاجتماعية، من دون أن تبين كيف سيمكنها ذلك؟ تونس مثال تطبيقي واضح، حيث وصلت نخب المعارضة إلى الحكم منذ عشر سنوات، ولكن بجعبةٍ خاليةٍ إلا من الشعارات. 
الميل الجارف لدى بعض النخب العلمانية والإسلامية إلى اعتناق نمط "رأسمالية الدولة"، من دون تمحيص، هو عائق آخر. رأسمالية الدولة تعني ببساطة مركزة الثروة في أيدي بيرقراطيتها، وليس ملكية الشعب المخدوع. كل تركيز للثروة في أيدي بيرقراطية الدولة أو جيشها أو احتكارات رأسمالية خاصة يُحدث، بشكل أوتوماتيكي، مقاومة شرسة لكل مشروع سياسي، يطمح لنمط لامركزي، ولتمكين الناس والمجتمع، من خلال تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي. أخشى أن تبنّي بعض النخب هذا النمط هو بمثابة الخطوة الأولى على طريق تأبيد النظام القديم السياسي المتسلط والاقتصادي الفاشل والفاسد.

عشية انطلاق الربيع العربي، كانت أغلبية المؤشّرات الدولية لقياس النمو الاقتصادي والتفاعلات السياسية معقولة

لقد فاقمت أزمة كوفيد – 19 من أزمة العالم العربي، ليس فقط على الصعيد الصحي، بل تتوقع الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية أن تؤدّي الأزمة الصحية وانهيار أسعار النفط إلى مفاقمة الأزمة الاقتصادية والسياسية في المنطقة العربية، في الدول المصدرة والمستوردة للنفط على السواء. يرتكز هذا التوقع على تقييم تلك المؤسسات الدولية السلبي أنماط النمو الاقتصادي السائدة في المنطقة، والتفاعل المرجّح بين الآثار الاقتصادية وأزمة انعدام الثقة المزمن بين الشعوب وأغلبية الحكام في المنطقة. ولذا يحذر تقرير للأمم المتحدة من حدوث اضطراباتٍ سياسيةٍ، يتفاوت حجمها وتأثيرها من دولة إلى أخرى. جدير بالملاحظة، في هذا السياق، أنه حتى، عشية انطلاق الربيع العربي، كانت أغلبية المؤشّرات الدولية لقياس النمو الاقتصادي والتفاعلات السياسية معقولة. المؤشّر الوحيد الذي كان يبث إشارة سلبية محذّرة هو ذلك المتعلق بمستوى رضى الشعوب عن نمط حياتها في العالم العربي. بعد انطلاق الربيع العربي، عاد هذا المؤشّر إلى الارتفاع، لكنه منذ عام 2015 في حالة تراجع مستمر، على الرغم من أن القياس لا يشمل الدول الثلاث التي تشهد صراعات مسلحة وحروب أهلية (سورية واليمن وليبيا)، وعلى الرغم من أن المؤشر يرتفع في باقي مناطق العالم. قد تظن بعض عناصر نخب الربيع العربي أن ذلك "بشرة خير" لانتفاضات جديدة، لكني لا أظن أن ذلك يحمل خيرا في السياق المأزوم الحالي على صعيد الحكم ونخب المعارضة في العالم العربي. 
لقد قامت نخب الربيع العربي بدور تاريخي تقدّمي مهم، ولكن آن الأوان لإعادة تقييم شاملة، وتطوير ثقافة سياسية جديدة، وطرق مختلفة في العمل، واقترابٍ ملموسٍ ومعمقٍ من الواقع وليس عوالم متخيلة، ودراسة هذا الواقع علميا، وتحويل الشعارات الجميلة بناء على ذلك إلى خطط عمل قصيرة وبعيدة المدى.