من مواقف تشومسكي

21 ديسمبر 2020
الصورة

تشومسكي في زنزانة سابقة في سجن الخيام الإسرائيلي المحرر في جنب لبنان (13/5/2006/فرانس برس)

+ الخط -

(1)
حلّ، في السابع من ديسمبر/كانون الأول الجاري، عيد ميلاد المفكر والفيلسوف الكبير نعوم تشومسكي، وهو الذي يصعُب وصفه بمجرد فيلسوف أو عالم لغويات أميركي فقط، بل هو أكثر من ذلك بكثير، فهو لديه ألقاب عديدة، وتقّلد مراكز عديدة، وفاز بجوائز علمية وأكاديمية كثيرة، فقد كان يتم الاستشهاد به مرجعا أكثر من غيره في الثمانينيات والتسعينيات، وهو من المراجع التي يتم الاستشهاد بها على الإطلاق، وكذلك يعتبر أب علم اللسانيات الحديث، والشخصية الرئيسية في العالم في الفلسفة التحليلية، وهو أيضا منظّر سياسي وناشط.
وُلد في 1928 في فيلادلفيا، بنسلفانيا، وهو أستاذ اللسانيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) لستة عقود، والمؤلف لأكثر من مائة كتاب تختص باللسانيات والفلسفة والسياسة. ولا يتسع المقال لذكر جزء يسير من إسهاماته الفكرية والفلسفية والأكاديمية والسياسية، ولكن يمكن ذكر نبذات سريعة عن تشومسكي الذي شارك في النشاط السياسي طوال فترة شبابه، وعارض حرب فيتنام وسياسات أميركية كثيرة، وعبّر عن آرائه في السياسة والأحداث العالمية، والتي تم الاستشهاد بها وتغطيتها ومناقشتها على نطاق واسع.

يؤكد تشومسكي أن السلطة ما لم تكن مبرّرة فهي غير شرعية بطبيعتها، وعبء إثبات شرعيتها يقع على كاهل من هم في السلطة

اشترك في حملات الدعوة إلى السلام والديمقراطية، وكذلك هو عضو في اتحادات عمالية دولية، وعضو في اللجنة الاستشارية الانتقالية في المنظمة الدولية من أجل مجتمع تشاركي، بالإضافة إلى مناصب أكاديمية في جامعات مرموقة، وعضويته في جمعيات علمية وفكرية وفلسفية.
وعلى الرغم من أنه يرفض التصنيفات، إلا أن آراءه يمكن تصنيفها بالأناركية الكلاسيكية، حيث يعتقد أن الحل في تنظيم المجتمع، وأن يحكم نفسه بنفسه، وأن تدار كل التجمعات بشكل ديمقراطي حقيقي. وعلى الرغم من تبنيه الأفكار الاشتراكية، إلا أنه انتقد بشدة ممارسات الشيوعية والاتحاد السوفييتي قبل انهياره. ويؤكد تشومسكي أن السلطة ما لم تكن مبرّرة فهي غير شرعية بطبيعتها، وعبء إثبات شرعيتها يقع على كاهل من هم في السلطة، وإلا يجب تفتيتها. أما السلطة لذاتها فهي غير مبررة أصلاً.

على الرغم من وصفه بأنه اشتراكي، إلا أنه، في الوقت نفسه، كان ناقدا استبدادية فروع الشيوعية

وينتقد تشومسكي السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ عقود، حيث المعايير المزدوجة، والزعم بدعم الديمقراطية والحرية في العالم، على الرغم من أنها تتحالف مع حكومات غير ديمقراطية وأنظمة قمعية وانقلابات عسكرية ارتكبت انتهاكاتٍ جسيمة لحقوق الإنسان، وكذلك تدخّل الولايات المتحدة في بعض الدول وتقديم مساعدات للمتمرّدين في بعض الدول، على الرغم من أن مجموعات متمرّدة مدعومة أميركياً ترتكب جرائم ينطبق عليها توصيف الإرهاب. وهو من أشد منتقدي نظام الرأسمالية الأميركية والشركات الكبرى، وانتقد كذلك الحرب الأميركية على العراق، واعتبرها أكثر الجرائم فظاعة في القرن العشرين، وأن جرائم الإدارات الأميركية، خصوصا إدارة جورج بوش، قد تفوق جرائم بن لادن.
وعلى الرغم من وصفه بأنه اشتراكي، إلا أنه، في الوقت نفسه، كان ناقدا استبدادية فروع الشيوعية. ومع أنه ينتسب للفكر الماركسي بشكل عام، إلا أنه دان الإمبريالية السوفييتية قبل انهيارها، واعتبر أن الفرق ليس كبيرا بينها وبين الإمبريالية الأميركية.

ينتقد تشومسكي السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ عقود، حيث المعايير المزدوجة، والزعم بدعم الديمقراطية والحرية في العالم

وانتقد تشومسكي كثيراً إسرائيل وحكوماتها وممارساتها، وكذلك مؤيديها ودعم الولايات المتحدة لها، معتبراً أن "أنصار إسرائيل" هم أنصار لانحطاطها الأخلاقي، ويعتبر نفسه بالأساس ضد تأسيس "دولة إسرائيل" على أساس الديانة اليهودية، وأنه كذلك ضد فكرة الدولة الدينية من الأساس، حتى لو كانت مسيحية، ولذلك يرى أن "دولة إسرائيل" إلى زوال، بسبب هويتها الدينية التي أنشئت عليها.
وبسبب دعمه الحقوق الفلسطينية وآرائه ضد "دولة إسرائيل"، يتم اتهامه بالخيانة ودعم الإرهاب ومعاداة السامية من اللوبيات الصهيونية والجماعات اليمينية، على الرغم من ديانته اليهودية في الأساس. وفي شهر مايو/أيار من عام 2010، احتجزته السلطات الإسرائيلية، ومنعته من الدخول إلى الضفة الغربية عبر الأردن، لأنه كان سيزور جامعة فلسطينية.
قابلت البروفيسور نعوم تشومسكي في إبريل/ نيسان عام 2011 عند زيارتي الأولى للولايات المتحدة الأميركية، ألقيت وقتها كلمة عن ثورة يناير في معهد MIT، وتحدثنا ساعات قبلها، وكان معجباً كثيرا بالثورات العربية، وما حققه الشباب العربي. ولكنه لم يكن متفائلاً بنسبة التفاؤل نفسها التي كانت سائدة وقتها، وكان له رأي اعتبرت فيه بعض المبالغة، فقد كان يرى أنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة و"إسرائيل" أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية في مصر والدول العربية، وأن الرئيس الأميركي، أوباما، وإن كان متحمساً للديمقراطية بشكل شخصي، إلا أن البنتاغون (وزارة الدفاع) والمخابرات الأميركية وشركات السلاح الكبرى يفضلون التعامل مع المؤسسة العسكرية ودول الخليج لما يربطهم بها من علاقات قديمة وعميقة. وذكر لي أن الولايات المتحدة تفضل الديمقراطية الشكلية، لأن ذلك يحقق مصالحها من خلال الحكام وليس الشعوب، كذلك الأمر مع "إسرائيل" التي تربطها علاقات وثيقة بالمؤسسة العسكرية المصرية بعد معاهدة كامب ديفيد، فإسرائيل تخيفها شعوب عربية حرّة ذات قرار، فالولايات المتحدة تخشى أن تؤدّي الديمقراطية الحقيقية في الوطن العربي إلى خروج تلك الدول عن الهيمنة الأميركية. وكان حريصا أن نستوعب تحذيراته من الانقلاب على ثورات الربيع العربي، وتنبأ بأن الولايات المتحدة والغرب لن يهتموا كثيرا بوجود ديمقراطية حقيقية في البلاد العربية، ولذلك كان موقفه واضحاً مما حدث في مصر في 3 يوليو/تموز 2013.
عندما كنت في السجن عام 2015، علمت بتصويره مقطع فيديو تضامنياً، يطالب فيه السلطات المصرية بإطلاق سراحي، وكذلك يوقّع على عشرات العرائض والرسائل التي تطالب بإطلاق سراح كل المعتقلين من جميع التيارات. وأخيرا، أطلق دعوة إلى الإفراج عن الزميل علاء عبد الفتاح وأخته سناء. ولا يزال لديه بعض التفاؤل المشوب بالحذر حيال المنطقة، فيعتقد أنه ستكون هناك موجات أخرى للربيع العربي، ربما تكون أكثر نجاحا من ذي قبل، على الرغم من مقاومة الأنظمة الحاكمة، وعلى الرغم من عدم رغبة الغرب في قيام ديمقراطية حقيقية. ودلل على ذلك بالنجاح الجزئي للثورة في تونس، وبالانتفاضات في السودان والجزائر. .. وعلى الرغم من بلوغه عامه الثاني والتسعين، لا يزال يمدّنا بآرائه وتحليلاته العقلانية والعميقة، بارك الله في عمره وأمدّه بالصحة.