مستقبل العلاقات التركية الأميركية بعد فوز بايدن

25 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

تنتظر الأوساط السياسية التركية باهتمام بالغ ما ستؤول إليه العلاقات التركية الأميركية بعد انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، في ظل توقعات بتعامل مختلف منه حيال تركيا، على خلفية تصريحاته العدائية ضد سياساتها، وانتقاداته المتكرّرة لسياسة الرئيس دونالد ترامب تجاهها في ملفات وقضايا عديدة، الأمر الذي يثير مخاوف كبيرة لدى الساسة الأتراك في أن تنعكس مواقفه سلباً على مستقبل العلاقات التركية الأميركية.
مواقف وتوجسات
ولعل تهنئة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، المتأخرة لجو بايدن تعكس بعض ذلك التخوف والتوجس التركي الذي يُبنى على خلفية تصريحات ومواقف سابقة لبايدن، وخصوصا خلال حملته الانتخابية، أبدى فيها انتقاداتٍ حادّة للرئيس التركي، وتحدّث فيها عن ضرورة دعم الولايات المتحدة المعارضة التركية لإطاحته، ولاقت ردود فعل غاضبة في الأوساط السياسية التركية، وحتى في أوساط قادة أحزاب المعارضة. إضافة إلى موقفه المناهض لشراء تركيا منظومة الصواريح الروسية "إس -400"، ومطالبته إدارة ترامب بالضغط عليها "للامتناع عن ممارسة مزيد من الأعمال الاستفزازية ضد اليونان، بما في ذلك التهديد باستخدام القوة، وتهيئة الأجواء لإنجاح الجهود الدبلوماسية"، فضلاً عن موقفه المناهض قرار إعادة آيا صوفيا مسجداً، واتهامه تركيا بتأجيج الصراع في القوقاز، وتحميلها مسؤوليته، ودفاعه عن تقسيم العراق وإنشاء كيان كردي في شماله، وموقفه الداعم قوات سورية الديمقراطية (قسد) والإدارة الذاتية في مناطق شمالي سورية، ومعارضته انسحاب القوات الأميركية منها، وسوى ذلك.

يتوقع أن يتحرّك بايدن من أجل تمكين حلف الناتو في مواجهة روسيا، ما يعني ضرورة الاعتراف بالدور التركي النشط

غير أن مواقف بايدن التي أبداها، خلال حملته الانتخابية، تجاه تركيا، قد لا يترجمها على أرض الواقع بعد تسلمه الحكم في الولايات المتحدة، بالنظر إلى اعتبارات وحيثيات سياسية عديدة، خصوصا وأنه يعرف تركيا جيداً، حيث زارها عدة مرات، عندما كان نائباً للرئيس السابق، باراك أوباما، وأكد خلالها على أهمية العلاقات التركية الأميركية. وبالتالي لن يحاول القفز على تاريخية هذه العلاقات الاستراتيجية، كونه يعي جيداً أهمية تركيا وقوتها وأدوارها في منطقة الشرق الأوسط والبلقان. ولكن أوساطا تركية تتوجس من نظرته إلى تركيا، بوصفها أحد مقوّضات السياسة الأميركية في المنطقة، ومن إمكانية اتباعه النهج نفسه الذي تعاملت به واشنطن مع أنقرة إبّان ولاية أوباما، مع أن من الصعب التكهن بأن يستنسخ بايدن سياسات أوباما نفسها.
في المقابل، ترى أوساط تركية أخرى أن تركيا لم تعد ذاك البلد الذي يتأثر بسياسات القادم الجديد إلى البيت الأبيض، وتتوقع حدوث انفراجةٍ في العلاقات التركية الأميركية، على خلفية دعوة الرئيس أردوغان بايدن إلى فتح قنوات الدبلوماسية والمصالحة في المنطقة، وتطبيع العلاقات مع الغرب، وذلك في ظل تطورات ميزان القوى في العالم، وسياسات الإدارة الأميركية الجديدة التي ستتبعها في منطقة الشرق الأوسط، حيث يتوقع أن يتحرّك بايدن من أجل تمكين حلف شمالي الأطلسي (الناتو) في مواجهة روسيا. لذلك تطالب هذه الأوساط بالاعتراف بالدور التركي النشيط في الملفات الإقليمية والدولية واعتماد نهج واقعي، بما ينعكس إيجاباً على مستقبل العلاقات الثنائية بين تركيا والولايات المتحدة المثقلة بالأعباء منذ سنوات عديدة.
تاريخية العلاقات
تعود العلاقات التركية الأميركية إلى أكثر من ستة عقود خلت، اتسمت بفترات طويلة من الشراكة الاستراتيجية خلال فترة الحرب الباردة، وبدأت مع انضمام تركيا إلى حلف الناتو عام 1952، ثم تعزّزت باتفاق واشنطن مع أنقرة على استخدام القوات الأميركية قاعدة إنجرليك الجوية التركية الموقع في عام 1954.

شهدت العلاقات التركية الأميركية، منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في أنقرة عام 2002، فترات من التوتر والتأزم

وشكلت تركيا عنصراً أساسياً في الاستراتيجية الأميركية في مناطق الشرق الأوسط وأوراسيا، لكن علاقات الدولتين تعرّضت إلى أزمةٍ كبيرةٍ مع التدخل العسكري التركي في القسم الشمالي من جزيرة قبرص عام 1974، حين اعترضت الولايات المتحدة بشدّة على التدخل العسكري التركي، وفرضت حظراً على بيع الأسلحة الأميركية إلى تركيا، ولم تعد الأمور إلى مجاريها إلا في عام 1980 الذي شهد توقيع البلدين اتفاقية للتعاون العسكري والاقتصادي، قضت بالسماح للقوات الأميركية باستخدام 26 منشأة عسكرية تركية، مقابل حصول تركيا على أسلحة ومعدّات عسكرية أميركية حديثة. بعدها شاب العلاقات التركية الأميركية توتر على خلفية رفض البرلمان التركي تقديم مساعدات لوجستية للقوات الأميركية إبّان الغزو الأميركي للعراق في عام 2003.
وشهدت العلاقات التركية الأميركية، منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في أنقرة عام 2002 فترات من التوتر والتأزم، لكنها لم تصل إلى حدّ القطيعة، حيث تعاونت تركيا مع الولايات المتحدة في مجموعة من القضايا الدولية، وحاول الساسة الأتراك القيام بعمليات ترميم للعلاقات مع الولايات المتحدة، وخصوصا عندما زار أردوغان واشنطن في العام 2006، وكان رئيساً لوزراء تركيا، ووقع آنذاك على "اتفاقية الرؤية المشتركة والحوار المؤسساتي" التي نصّت على تبني رؤية مشتركة بين الدولتين من خلال "ترويج السلام والاستقرار في الشرق الأوسط الكبير من خلال الديمقراطية، ودعم جهود تسوية دائمة للنزاع العربي الإسرائيلي والفلسطيني الإسرائيلي على أساس حلّ الدولتين، وتعزيز الاستقرار في عراق موحد".
توترات وخلافات
ظهرت في السنوات اللاحقة خلافات جديدة في التوجهات والمصالح الأميركية والتركية في ملفات إقليمية عديدة خلال فترة رئاسة باراك أوباما، على الرغم من زيارة الأخير إلى تركيا في عام 2009، وتأكيده على أهميتها دولة حليفة وصديقة، لكن المواقف تباينت من الثورات العربية، وخصوصا الثورة السورية، نتيجة دعم واشنطن حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) في سورية ومليشياته المسلحة والإدارة الذاتية التي شكلها في مناطق الجزيرة السورية، وتعتبرها تركيا خطراً عليها. ثم تعمّقت الخلافات والتوترات بين الطرفين، عندما اتهمت تركيا إدارة الرئيس أوباما بدعم المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت في منتصف يوليو/ تموز 2016، وطالبتها بتسليم الداعية فتح الله غولن الذي اتهمته أنقرة بالوقوف وراءها، لكن واشنطن رفضت الطلب التركي.

 تدرك تركيا أهمية العلاقات الاقتصادية والسياسية مع دول الغرب، وأن القطيعة معها ستكلفها ثمناً باهظاً، وتنعكس سلباً على الاقتصاد التركي

وحاول الطرفان، التركي والأميركي، خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، تصحيح ما شاب علاقاتهما من توتراتٍ وخلافات في عهد أوباما، كونها لم ترتق إلى مستوى التحالف المعلن بينهما، وعضوية كل منهما في حلف الناتو، إذ لم تسفر زيارات المسؤولين ولقاءاتهم في كلا البلدين إلى تحسينها، على الرغم من العلاقة الشخصية الطيبة بين كل من الرئيسين، أردوغان وترامب، حيث تكرست خلافات جديدة، بعد أن نشبت أزمة جديدة بين البلدين في أعقاب احتجاز السلطات التركية القس الأميركي، أندرو برونسون، في 9 من أكتوبر/ تشرين الأول 2016، أي بعد انقضاء ما يقارب الثلاثة شهور على محاولة الانقلاب الفاشلة، وإطلاق الرئيس ترامب تهديداتٍ بفرض مزيد من العقوبات على تركيا التي أطلقت سراحة في 12 من أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

فترة ترامب شهدت نوعاً من اختزال العلاقات التركية الأميركية بعلاقة الرئيسين الشخصية

وطالب مسؤولون أتراك إدارة ترامب بإنقاذ علاقات بلادهم مع الولايات المتحدة وتحسينها، عبر النظر بجدّية إلى الدور التركي في المنطقة، وإلى مخاوف تركيا الأمنية في شمالي سورية والعراق، لكن الأمور لم تتغير، على الرغم من اعتبار الرئيس أردوغان "أن الإدارة الأميركية، برئاسة ترامب، قد تكون أكثر ترحيباً بالأطروحات والحلول التركية لمشكلات المنطقة، ومن وصف ترامب، خلال لقائه أردوغان بالبيت الأبيض في 16 مايو/ أيار 2017، بأن "بيننا علاقة رائعة وسنجعلها أفضل"، وقول أردوغان إن زيارته ستكون "نقطة تحول تاريخية"، وثنائه على "العلاقات الرائعة بين البلدين العضوين في حلف الناتو".
ويمكن القول إن فترة ترامب شهدت نوعاً من اختزال العلاقات التركية الأميركية بعلاقة الرئيسين الشخصية، لكن هذا النهج لم يعد بالفائدة لكلتا الدولتين، حيث دخلت هذه العلاقات في حلقة سلبية على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية، انعكست على شكل ردة فعل معادية، وغير مسبوقة، للولايات المتحدة في المجتمع والدولة التركية، وأفضت إلى تفاقم الخلافات بينهما، بالتزامن مع تغير وجهة السياسة التركية نحو التفاهم والتنسيق مع روسيا في ملفات المنطقة، وشرائها منظومة الصواريخ "إس ـ 400".
في التجارة والسياسة
ولعل التركيز على المحدّدات والاتجاهات السياسية والاقتصادية التي توّجه تحرّكات كل من تركيا والولايات المتحدة وفق مصالحهما يُمكّن من استشراف مستقبل علاقاتهما المتغيرة، ومقارنة كيفيات تلاقيها وتعارضها، خصوصا وأن عالم السياسة الدولية لا يفترق كثيراً عن عالم الاقتصاد، حيث شهدت العلاقات التجارية بين الدولتين زيادة مطردة، على الرغم من جائحة كورونا، مع ارتفاع حجم التجارة بينهما بنسبة 3.5% هذا العام، حسبما أعلن نائب وزيرة التجارة التركية، رضا تونا توراغاي، إذ كان حجم تجارة تركيا مع الولايات المتحدة 6.4 مليارات دولار في عام 2002، في حين بلغ حجمها هذا العام 21.1 مليار دولار.

على الرغم من جائحة كورونا، ارتفع حجم التجارة بين تركيا والولايات المتحدة بنسبة 3.5%، حسب وزيرة التجارة التركية، رضا تونا توراغاي

وسجّلت صادرات تركيا إلى الولايات المتحدة، وفق إحصاءات جمعية المصدّرين الأتراك، ارتفاعاً بلغت نسبته 5.4% بين يناير/ كانون الثاني وسبتمبر/ أيلول من هذا العام، لتصل إلى حوالي 6.14 مليارات دولار.
وبصرف النظر عن الخلافات السياسية بين تركيا والولايات المتحدة، جرى ربط السياسة والاقتصاد في تركيا بالغرب الأوروبي والأميركي منذ زمن بعيد، حيث ما يزال الاقتصاد التركي يعتمد، في قطاعات كثيرة منه، على المستثمرين الأجانب. ويحتل المستثمرون الأميركيون مكانة كبيرة بينهم، لذلك يدرك الساسة الأتراك أهمية العلاقات الاقتصادية والسياسية مع دول الغرب، وأن القطيعة معها ستكلفهم ثمناً باهظاً، وتنعكس سلباً على الاقتصاد التركي ومعيشة الأتراك، لذلك يعملون على الدوام على موازنة علاقات بلادهم مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، بما يخدم مصالح بلادهم الوطنية.
على الطرف الأميركي، كتب بايدن في مجلة فورين أفيرز في أبريل/ نيسان 2020 عن كيفية "إنقاذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد ترامب"، وذلك في سياق تصوّره سياسته الخارجية التي تنهض على قيادة أميركا للعالم مرة أخرى. لذلك تحتاج إدارته إلى وضع استراتيجية طويلة الأجل، بغية ترميم العلاقات مع تركيا، بما يفضي إلى إطلاق مبادراتٍ يمكنها الحفاظ على التعاون والالتزام بالمصالح المشتركة للدولتين، والإسهام ببناء شراكة موثوقة، لاستعادة دور تركيا باعتبارها حليفا وشريكا يمكن الاعتماد عليه، إقليمياً ودولياً، بوصفها إحدى الدول المهمة في مناطق الشرق الأوسط والبلقان وآسيا الوسطى.

سجلت صادرات تركيا إلى الولايات المتحدة، وفق إحصاءات جمعية المصدّرين الأتراك، ارتفاعاً بلغت نسبته 5.4% بين يناير  وسبتمبر 2020

ومن المعروف تماماً أن أي قطيعة أو أي افتراق بين تركيا والولايات المتحدة وتركيا سيسعد الساسة الروس الذين سيملأون الفراغ الناتج عنه، خصوصا بعد التوترات بين تركيا والاتحاد الأوروبي على خلفية أزمة الصراع على مصادر الطاقة مع اليونان في شرقي البحر المتوسط. ولما كان بايدن سيعمل على استرجاع مكانة الولايات المتحدة وموثوقيتها في العالم، فإن بلوغ هذا الهدف لا ينسجم مع توتير العلاقات مع الحليف التركي. ولذلك سيتوقف مستقبل العلاقات التركية الأميركية على مقاربة جديدة، تنخرط فيها الدبلوماسية الأميركية بمرونة، من أجل قيادة التحالفات، عبر المؤسسات الدولية، خصوصا وأن تركيا تمتاز بمكانة هامة على الصعيدين، الإقليمي والدولي، ولا يمكن القفز عليه، وهي لم تعد مجرّد دولة وظيفية، تلعب فقط دور شرطي أميركي في المنطقة، ولدى ساستها طموحات وتطلعات لدور فعال ومؤثر في المنطقة، وهذا يتطلب نظرة جديدة ومختلفة من الولايات المتحدة حيالها، وتقرّ بدورها ومكانتها الإقليمية والدولية.