نفق الحرية ومعارض الضمير

نفق الحرية ومعارض الضمير

09 سبتمبر 2021
الصورة

(محمد الجالوس)

+ الخط -

ضاق سجن المحتل فاتّسع نفق الحرية، وانسدّ الأفق فانفتح باب الفرج، وتعالت الجدران فلانت الأرض، وتوزّعت الكاميرات في الفضاء المحيط، فعميت العيون الراصدة وراءها، وخرج ستة أسرى فلسطينيون من أحد أشدّ سجون الكيان الصهيوني تحصينا، بعد أن نجحوا، متسلّحين بالإيمان بقدراتهم، على صنع المستحيل.

ينتشر المشهد منذ صباح الإثنين الماضي، في أشكالٍ فنيةٍ مختلفة، وإن بدا عاديا لأول وهلة، غير أنه صار ممتلئا بدلالاته الوجودية الفائضة عن حد المعرفة بواقع موازين القوى ما بين السجّان والمسجون، أو ما بين الجلاد والضحية. الأمنيون الإسرائيليون يتوزّعون في ذلك المشهد بوضعياتٍ مختلفة، حول حفرةٍ صغيرةٍ انبثقت فجأة وسط ساحةٍ ترابيةٍ بينما أشرقت شمس الصباح خلفهم، لتعلن حقيقة هذا الوجود الصهيوني الطارئ على أرض فلسطين.

كان الأبطال المحكومون بالسجن المؤبّد قد آمنوا بحرّيتهم وبضرورة تحققها على أرض الواقع الراهن، فبدأوا خطّتهم قبل شهور لحفر خندقٍ يبدأ من أرض السجن الحصين، وينتهي خارجه، ولأنهم لا يملكون من أدوات الحفر شيئا إلا ملعقة معدنية، فقد استغلّوها لتحقيق الهدف في عمليةٍ أشبه بالمعجزة الحقيقية. ولكن شعب الجبّارين معتادٌ على ابتكار ما يشبه المعجزات، لأنه شعبٌ آمن بحريته وبحرية فلسطين. كان من الممكن أن تفشل العملية كما فشلت محاولاتٌ كثيرةٌ سابقة غيرها في هذا السجن وغيره من السجون، وهذا طبيعي ومفهوم. ولا يضير من يُقدم على مثل تلك المحاولات في ظل واقع أمني صهيوني متشدّد جدا، غير أنها نجحت، فاكتمل النفق ليمدّ الجميع بجرعة أملٍ تكفي لتثبت أن هذا الكيان مصنوع، وسيبقى طارئا مهما استتبّ له الأمر والأمن. فالأرض تعرف أهلها جيدا، وتلين لهم كلما لاحت لها فسحةٌ من ذلك الأمل المقيم.

انشقّت الأرض الفلسطينية عن تلك الحفرة التي أصبحت محطّ أنظار العالم، بعد أن جلس عندها الأمني الصهيوني، وهو يضع يده على خدّه شاعرا بالحيرة تجاه ما حدث، والعجز عن تفسيره، في مشهدٍ بدا تجسيدا لحقيقة الموقف في الحكومة الصهيونية، بعد أن وصل إليها الخبر، وهالَها أن ترى واحدا من أشدّ سجونها تحصينا، وهو يسرّب ستةً من المعتقلين فيه بإرادتهم الحرّة، المتكئة على إيمانهم بالله، ثم بفلسطين وطنا أبديا لهم.

معلوماتٌ كثيرةٌ ما زالت خافيةً علينا تتعلق بالنفق وتداعياته، وربما نتائجه أيضا، لكن أجمل ما نتج من واقعة التحرّر الذاتي لهؤلاء الأسرى من قبضة المحتل هو ما أثبتوه للعالم كله أن هذا الكيان المغتصب هشٌّ من الداخل، وفي كل مرّةٍ ينجح الفلسطينيون بإثبات هذه الحقيقة يتساقط جزءٌ من الصورة الضخمة التي صوّرها أنصار الكيان الصهيوني له دائما باعتباره القوة التي لا تقهر، والكيان الذي لا يتهدّم، والدولة الأقوى في المنطقة. لكن الثقوب الآن احتلت مساحاتٍ لا بأس بها من الصورة، وسيأتي يومٌ لتتأكل كلها، فتبزغ شمس الحرية وراءها، كما بزغت على مشهد الصهاينة وهم يتداعون حول حفرةٍ طازجة، خرج منها للتو أبطال الحرية إلى حرّيتهم المشتهاة.

سيبقى ذلك المشهد خالدا في أذهان الجميع على الجانبيْن، وقد تحوّل منذ نشره إلى رمز ذكي لما ستنتهي إليه الأمور في فلسطين عاجلا أو آجلا، بغضّ النظر عن تقديرات موازين القوى في المقاييس المعتادة، فمعارك الضمير لا تخضع لمثل تلك التقديرات، ولا تُقاس قوة أدواتها بالمقاييس المعتادة. وبالتالي، نتائجها دائما مفاجئة لغير المؤمنين بها!