وماذا بعد ما بعد التطبيع؟

22 سبتمبر 2020
الصورة

ما زالت منطقتنا تعيش أجواء حرب عالمية - إقليمية، تختلف عن الحربين العالميتين من جهة طبيعة المعارك، والقوى المشاركة، واتساع نطاق الميادين القتالية. ولكن نتائجها في مجال إعادة صياغة معادلات المنطقة وتوازناتها لن تقلّ ثقلاً ودوراً عن التي تمخضت عن نتائج تينك الحربين، فالقوى الدولية الأساسية منخرطة بهذه الصورة أو تلك في العمليات القتالية التي كانت في دول عديدة في المنطقة، ولم تنته بعد بصورة نهائية. كما أنها تمارس التأثير على الدول الأخرى التي تعيش حالة قلقٍ وترقب، بفعل الخشية والتحسّب لما هو آتٍ من انعكاساتٍ على أوضاعها الداخلية، وأدوارها الإقليمية المستقبلية؛ هذا بالإضافة إلى المخاطر الوجودية التي تهدّدها من القوى الإقليمية المنافسة، فالولايات المتحدة الأميركية وروسيا كانتا في المشهد، منذ البداية؛ ولكنهما أسهمتا في توجيه المعارك، والتحكّم بنتائجها عبر الوكلاء المحليين، ومن خلال تقديم الدعم المدروس الذي كانت وظيفته التمكين من التوجيه والسيطرة، وإعطاء انطباع زائف بإمكانية الحسم السريع لصالح هذه الجهة أو تلك. هذا في حين أن التوجه الأساس كان يتمثل في إدارة الأزمة وتعميقها، وتوسيع نطاقها، ولكن من دون أن يتمكّن أي طرفٍ من إحداث اختراقاتٍ تتجاوز إطار المتفق عليه في خطوطه العامة.
إلى جانب القوتين العظميين، كانت بريطانيا وفرنسا أيضاً حاضرتيْن في الساحة من خلال الدور الأميركي. كما كانت الصين موجودة، وهي التي حرصت مرّات على التشارك مع الروس في استخدام حق النقض (الفيتو) المزدوج، لتعطيل أي قرار في مجلس الأمن، يدين نظام بشار، أو يخفف الضغط على السوريين الثائرين على استبداده وفساده.
أما القوى الإقليمية التي تفاعلت مع الجهود الدولية سلباً أو إيجاباً، وأسهمت، بناء على أولوياتها، وضمن حدود المسموح به دولياً، وعبر تحالفاتها متعدّدة الأطراف، في خلخلة المنطقة، وإنهاكها، فهي، بصورة أساسية، كانت إيران وتركيا وإسرائيل، هذا في مقابل تراجع الدور العربي نتيجة الخلافات البينية، وانشغال غالبية الدول العربية بأوضاعها الداخلية، وبالصراعات الدائرة في محيطها القريب. ويُشار هنا، بصورة أساسية، إلى كل من مصر والسعودية.
وفي واحدةٍ من مراحل احتدام الصراعات على الأرض السورية، كان في إمكان تفاهم سعودي - تركي أن يقطع الطريق على الامتداد الإيراني في دول المنطقة، ويحدّ من تأثيراته المدمّرة، سواء في سورية أو في لبنان واليمن، وحتى في العراق. ولكن يبدو أن عوامل عدة أسهمت في عرقلة ذلك التفاهم. بل على النقيض من ذلك، تحوّلت إمكانية التفاهم إلى خصومة ضمنية، ومنافسةٍ على الأدوار في عدد من الساحات، عبر التحالفات التي دخل فيها كل طرفٍ بمعزل عن الآخر، وبناءً على الأولويات الخاصة به.
وقد فتح ذلك المجال أمام النظام الإيراني ليمارس مزيدا من التخريب في دول المنطقة، على المستويين، المجتمعي والمادي. واستفاد النظام المعني وحليفه في سورية من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي استغل المظلومية السنية، ليضرب ويشتت القوى المناهضة للتغلغل الإيراني في العراق، والقوى السورية الثائرة على النظام. وبعد انتهاء الدور الوظيفي الذي أُنيط بهذا التنظيم الإرهابي، تركزت الأضواء على الدور الإيراني نفسه الذي كان، هو الآخر، لزعزعة استقرار المنطقة، واستنزاف طاقاتها، ودفْع دولها نحو تحالفاتٍ واصطفافاتٍ جديدة، استعداداً لاستحقاقات إقليمية - دولية مستقبلية، فإيران وأذرعها العسكرية من المليشيات المذهبية اللبنانية والعراقية والأفغانية والباكستانية، كانت وما زالت موجودة في سورية والعراق واليمن، أما مليشيات حزب الله في لبنان فهي تتحكّم بمصير الدولة الذي بات على كفّ عفريت كما يُقال، خصوصا بعد زوال بريق مبادرة الرئيس الفرنسي ماكرون المستعجلة وفعاليتها.

استخدام مصطلح التطبيع لتوصيف الاتفاقيات التي كانت، والاتفاقات التي ربما ستكون على الأغلب بين دول عربية أخرى وإسرائيل، ليس دقيقاً، فهي اتفاقيات ما بعد التطبيع

ولكن الدور الإيراني كان من المسكوت عنه أميركياً وإسرائيلياً، مقابل تفاهم روسي أميركي إسرائيلي عام حول ترتيب الأوضاع في سورية، وبشكلٍ يراعي مصالح الأطراف الثلاثة وحساباتها. كما تم التوافق، ضمن هذا الإطار العام، على التنسيق بين الجهود الخاصة بكل طرفٍ في الميدانين، العسكري والسياسي، وذلك بما يضمن المصالح الخاصة بكل طرف، ولكن من دون أي تهديدٍ للاتفاق العام.
وهذا ما يفسّر الصمت الروسي في مواجهات الضربات الإسرائيلية الروتينية لقواعد القوات الإيرانية وحزب الله في سورية، وهي القوات التي تعد نظرياً متحالفةً مع الروس. كما أن الجهود الروسية السياسية عبر مسار أستانة - سوتشي، وتنسيقها مع كل من تركيا وإيران، وتواصلها مع قوى وشخصيات سورية عديدة، تدخل هي الأخرى داخل إطار المسموح به ضمن التوافق العام المشار إليه. والأمر ذاته ينطبق على الدور الأميركي في منطقة شرقي الفرات. وبالتوازي مع تزايد درجة التفاهم والتنسيق بين الإيراني والتركي، عبر عراب سوتشي الروسي، هذا التفاهم الذي يقوم أصلاً على حجم هائل من المصالح الاقتصادية المتبادلة بين الطرفين، تفاقمت حدة الضغط الإيراني على منطقة الخليج، وعلى السعودية تحديداً، عبر البوابة اليمنية.
وفي غياب عوامل القوة الذاتية لدى كل دولة عربية بمفردها، وفي أجواء انعدام الأمل بإمكانية الوصول إلى تفاهم عربي شامل، تفاهم ربما كان من شأنه إعادة التوازن إلى المعادلات المختلة في المنطقة، وجدت دول عربية في الاستعانة بالقوة الإسرائيلية منقذاً لها، يحميها من نتائج الجهود التنسيقية الإيرانية - التركية التي تعمل من مواقع مختلفة، وبناء على تصوّرات وأهداف متباينة لملء الفراغات الحاصلة نتيجة الأزمة البنيوية العميقة التي تعاني منها معظم الدول العربية؛ وهي الدول التي يبدو أنها قد ضاعت بين عجزها عن إنجاز المشاريع القومية الكبرى، وأخفقت في مشاريعها القُطرية تحت وطأة الخلافات والمنافسات المستمرة بين أجنحة ومراكز القوى في منظومة الحكم.

المشكلة الأساسية تبقى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولن تحل من دون إزالة جدران الفصل العنصري على الأرض، وجدران الحقد والتوجس وروحية الانتقام في النفوس

لقد قيل الكثير، وسيقال الكثير، عن اتفاق أبراهام/ إبراهيم، والاتفاقيات الفرعية، بين كل من الإمارات والبحرين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وقيل عنه إنه تطبيع جديد. وهناك من دان مباشرة مقابل من أيد مباشرة. وبين الفريقين، قُدّمت آراء توفيقية من بعضهم، ممن حاولوا الجمع بين الموقفين. ولكن لعله من المناسب الإشارة هنا إلى أن استخدام مصطلح التطبيع لتوصيف الاتفاقيات التي كانت، والاتفاقيات التي ربما ستكون على الأغلب بين دول عربية أخرى وإسرائيل، ليس دقيقاً، فهي اتفاقيات ما بعد التطبيع، أتت بعد اتفاقيات التطبيع التي بدأت بها مصر عام 1978/ 1979 في عهد أنور السادات، وتوالت عبر منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات عام 1993، ومن ثم الأردن في عهد الملك حسين عام 1994. وكان حافظ الأسد في طريقه إلى التطبيع، لولا تداخل عوامل عدة، منها الانحدار الحاد في وضعه الصحي، وإصراره على التوريث، واستفادته القصوى من شعارات محور "المقاومة والممانعة".
الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها في واشنطن، في 15 سبتمبر/ أيلول الحالي، بإشراف الرئيس الأميركي، ترامب، هي اتفاقيات تعاون شمولي، تعلن عن بداية مرحلة جديدة في المنطقة، ومن المتوقع أن تتسع هذه الدائرة، فلمعظم الدول العربية علاقات بهذه الصورة أو تلك مع إسرائيل، ولكنها غير معلنة، بعيدة عن معرفة الناس، وستظهر إلى العلن، حالما يشعر حكام تلك الدول أنهم قد باتوا في مأمنٍ من ناسهم في حال الإعلان، وذلك بعد اقتناعهم بأنه لم يعد من المجدي الاستمرار في التشدّد، والمقاطعة مع إسرائيل في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، وبعد عقود من الحروب والاستنزاف. لذلك حان الوقت لمقاربة الموضوع بطريقة أخرى، بعد التحرّر من الأوهام والعواطف، واعتماد الواقعية السياسية المبنية على المصالح والأولويات الخاصة بكل دولة، وذلك وفق أصحاب ومنظري ما بعد التطبيع.

كان حافظ الأسد في طريقه إلى التطبيع، لولا الانحدار الحاد في وضعه الصحي، وإصراره على التوريث، واستفادته القصوى من شعارات محور "المقاومة والممانعة"

ولكن مهما يكن، المشكلة الأساسية تبقى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولن تحل من دون إزالة جدران الفصل العنصري على الأرض، وجدران الحقد والتوجس وروحية الانتقام في النفوس. وذلك لن يكون ما لم تؤخذ الحقوق الفلسطينية التي أقرّتها القرارات الدولية بعين الاعتبار. إلا أن أولويات الحل تستوجب معالجة الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية، فمهما كانت المبرّرات، لا يمكن لطرفٍ فلسطيني أن يسوّغ تحالفه مع طرف إقليمي، عمل، وما زال يعمل، على خلخلة مجتمعات المنطقة، وتهديد الأمن والاستقرار فيها، وأن ينسق الجهود مع حزب الله الذي شارك نظام بشار في قتل السوريين، وهو يهدّد اليوم وجود الدولة اللبنانية.
المراجعات الصريحة، المؤلمة في بعض الأحيان، مطلوبة، وإلا فإن التداعيات ستستمر، ولن يحل السلام في المنطقة، كما يسوق ويروج أهل ما بعد التطبيع في وقتنا الحالي. والمنطق السليم يلزمنا بطرح السؤال: كيف لطرفٍ أن يتجاهل كل الحدود لعقد اتفاقيات سلام وتعاون مع من كان يعتبره حتى الأمس القريب عدواً، ويعجز عن كسر الجليد مع الشقيق المجاور، الشريك في المحنة والمصير؟