ليبيا وكوراساو .. الشيء بالشيء يُذكر

ليبيا وكوراساو .. الشيء بالشيء يُذكر

10 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

ساقتني الأقدار يوماً إلى زيارة جزيرة كوراساو في جنوب البحر الكاريبي، وهي إحدى جزر ثلاث يطلق عليها "جزر ABC"، كوراساو، أروبا، بوناير. تتمتّع بالحكم المحلي، إلّا أن مملكة هولندا تشرف، بشكل كامل، على الأمور السياسية والاقتصادية فيها، بدءاً من الانتخابات البرلمانية إلى إعداد الميزانية إلى العلاقات الخارجية وغيرها. وخلال هذه الزيارة، لفت نظري، على مدى يومين متتاليين، آلاف المتظاهرين في العاصمة فيليمستاد، يحملون لافتاتٍ يبدو أنّها كُتبت باللغة الهولندية التي لا أعرف منها سوى "خودمورخا" وتعني صباح الخير. وتزامنت التظاهرات مع إغلاقٍ شبه كامل لمعظم المحلات والمطاعم في المدينة. تبينتُ الأمر، فإذا بها تظاهرة أُعُدّ لها مسبقاً، للمطالبة بالبقاء تحت التاج الهولندي، بعدما تسرب أن السلطات الهولندية تدرس منح الاستقلال للجزيرة.

تذكّرت الحادثة، وأنا أتابع ردود فعل الليبيين على قانون دعم الاستقرار في ليبيا، الذي صادق عليه مجلس النواب الأميركي، المقدّم من لجنة الشؤون الخارجية في المجلس. تباينت الردود، وإنْ رحبت، في مجملها، بهذا القانون، بما فيها موقف رئيس حكومة الوحدة الوطنية، الذي "غرّد" قائلاً: "أكد الكونغرس الأميركي دعمه لتحقيق الاستقرار في ليبيا، بإقراره قانون الاستقرار الذي يمكّن السلطات الأميركية من ملاحقة الجهات المعرقلة لتحقيق الاستقرار في ليبيا". رحب معظم الليبيين بهذا القرار ليقينهم، حسب تجاربهم السابقة، أنه لا يمكن لمتصدّري المشهد في البلاد التوافق أو التنازل، ما لم تقم الدول الكبرى، وفي مقدمتها أميركا، بدور ضاغط للاتفاق، ومهدّد لمعرقليه، مستشهدين بتجربتين تؤكدان هذه الفرضية، تفسّران هذا الترحيب، عندما تولت الممثلة الخاصة لأمين عام الأمم المتحدة بالإنابة، الأميركية ستيفاني وليامز، الملف الليبي، وقبل ذلك في أثناء مغادرة السفيرة الأميركية، ديبورا جونز، طرابلس.

لا يمكن لمتصدّري المشهد في البلاد التوافق أو التنازل، ما لم تقم الدول الكبرى، وفي مقدمتها أميركا، بدور ضاغط للاتفاق، ومهدّد لمعرقليه

في التجربة الأولى، لا يزال الليبيون يذكرون ويتذكّرون كيف حاول كثيرون من مبعوثي الأمم المتحدة مساعدة الأطراف الليبية في الوصول إلى كلمة سواء، لتجنيب البلاد والعباد مآسي اقتصادية وسياسية واجتماعية، نتجت عن الانقسام والتشظّي اللذين ألقيا بظلالهما على كل مظاهر الحياة، إلا أن تعنّت هذه الأطراف حال دون ذلك، إلى أن عُينت ستيفاني في موقعها ممثلة خاصة بالإنابة، ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، خلفاً للبناني غسّان سلامة الذي استنفد كل ما لديه من محاولاتٍ للتقريب بين الفرقاء المتنازعين على السلطة والثروة. وعلى الرغم من أن أكثر المتفائلين حينها لم يتوقع أن تكون حظوظها أكثر من سابقيها، إلا أنها، بعد عام واحد من تولي مهمتها، استطاعت حلّ ألغاز المشكل الليبي، واحداً تلو الآخر، ونجحت في وضع قطار المصالحة على مسار الانتخابات العامة، المؤمل أن تجرى في 24 ديسمبر/ كانون الأول المقبل. وعزا كثيرون ذلك إلى جنسية ستيفاني وليامز، التي لعبت دوراً بارزاً في موافقة الفرقاء على الجلوس إلى طاولة التفاوض، خوفاً أو طمعاً.

التجربة الثانية، ولا تزال تفاصيلها ماثلة أمام أعين ليبيين كثيرين، تعود إلى عام 2014، حيث كانت العاصمة طرابلس تشهد معارك عنيفة، في ما يعرف بحرب "فجر ليبيا"، معارك استعملت فيها كلّ أنواع الأسلحة، بما فيها الطائرات، ولم تنجح كل محاولات شيوخ القبائل، ومؤسّسات المجتمع المدني، ودول عربية شقيقة، في إيقاف الحرب، حتى لأيام معدودة فقط، لإعطاء فرصة للعائلات العالقة للخروج من مواقع الاشتباكات، وظلت الحرب مستعرةً من دون توقف، إلى أن ساد هدوء غير معهود بين جميع الأطراف، وصمتت أصوات المدافع والقنابل، ولم تحلّق الطائرات كعادتها، ولم تجرؤ الآليات العسكرية على التحرّك، وسط ذهول الجميع واستغرابهم، وتساؤلهم فيما إذا كان ذلك صحوة ضمير، إلى أن عُرف السبب، وعندها بطل العجب، فذلك التوقف والهدوء لم يكونا من أجل الأبرياء، ولا استجابة لصراخ الأطفال وعويل النساء، ولا لتغليب صوت العقل، ولا نزولاً وتقديراً لتوسّلات شيوخ القبائل، بل كان لتأمين خروج السفيرة الأميركية، ديبورا جونز، من العاصمة، ذلك الخروج الذي لم يتمناه الأبرياء والمدنيون، لأنهم يعرفون دلالاته، فوجود هذه السفيرة يمثل صمام الأمان، ويرسم خطوطاً حمراء لا يمكن للمليشيات المسلّحة أن تتجاوزها. أما خروجها فيعني أن المسلّحين سيفعلون ما يؤمرون، وسيظهرون على الأبرياء والمدنيين لا يرقبون فيهم إلّاً ولا ذِمّةً.

صادق مجلس النواب الأميركي على قانون دعم الاستقرار في ليبيا، المقدّم من لجنة الشؤون الخارجية في المجلس

هاتان التجربتان، وغيرهما من أحداث عاشها الليبيون بكل تفاصيلها، الأمر الذي جعل كثيرين منهم يستبشرون خيراً بصدور القانون الأميركي أخيراً، لأنهم يدركون جيداً أن متصدّري المشهد في ليبيا سيفكرون أكثر من مرة، قبل أن يقدموا على فعل ما تعوّدوا على فعله طوال العشر سنوات الماضية، من عرقلةٍ لكل المساعي التي حاولت جسْر الهوّة بينهم، ويعرف الليبيون أيضاً أن هؤلاء يخافون أميركا، ولا يخافون المواطن الذي خدّروه، وأرهبوه، وجعلوه يلهث وراء حاجاته الضرورية، تتوزّع حياته بين طوابير الغاز والوقود والسيولة. أما الحرية والتداول السلمي على السلطة والتعبير عن الرأي فذلكم كله ترفٌ لا يفكّر فيه.

وجدير بالذكر أنه، على الرغم من كل هذا الإحباط، هناك أصوات، وإن كانت قليلة، ارتفعت، على استحياء، مطالبةً الولايات المتحدة وباقي الدول الكبرى بعدم التدخّل في الشأن الليبي، معتبرةً القانون الذي أصدره مجلس النواب الأميركي تدخلاً سافراً في بلد عضو في الأمم المتحدة، وأن ما تقوم به أميركا وغيرها لم ولن يكون من أجل سواد عيون الليبيين، بل تحرّكات تخدم مصالحها الاستراتيجية في هذه البقعة، لأهميتها الاقتصادية والجيوستراتيجية الكبيرة.

في النهاية، ما بين مرحب بالقرار الأميركي مستبشرٍ به ومن يعتبره تدخلاً في الشأن الداخلي فيرفضه، قد يفرض السؤال البديهي نفسه: هل يمكن أن نشاهد مظاهرات تطالب بسرعة تبنّي هذا القانون الأميركي، ووضعه موضع التنفيذ، وبالتالي حث أميركا على التدخل، وعدم ترك الليبيين وحدهم يواجهون مسؤوليهم، على غرار ما حصل من مطالبات من شعب كوراساو؟