نحو طرح ديمقراطي لمحاربة الإرهاب

28 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

تحل الذكرى الثالثة لمذبحة مسجد الروضة في شمال سيناء، وسط صمت بين أغلب الأوساط السياسية والدينية المصرية المعارضة. الفارق واضح، إذا قورن بالزخم في ذكرى أحداث سياسية مثل ثورة يناير، أو مذبحة رابعة، أو بالتفاعل مع أحداث تثير عواطف دينية واسعة، مثل الصور المسيئة في فرنسا.
عبر عقود أصبح مصطلح "محاربة الإرهاب" سيئ السمعة لأسباب مفهومة. على الصعيد الدولي، ارتبط، منذ البداية، بالغزو الأميركي للعراق، قبل أن يعترف الأميركيون لاحقا بعدم وجود صلة بين صدّام حسين والإرهاب أو أسلحة الدمار الشامل. ولاحقا، ارتبط المصطلح بصعود العنصرية، والإسلاموفوبيا، واليمين المتطرّف، وكذلك استخدمته إسرائيل مرارا لتثبيت احتلالها.
على الصعيد المحلي، استخدمت الدول الاستبدادية المصطلح تبريرا للتأجيل الأبدي للديمقراطية والحريات، وكذلك التحسن الاقتصادي، فلا صوت يعلو على صوت "المعركة". كما تم الإسراف في تعميم الوصف على كل معارضٍ حتى تحول إلى مسخرة. في ليبيا، قال خليفة حفتر إنه يحارب الإرهاب، بينما كان يحاصر في طرابلس أعضاءً منتخبين في البرلمان الليبي، كان بعضهم سابقا حلفاء له شخصيا في طبرق. وفي مصر، قرّرت السلطات إدراج زياد العليمي، وعلاء عبدالفتاح، وغيرهم من الخصوم المعروفين للإسلاميين، على لوائح الإرهاب.
ولكن تأتي وقائع، مثل مذبحة الروضة، لتعيد الجوهر الواقعي للأزمة إلى الواجهة.
دأب إسلاميون على تمييع القضية، سواء بالاكتفاء بتعليقها على شماعة أنها ردود فعل للظلم السياسي، أو بادّعاء أنها تمثيليات ملفقة من الأجهزة الأمنية، وساهمت في ذلك الشعبية الكبيرة لنظريات المؤامرة التي ما زالت تنفي تورط تنظيم القاعدة في هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، على الرغم من تفاخر قادته بها مرارا، ونشر وصايا المنفذين.
هذه كلها أساليب لدفن الرؤوس في الرمال. الواقع ثابت كما هي حمرة الدماء. ثمّة إرهابيون قتلوا مئات الأبرياء وهم يصلّون في مسجد في سيناء، كما قتلوا الأبرياء في مذابح متوالية في تونس، مثل مذابح جبل الشعباني، ومتحف باردو، وسوسة. وهم أنفسهم الذين قتلوا آلافا مؤلفة من السوريين والعراقيين، في مذابح طائفية، أو حتى ضد الطائفة نفسها. شهدنا ما لا يُحصى من العمليات الانتحارية التي استهدفت فصائل إسلامية أخرى، فضلا عن استهداف كل مؤيد للديمقراطية، حيث يعد تكفيرهم أصلا عقيديا لكل فصائل السلفية الجهادية. واليوم في حي الزنجيلي في الموصل جدارية تحوي أسماء 85 مدنيا يمثلون قسما ممن قتلهم الدواعش، لأنهم حاولوا الهروب، بينما أراد المجرمون الاحتماء بالدروع البشرية حتى آخر امرأة وطفل.
الغضب لهذه الدماء ليس استجابة لدعايات غربية أو استبدادية. كما أن خوف قطاعاتٍ شعبية واسعة واتخاذها خياراتٍ سياسية بناء على ذلك هو حقيقة ملموسة أيضا. ولا يعني استخدام الأنظمة الاستبدادية الأزمة أنها أزمة غير موجودة، كما لم يعنِ سابقا رفع الأنظمة نفسها قميص القضية الفلسطينية أنها قضية غير موجودة.
صحيحٌ أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية مهمة لفهم الظاهرة وقطع جذورها، ولكن لا يجوز استخدام ذلك لرفع المسؤولية عن الفاعل، وإلا لجازت تبرئة كل قاتل غاضب أو سارق محتاج.
كما لا يجوز اغفال حقيقة وجود عامل فكري عميق، تمتد جذوره بالتاريخ الحديث عبر كتابات سيد قطب وشكري مصطفى وسيد إمام وغيرهم، وصولا إلى منظري "داعش"، مثل أبو بكر الناجي وأبوهمام الأثري.. إلخ، أو بالتاريخ الأقدم إلى فتاوى مثل "التترس" و"تكفير العاذر بالجهل" والقائمة تطول.
لا نحتاج جدلا عبثياً بشأن موقفنا من ضحايا الإرهاب الفرنسيين، فالواجب أن الموقف محسومٌ منذ شهدنا الضحايا الأوائل من العرب المسلمين... لا بديل عن طرح ديمقراطي بالغ الوضوح في تعريف الإرهاب والقطع معه، وأن تحسم الفصائل الإسلامية التي تصنف نفسها معتدلة موقفها منه. موقف يساوي بين بشار الأسد وخصومه من السلفية الجهادية، كما يساوي كلاهما بالضبط من عقوبة رفع علم الثورة السورية: الإعدام.
من الواجب تقديم سياساتٍ بديلةٍ وواقعية، لكن الأهم تقديم خطاب بديل للقواعد. مؤسفٌ حقا متابعة التعليقات العربية على أي خبر يخصّ الهجمات الإرهابية في باريس وبروكسل، بينما يعمى أو يتعامى المعلقون أنفسهم أن الدماء الأغزر سالت في تونس والقاهرة وإدلب.
الرسالة إلى الاستبداد: نحن، الديمقراطيين، أوْلى بمحاربة الإرهاب منكم، كما نحن أوْلى بالقضية الفلسطينية منكم.