محاكمةُ يسوع الناصري

محاكمةُ يسوع الناصري

06 ابريل 2021
الصورة

مشهد من مسرحية في بافاريا الألمانية يجسد محاكمة يسوع (Getty)

+ الخط -

"الجمعة العظيمة"، "أسبوع الآلام"، "الجمعة الحزينة"، كلُها تسمياتٌ تشير إلى الأسبوع الأخير في حياة يسوع الناصري، ويبدأ يوم أحد الشعانين مع ذهابه برفقة تلاميذه إلى أورشليم للاحتفال بعيد الفصح اليهودي، وينتهي بقيامته من الموت يوم الأحد بحسب الدين المسيحي، بعد محاكمته، ثم صلبه ودفنه يوم الجمعة.
إثر القبض عليه ليل الخميس في بستان الزيتون، بوشايةٍ من تلميذه يهوذا الإسخريوطي، دامت محاكمة يسوع نحو 18 ساعة، وأقيمت على مرحلتين، إذ توزّعت بين محاكمة دينية وأخرى مدنية، تضمنت كلٌّ منهما ثلاث جلسات. المحاكمة الدينية أجراها مجلس السنهدريم، أو المحكمة اليهودية العليا ممثّلة بكبار الكهنة والكتبة وبأبرز قادة المجلس الأعلى لليهود، وقد اتّهمت يسوع "بعزمه على هدم الهيكل"، وهو ما تعاقب عليه الشريعة اليهودية بالموت رجمًا بالحجارة. إلا أن يسوع مات صلبًا، بحسب القانون الروماني الذي يطبّق هذه العقوبة حصرًا على العبيد وغير الرومان، باعتباره أكثر أنواع الموت تحقيرًا وخزيًا.
لقد بدأ الناصريُّ حياتَه العلنية والتبشيرية بعمادته على يد يوحنا المعمدان في نهر الأردن، وقد لاقت عظاتُه صدىً كبيرا في منطقة الجليل، حيث اجتمع من حوله عددٌ من الأتباع، بالإضافة إلى تلاميذه، وكانوا من كل الفئات الاجتماعية، ويرمز عددُهم إلى رغبته بتوحيد قبائل إسرائيل الاثنتي عشرة. بعد مرور نحو عام على نشاطه التبشيريّ، شعر يسوع أن الكتبة والكهنة يكنّون له العداء، ويمارسون ضغوطا لفضّ الناس من حوله، ثم تأكّد له ذلك مع مقتل يوحنا المعمدان الفجائي وقطع رأسه بعد سجنه أشهرا عدة، فانسحب إلى المنطقة الصحراوية على حدود الجليل، في الجانب الآخر من نهر الأردن، يرافقه بعضٌ من أتباعه المخلصين. كان يسوع قد أمضى سنوات عمره الثلاثين في الناصرة، وهي قريةٌ صغيرة في الجليل، كان ملكها هيرودوس أنتيباس، ابن هيرودوس الكبير. نقول سنوات عمره الثلاثين، وليس الثلاث والثلاثين كما هو شائع، لأن الدراسات التاريخية أثبتت أن ولادته لا تقع في العام صفر بحسب ما حدّدها، خطأً، الراهبُ دوني لوبوتي في القرن السادس، وإنما في العام 4 أو 6، وهو ما يجعل تاريخُ موته في العام ثلاثين، عشيّة عيد الفصح.
لم يكن يسوع معنيا بالشأن السياسي، أو بالاضطرابات التي كانت تسود تلك الحقبة، وكان جلّ اهتمامه منصبًّا على تبشيره بملكوت الربّ القادم، ذاك الذي يتّسع للجميع، ويحكمه إلهٌ محبٌّ وغفور يساوي بين أبناء البشر، أيا كانوا. وهو ما استفزّ، من جهةٍ، كهنة مجلس السنهدريم وأعضاءه الذين كانوا يمارسون فوقيّةً تمنحهم الحقّ الأوحد والحصريّ بتفسير النصوص وتوجيه الناس إلى كيفية تطبيق شريعة موسى، كي لا يحيدوا عن الصراط المستقيم، وما خيّب من الجهة الأخرى المنخرطين في تحرّكات سياسية، وقد ظنّوا يسوع قائدا ومُلهما سوف يقودهم والشعب إلى تحرير فلسطين من نير الحكم الروماني. خلال زياراته السابقة إلى أورشليم، كان الناصري قد أوشك أن يتعرّض للرجم الفجائي أكثر من مرة، لكنه عزم مع ذلك على مواجهة المؤسّسة الدينية التي رفضت استقبال دعوته، وقرّرت أن تستغلّ زيارته، فتقبض عليه، وتقوم بمحاكمته، والحكم عليه بالموت، على أن تتولّى السلطات الرومانية تنفيذ الحكم. وهذا ما تمّ، فبعد أن كان بيلاطس البنطي قد نفض يديه "من دم هذا الصديق"، أمر بصلبه بدافع سياسي، وقد رأى فيه خطرا لادّعائه أنه ملك اليهود، في حين لا ملك سوى قيصر، وتخلّصت السلطةُ اليهودية الدينية منه، لأنه هدَّد وجودها بالدعوة إلى نقض تعاليمها وتعاليم الشريعة.
يسوع هذا، ابن الإله الذي يموت ولا يُميت، يسامح ولا يعاقب، يحب ولا يكره، جعل البشر جميعهم في نظره متساوين، معتبرا أن إخوته الصغار هم الفقراء والضعفاء والمرضى والمنبوذون. وقد بات رمزا ثوريا في نظر كثيرين ضد اللاعدالة والظلم والتمييز، هو الذي لم يصبُ إلى سلطةٍ، وما سعى إلى مجد، وما نشد يوما سوى "مملكة ليست من هذا العالم".