ماذا بعد نشر تقرير خاشقجي؟

06 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

أسباب عديدة دعت إدارة الرئيس الأميركي، بايدن، إلى اتخاذ قرار بنشر تقرير كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية قد أعدّته حول جريمة اغتيال الكاتب السعودي، جمال خاشقجي، الذي كان صحافيا مرموقا، يكتب عمودا منتظما في واحدة من أكبر الصحف الأميركية، واشنطن بوست. وكان يقيم في الولايات المتحدة، قبل استدراجه إلى تركيا لاغتياله فيها. ووصلت بشاعة الجريمة في حقه إلى درجةٍ فاقت أكثر خيالات البشر جنوحا، أو حتى جنونا، فقد ارتكبت داخل مقر رسمي لبعثة دبلوماسية لدولة يحمل ملكها لقب "خادم الحرمين الشريفين". ولم يتم الاكتفاء بالقتل وإنما جرى تقطيع جثة المغدور به، بواسطة خبير أوفد إلى إسطنبول خصيصا لأداء هذه المهمة. ولم يعثر للجثة على أثر. وقيل إن القتلة أذابوها في حامض، أو أدخلوها في فرن لصهر المعادن! ولأن معظم الوقائع والتفاصيل المحيطة بملابسات هذه الجريمة النكراء، بما في ذلك محاولات الرئيس الأميركي السابق، ترامب، التغطية على تورط ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، فيها، كانت قد أصبحت متداولة لدى معظم شرائح الرأي العام العالمي، فقد كان من الطبيعي أن تتحوّل إلى موضوع للمزايدة في حملة انتخابات الرئاسة الأميركية التي جرت في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2020، وهي الحملة التي تعهد خلالها بايدن بأن يجعل النظام السعودي "يدفع ثمن جريمته".

جاء رد فعل السلطات السعودية على تقرير خاشقجي تبريريا بامتياز

يفترض أن بايدن، حتى قبل انتخابه رئيسا، كان يدرك، تمام الإدراك، أن السعودية حليف مهم وقوي، ولا يمكن الاستخفاف به أو الاستغناء عنه، ومن ثم عليه أن يعالج قضية خاشقجي بحكمة وحذر شديدين، واتخاذ كل ما هو ضروري لتجنب أن تؤدّي هذه المعالجة إلى قطيعة كاملة بين البلدين، وهو ما قد يفسّر لنا لماذا انتظرت إدارته شهرا كاملا قبل أن تقرّر، في النهاية، نشر تقرير استخباراتي أميركي رسمي، يستنتج بوضوح تام أن عملية اغتيال خاشقجي تمت بعلم وموافقة مسبقة من محمد بن سلمان. أما وقد نشر التقرير الآن وأصبح معلوما للكافة، فقد بات على الجانبين، الأميركي والسعودي، أن يتعاملا سياسيا وأخلاقيا مع النتائج والمسؤوليات المترتبة على هذا النشر، ما بعد النشر، أو بالأحرى مع المأزق الذي تسبب فيه هذا النشر لكلا الطرفين!

على الجانب الأميركي، لفت أنظار المراقبين: حرص الرئيس بايدن على الاتصال مباشرة بملك السعودية، سلمان بن عبد العزيز، وتجنب الاتصال بولي العهد. تضمين فحوى التقرير "تقييما assessment"، مفاده أن محمد بن سلمان "وافق على approved" عملية جرت في إسطنبول لخطف جمال خاشقجي أو قتله، وخلوه من الإشارة إلى الأدلة التي استند إليها للتوصل إلى هذا الاستنتاج. قصر العقوبات التي قررت إدارة بايدن فرضها بعد نشر التقرير، وهي عقوبات محدودة على أية حال، على المتورّطين المباشرين في تنفيذ العملية، وعدم شمولها للمسؤول الذي وافق عليها أو سمح بها، محمد بن سلمان، فلولا موافقته المسبقة على هذه العملية لما تمّت أصلا. صدور تصريحات لاحقة لمسؤولين في إدارة بايدن تفيد بأن الولايات المتحدة طلبت رسميا من السعودية حل "قوات التدخل السريع" التي يهيمن عليها محمد بن سلمان، باعتبارها الجهة المنفذة لعملية الاغتيال، وأخرى تشير إلى أن الولايات المتحدة تحتفظ لنفسها بالحق في اتخاذ إجراءات لاحقة، كلما بدا لها ذلك ضروريا. أو، بعبارة أخرى، الإبقاء على الملف مفتوحا.

يفترض أن بايدن، حتى قبل انتخابه رئيسا، كان يدرك، تمام الإدراك، أن السعودية حليف مهم وقوي، ولا يمكن الاستخفاف به أو الاستغناء عنه

على الجانب الآخر، جاء رد فعل السلطات السعودية على تقرير خاشقجي تبريريا بامتياز، فقد أصدرت وزارة الخارجية بيانا يؤكّد على "رفض السعودية القاطع ما جاء في التقرير"، ويصف الاستنتاجات التي توصلت إليها أجهزة الاستخبارات الأميركية بأنها "مسيئة وغير صحيحة وغير مبرّرة". وبعد أيام قليلة من صدور هذا البيان، نشرت مواقع إخبارية عديدة تصريحاتٍ لمسؤولين سعوديين، حاليين وسابقين، منهم السفير الحالي لدى الأمم المتحدة، عبدالله المعلمي، والسفير الأسبق لدى الولايات المتحدة والرئيس الأسبق للاستخبارات، الأمير بندر بن سلطان، يمكن الاستناد إليها لعرض جهة النظر الرسمية للدولة السعودية، وذلك على النحو التالي:

يعد ما حصل لخاشقجي جريمة نكراء "شكلت انتهاكًا صارخًا لقوانين المملكة وقيمها"، وبالتالي لا يجوز التغافل عنها أو إهمالها. المجموعة التي ارتكبت هذه الجريمة النكراء "تجاوزت كافة الأنظمة، وخالفت صلاحيات الأجهزة التي كانوا يعملون فيها"، وبالتالي لا دخل للقيادة السياسية في ارتكابها. لم تقصّر الدولة السعودية في اتخاذ كل الإجراءات القضائية اللازمة للتحقيق مع مرتكبي الجريمة وتقديم أفرادها للعدالة، "فقد صدرت بحقهم أحكام قضائية نهائية رحبت بها أسرة خاشقجي". لا يعد تمسّك السعودية بحقها في محاكمة الجناة على أرضها أمرا غير مألوف، بل هو أمر يتسق مع القوانين والأعراف الدولية، فالسعودية "لم تفعل أكثر مما فعلت الولايات المتحدة، والتي طالما تمسّكت بحقّها السيادي في رفض محاكمة جنود أميركيين أمام قضاء غير أميركي، بما في ذلك قضاء الحلفاء .. لأن الأصل في هذا الموقف هو الاعتبار السيادي للدولة، وليس الثقة أو عدم الثقة بالقضاء الآخر". لا يحتوي التقرير المنشور الذي أعدته وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) على "مجرّد تقييمات وليس لائحة أدلّة." لا تختلف الجريمة التي ارتكبت في حق خاشقجي عن حوادث كثيرة مماثلة، انطوت بدورها على جرائم ارتكبها ضبّاط كبار أو جنود أميركيون، في سياق عمليات عسكرية أو أمنية حصلت على موافقة من أعلى السلطات الأميركية (كحادثة سجن أبو غريب). فارتكاب هذه الجرائم "لم يعنِ بتاتا أنّ المسؤول عنها هو الرئيس الأميركي بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلّحة". يكفي الأمير محمد بن سلمان شرفا أنه اعترف بمسؤوليته السياسية أو المعنوية عما جرى، باعتباره الحاكم الفعلي للبلاد، واتخذ الإجراءات التي تضمن عدم تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل. ومن ثم من الطبيعي أن تعتبر المملكة العربية السعودية أن ملف القضية قد أغلق، ولا سبيل لإعادة فتحه مرة أخرى.

وجدت إدارة بايدن نفسها، بمجرد أن وضعت قدمها في البيت الأبيض، في وضع يفرض عليها إعادة فتح ملف قضيةٍ كانت إدارة ترامب قد تعمّدت إغلاقه

هنا تكمن المفارقة التي تضع الولايات المتحدة والسعودية على طرفي نقيض، فإدارة بايدن وجدت نفسها، وبمجرد أن وضعت قدمها في البيت الأبيض، في وضع يفرض عليها إعادة فتح ملف قضيةٍ كانت إدارة ترامب قد تعمّدت إغلاقه لحماية ولي عهد سعودي، تربطها به علاقة سياسية ومالية خاصة. أما السلطات السعودية فكان عليها أن تتعامل مع هذا الملف من موقع رد الفعل، باعتباره قضيةً منتهيةً، سبق حسمها وفقا للقوانين والأعراف الدولية المعمول بها في مثل هذه الحالات. وبالتالي، تعتقد أنه ليس لديها ما تضيفه إلى هذا الملف، بل وليس عليها أن تتخذ أية إجراءات إضافية، قد تطالب بها أو تطلب منها.

غير أنه ليس من الواضح بعد ما إذا كان الهدف النهائي للإدارة الأميركية الجديدة، حين قرّرت إعادة فتح هذا الملف، هو إعمال العدالة في قضية خاشقجي، الأمر الذي قد يفرض عليها أن تتحرّك في اتجاه العمل على تشكيل محكمة دولية لإعادة محاكمة المتهمين والمتورّطين في هذه القضية، مثلما فعلت من قبل في قضية لوكربي مثلا، وهو ما سترفضه السعودية رفضا قاطعا، بل وقد يؤدّي إلى قطيعة بين البلدين، أم أن المقصود هو مجرّد ممارسة قدر من الضغوط، تكفي لحمْل المملكة على التعاون معها لإيجاد مخرج دبلوماسي لقضيةٍ شائكةٍ ما تزال تشغل بال الرأي العام العالمي، بما في ذلك الرأي العام الأميركي نفسه؟

أظن أن خيارات بايدن على هذا الصعيد تبدو محدودة. يبدو أنه يحصرها في هذه المرحلة على طلب القيام بإصلاحات جوهرية في المملكة، خصوصا في الأمور المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. لكنه يدرك أن جميع خياراته ستفضي، في النهاية، إلى مأزق لا فكاك منه. فماذا لو أصبح محمد بن سلمان ملكا على السعودية، وكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع ملك دولة حليفة متهم في وثيقة أميركية رسمية بأنه "وافق على عملية اختطاف أو قتل خارج نطاق القانون؟". تلك هي المعضلة التي يحاول بايدن الهروب منها، أو التنصل منها، في الوقت الحاضر, لكنه سيجد نفسه مضطرا للبحث عن حلٍّ ملائم لها، إن آجلا أو عاجلا.