مقاطع من الركاكة العربية

مقاطع من الركاكة العربية

05 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

أخفقت اجتماعات 72 ليبياً في جنيف في الوصول إلى اتفاقٍ على "صيغةٍ دستورية" ينبني عليها تنظيم الانتخابات المقرّرة في ديسمبر/ كانون الأول المقبل. ما يعني أن انتكاسةً مشهودةً عرفها مسار الحل السياسي ومأسسة الدولة الليبية الذي كان قد نجح في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وفي وقف الحرب العدوانية التي شنّها على طرابلس خليفة حفتر بدعمٍ خارجيٍّ معلوم، وتدشن مسار الحل بعد تدخلٍ تركيٍّ عسكريٍّ كان فاعلا، وبعد انعطافةٍ مصريةٍ كان لها أثرها. والخشيةُ أن تتدحرج انتكاسة جنيف، وسببها حفتر بحسب رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، القهقرى إلى تأزّماتٍ أكثر حدّةً، سيما وأن التوافقات التي جرت في الأشهر الأخيرة عجزت عن حلّ حزمةٍ من الإشكالات. والقول هنا إن الاستعصاءات الليبية، غير القليلة، وجديدُها ما كان في جنيف، لا يعني أن الخلافات التي سبّبتها تعود إلى تصادم رؤىً تتوخّى مصالح العباد والبلاد، بل هو تحسّب جماعاتٍ وأطرافٍ وجهاتٍ من جماعاتٍ وأطرافٍ وجهاتٍ، مع نقصان مقادير الثقة، وكذا النزوع إلى تغليب المصالح والمنافع والمحاصصات. وبذلك، لا تزيّد في الزّعم هنا إننا أمام مقطعٍ في مشهد الركاكة العربي العتيد.
في الجوار الليبي، ثمّة تونس التي بشّرتنا بأفقٍ واعد، وبتمرينٍ عربي باتجاه بناء دولة حديثةٍ تأخذ بأسباب التحوّل الديمقراطي الناجح، وبأسباب تقدّمٍ في مسار تنموي ناهض، غير أن الخيبات ما انفكّت تتوالى، لمّا بدا أن التنافس بين أحزابٍ، تتناسل من بعضها أحيانا، وأخرى تولد لكي تموت، في غالبية تمثيلاته ووقائعه، لا يتعلق ببرامج وخياراتٍ سياسيةٍ واجتهاداتٍ معنيةٍ بالواقع وتحدّياته الثقيلة، وإنما هي الاستقطابات والأوهام الأيديولوجية والاصطفافات التي تقف على سوء الظن بالآخر، من دون إدراك جسامة المسؤوليات والرهانات، بل وأيضا من دون اكتراثٍ بتطلّعات التونسيين وأشواقهم وحاجياتهم ومطاليبهم الملحّة. وفي الوسع أن يُقال إن "الكباش" السياسي بين التيارات والأحزاب طبيعي، وإن شابتْه سخافاتٌ ورداءات، غير أن تونس، في لحظتها الراهنة، مثقلةٌ بجبالٍ من الركاكة السياسية، أو الرثاثة إذا ما أسعفتنا فصاحةٌ أبلغ. وما يفعله الرئيس قيس سعيد منذ نحو عام في بلده لا ينتسب إلى غير هدم الأمل الذي كان باقيا، فهو يجهر بما يتوطّن في أفهامه وأخيلته ومداركه من نزوعات تسلّط، ومن رغبةٍ بحيازته كل الحكم وكل القرار، من دون أن نقع عنده على أي مقادير من نباهةٍ أو حذاقة، في ابتكار أي حلولٍ أو اجتهاداتٍ خلاقةٍ لأزمات البلاد الحادّة. وبذلك، لا شطط في القول إننا، في تونس الراهنة، أمام مقطع بائسٍ في مشهد الركاكة العربي.
أما في السودان، فإن الجنرالات في مجلس السيادة يزاولون نوعا من التذاكي المكشوف، ليس فقط في "الكلام الساكت" (بالتعبير السوداني الذي يعني الكلام الفارغ) عن تحقيق أهداف السودانيين في ثورتهم، وإنما أيضا بعدم التزامهم باستحقاقات الاتفاق الدستوري، والذي لو جرى تطبيقُه لانصرف هؤلاء عن رئاسة المجلس منذ مايو/ أيار الماضي، فضلا عن عدم المضي في تشكيل مجلس تشريعي مؤقت، تختار قوى الحرية والتغيير ثلثي أعضائه، على ما نصّ الاتفاق. أما الاعتصام بالصمت بشأن نتائج التحقيق في المجزرة المروّعة التي أودت بأكثر من 120 متظاهرا أمام مبنى قيادة الجيش في الخرطوم قبل عامين فيدلّ، هو الآخر، على الاستخفاف الفادح الذي يُمارسه العساكر الحاكمون بحقوق المواطنين الذين لم يتذوّقوا من نواتج ثورتهم التي خلعت عمر البشير سوى مزيد من الغلاء والبطالة، وتعايشهم مع حيرة رجل نظيف اسمه عبدالله حمدوك في موقع رئيس حكومة، وهو يتلقى غضب الناس، وهو يغدُر به العساكر عندما يورّطون البلد في اتفاقاتٍ مشينةٍ مع إسرائيل، وبالركاكة من النوع البائس يتم تسويقها رهانا سودانيا على ازدهار ونماء موعودين.
وفي الجوار أعلاه، ثمّة عطالة السياسة، وقتل المجال العام، وتتفيهٌ بلا حدود في الإعلام، وسجونٌ تتزوّد يوميا بمتهمين بإرهاب وغير إرهاب. والحديث هنا عن مصر التي يُحسَب لنظام الانقلاب العسكري الحاكم فيها نجاحه الفادح في مراكمة الفشل تلو الفشل في كل ملفٍّ وشأنٍ تصدّى له، إن تحدثنا عن الفقر أو عن سد النهضة أو عن غيرهما. وفي الأثناء، يختنق الفضاء العام بالصوت الواحد، وباللغة نفسها، والنغمات إياها، عندما ينقطع الجميع في المشهد المصنوع والمطبوخ، والمُحكم عليه، في مديح "إنجازاتٍ" لا تتوقف .. وفي الأثناء، تشتهي أن ترى مصر التي تحبّ كما تستحق أن تكون، لا كما هي أرطال الركاكة فيها تتفاقم وتعلو، وتعلو وتتفاقم.