ماذا لو كانت عبير موسي رجلاً؟

ماذا لو كانت عبير موسي رجلاً؟

07 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

آخر ما يهمّ أن نعرفه في اعتداء النائب التونسي، الصحبي سمارة، على رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، داخل البرلمان، هو إلى مَن ينتمي سمارة هذا؟ أمستقل هو أم "إخواني" مثلما لا يتعب في تكراره إعلامٌ مصابٌ بالوسواس الإسلامي المرضي؟ هل كان فعلاً شبّيحاً عند زين العابدين بن علي، أي "رفيق نضال" لضحية عنفه وذكوريته، عبير موسي نفسها، مثلما تقرأ في مواقع تونسية، أم أنه انشقّ عن "ائتلاف الكرامة"، الحزب الإسلامي المحافظ والذي يقف على يمين حركة النهضة، لأنه صار يعتبر حزبه مرناً زيادة عن اللزوم في القضايا الاجتماعية والتحرّر وحقوق المرأة؟ هل استقالته من "الكرامة" كانت مجرّد مناورة لم تنهِ وحدة الحال والتفكير، بدليل مسارعة زميله من الحزب المذكور، سيف الدين مخلوف، إلى الإمعان في ضرب موسي ركلاً؟ هذه عيّنة من الأسئلة التي تنتشر كالأمراض المعدية منذ الثلاثين من يونيو/ حزيران الماضي، تاريخ الفعلة الدنيئة التي تعمّق جروح التجربة التونسية الناجية نسبياً من خناجر الثورات المضادّة.

كلام آخر محبط تعثر عليه بوفرة، هو من صنف التبرير الذي يتكرّر في كل مرة يحصل عنف، خصوصاً عندما تكون خلفيته جندرية، من رجل تجاه سيدة: هل تستحق عبير موسي الصفعة تلك؟ ألم تحصد ما زرعته من تعميم ثقافة الكراهية في تونس حيال كل شأن؟ ألم تسعَ موسي، عبر الاستفزاز الذي مارسته في تلك الجلسة البرلمانية مثلما تفعل منذ سنوات، إلى الحصول على السبق السياسي ــ الصحافي المتمثل بالاعتداء عليها، لتكبر شعبيتها ولتراكم مظلوميتها ولتضاعف من الأحقاد تجاه كل ما يمت للثورة التونسية بصلة، وكل ما لا يشاطرها التحريض على الديمقراطية وكره مكتسبات الثورة التي جعلت شخصاً شعبوياً مثلها يكون رئيس كتلة برلمانية من 16 نائباً في أكثر بلد ديمقراطي عربياً؟

عبير موسي شعبوية كارهة للديمقراطية التي تتيح لها كل هذا الأوكسجين السياسي الذي تتنفسه، و"مناضلة" ضد المؤسسات الدستورية التي هي جزء منها، وصاحبة ولاء مطلق لنظام ديكتاتوري فاسد ومجرم من صنف عصابة بن علي، وتتبنّى رواية عواصم أجنبية لمحاربة أي تغيير ديمقراطي في العالم العربي، ثم تنذر حياتها ونفسها ووقتها لكل سلوك وموقف ضد ممثلي ملايين من التونسيين (معسكر الثورة بما فيه الإسلاميون)، ولتطلب عوناً من الخارج ضد أبناء بلدها. المفارقة أن ممثلي هؤلاء لم يسجنوها ولا حاكموها على ماضيها البائس الذي تتفاخر به، بل سمحوا لها بتأسيس حزبٍ يقوم دستوره على معاداة إنجازات الديمقراطية، وتعطيل أعمال البرلمان بما يليق بشخصية شعبوية تتملكها بارانويا حيال كلمة إسلاميين. لكن هذا كله لا علاقة له باعتداء ذلك الصحبي سمارة وزميله سيف الدين مخلوف عليها. اعتداؤهما لم يكن عنفاً سياسياً "عادياً"، بل قبل ذلك عنف ذكوري جندري. إدانة العنف السياسي واجبة في حال وُجدت نية لبناء نظام ديمقراطي، لكن الإدانة الصادقة للعنف الذكوري لها أولوية. العنف السياسي "العادي" كريه، لكنه يحصل في برلمانات ديمقراطية راسخة. أما العنف الذي ينمّ عن نظرة دونية متخلفة إلى المرأة، فعلاجه أصعب ومعانيه الاجتماعية أخطر.

أضعف أنواع الأسئلة في السياسة والتاريخ هي تلك القائمة على فرضية "لو". لكن هامشاً من التمرين الذهني يسمح بتجاوز الضوابط الصارمة ليُطرح سؤال: لو كانت عبير موسي رجلاً، هل كان سمارة ومخلوف ليقوما بما اقترفاه؟ أيضاً بقليل من المغامرة، أمكن ترجيح الجواب السلبي، وإلا لكانت دارت معارك عديدة تحت قبة البرلمان بين ذكور نواب حزب "قلب تونس" وزملائهم في "الكرامة"، أو بين برلمانيي "النهضة" والحزب الدستوري مثلاً.

واجب تبرؤ معسكر الديمقراطية في تونس من النائبين مرتكبَي فعلة الاعتداء فعل ضروري لا يقلّ قيمةً عن وضع الناخبين حدّاً لهذه الظاهرة الشعبوية اللاديمقراطية التي ترمز إليها عبير موسي، وكل ظاهرة لا ديمقراطية أخرى في تونس، أكان طابعها يسارياً أم إسلامياً أم يمينياً وقومياً، في صناديق الاقتراع، لا في حلبات المصارعة، ولا في مختبرات التخلف.