مشاهد الفصام اللبناني

مشاهد الفصام اللبناني

08 مايو 2022

لافتات انتخابية وطفل ينبش في القمامة في بيروت (19/4/2022/الأناضول)

+ الخط -

رغم كل ما يمرّ به لبنان من أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية، ورغم وصول البلد إلى حافّة الإفلاس وتكدّس مئات آلاف العاطلين من العمل وعيش مئات آلاف آخرين دون خط الفقر، إلا أن الطبقة السياسية أصرّت على إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرّر في الخامس عشر من مايو/ أيار الحالي. وبالفعل انطلقت الحملات الانتخابية وجرى تصويت للمغتربين في عدد من العواصم العالمية، في مشهد يوحي بأن كل شيء طبيعي في بلاد الأرز، وأن الحياة الديمقراطية تظهر حالياً في أفضل تجلياتها. إلا أن مشاهد عديدة خلال الحملات الانتخابية تظهر معالم الدولة الفاشلة التي بات عليها لبنان حالياً. دولة غير متمكنة من مواردها وغير قادرة على تأمين أبسط الاحتياجات لمواطنيها، وحتى لإتمام العملية الانتخابية بصورة طبيعية. ويبقى تصريح أحد وزراء الحكومة اللبنانية عن إجبار أصحاب المولدات على إمداد مراكز الاقتراع بالكهرباء خير مثال على وضع هذه الدولة. تصريح يحمل معطيات كثيرة تجسّد حالة الفصام التي تعيشها هذه الدولة. إذ من المفترض أن الكهرباء واحدة من الموارد التي تؤمنها الحكومة للمواطنين، فضلاً عن الدوائر الرسمية، إلا أن هذا القطاع، وغيره من القطاعات، كما هو معلوم، بات خارج قدرات الدولة على إدارته، بداية بفعل الفساد الذي عاشه لبنان خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، وصولاً إلى العجز المالي الذي يشهده لبنان وانهيار سعر صرف الليرة أمام الدولار، والذي جعل الدولة عاجزةً عن تأمين السيولة اللازمة لشراء النفط الذي يشغل معامل الكهرباء.

وإذا كان تصريح هذا الوزير غير كاف كشاهد على حالة الفصام، فإن رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، المفترض أن يكون المشرف على تنظيم هذه الانتخابات، قدّم شاهداً إضافياً على هذه الحالة. ميقاتي اشتكى قبل أيام من دخول كميات كبيرة من الدولارات إلى البلاد لتمويل الحملات الانتخابية. شكوى تعبّر فعليا عن وضع الدولة والحكومة غير القادرة على ضبط مداخل البلاد ومخارجها، ناهيك عن تهريب الأموال وغيرها من المواد عبر المنافذ الحدودية. فإذا كان رئيس الوزراء يشتكي من هذا التهريب وعدم القدرة على ضبط الصرف الانتخابي، فكيف يمكن أن يكون ضامناً لهذه العملية الانتخابية من أساسها؟

وإذا كان هذا على الصعيد الحكومي، فإن وضع المرشّحين، ومعظمهم وزراء سابقون أو كانوا مسؤولين في الحكومات المتعاقبة، ليس أفضل حالاً، فغالبية هؤلاء يتنكرّون لمسؤوليتهم المباشرة أو غير المباشرة عن الوضع الكارثي الدي وصلت إليه البلاد، ويرفعون الشعارات الطنّانة ويرسمون الأحلام الوردية باعتبار هذه الانتخابات ستكون محطّة مفصلية في الحياة اللبنانية. على سبيل المثال، وزير الطاقة السابق، جبران باسيل، وهو صهر رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر، عاد إلى العزف على نغمة تأمين الكهرباء من دون انقطاع، وهو الوعد ذاته الذي قطعه تياره خلال كل الانتخابات السابقة التي شارك فيها بعد عام 2005. وينكر باسيل أنه يتحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الهدر الذي اعترى قطاع الطاقة، ولا سيما في مشروع السفن التي استؤجرت من تركيا ولم تلبّ أياً من حاجات الكهرباء في لبنان. الأمر نفسه بالنسبة لغالبية المرشّحين ووعود البناء والحياة الكريمة، والتي يدرك الجميع أنها مجرّد شعارات في الهواء سينتهي مفعولها فور إغلاق صناديق الاقتراع.

أما حالة الفصام الكبرى فهي عند الكثير من اللبنانيين أنفسهم، فرغم اليقين بأن الشعارات فارغة، فإن طوابير كثير ستصطف يوم الأحد المقبل أمام مراكز الاقتراع في تجديد الولاء لزعماء الفئات الكثير من اللبنانيين، على أن يعودوا إلى شتم الزعماء أنفسهم الذين انتخبوهم بعد إغلاق صناديق الاقتراع.