لبنان يبني "برلينه الصغيرة"

28 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

لمن يعرف لبنان جيداً عليه ألا يُصاب بالدهشة، إذا سقط التحقيق الجنائي في كل حسابات المصرف المركزي اللبناني، وتالياً كل حسابات الدولة اللبنانية منذ انتهاء الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990). تُصاب بالدهشة حين ترى محاسبةً حقيقيةً وملفاتٍ تصل إلى خواتيم سعيدة في القضاء اللبناني، وفتح أبواب السجون للفاسدين والمخالفين، لا العكس. علينا أن نفهم ذلك. لن تُرفع أي قضية ناجحة أبداً في ظلّ هذه المنظومة وهذا النظام. الجميع يغطّي على الجميع. الجميع متورّطٌ حتى النخاع في الفساد وسرقة الناس وودائعهم. ومخطئٌ من يظنّ أن براءة التفكير والنيات الحسنة، في دولةٍ خبيثةٍ مثل لبنان، قادرةٌ على تغيير المسار الانحداري، بل يحتاج إلى أمرٍ من اثنين: الاقتناع بأن لا شيء سيتغير طالما أن السلطة تعيد إنتاج نفسها بشكل دوري أو الهجرة.
انظروا فقط إلى كل المسارات السابقة التي دُشّنت قضائياً وسياسياً، وانظروا إلى مآلاتها ونهاياتها. لا شيء ينتهي. في ملف الأدوية، لا أحد يتابع ما يحتاجه الناس في لبنان، ولا أحد يرغب في تشكيل شبكة أمانٍ طبيةٍ تتيح للمواطن الشعور بالحدّ الأدنى بالحماية في ظلّ وضع اقتصادي متدهور. ولا ترغب الدولة أبداً بوقف تدهور سعر صرف الدولار، مع سرقتها ودائع الناس في المصارف. حتى أن السلع المدعومة بدأت تُباع خارج لبنان، على الرغم من إمكانية التحكّم بغلاء الأسعار، لكن الكارتيلات المحمية من النظام أقوى من القانون. وفي وقتٍ ينتظر فيه اللبنانيون عملا سياسيا ما، حكومياً أو برلمانياً، لنجدتهم، ماذا وجدوا؟ مناقشة قانون انتخاب جديد! إذاً، تريد الأحزاب اللبنانية إشاحة الأنظار عن الأزمات المعيشية والاقتصادية والطبية، ونقلها إلى ملعب القانون الانتخابي، بما يحويه من تصعيد لخطابٍ طائفيٍّ مقيت، فقط لمنع الناس من التفكير اجتماعياً، والتلويح بخوف كل طائفةٍ من الأخرى. لا يمكن التفكير بنظام، بما يحويه من موالين ومعارضين ومدّعي الاستقلالية، أكثر دناءةً من النظام اللبناني في العالم.
انظروا فقط إلى كيفية نشر الأحقاد بين اللبنانيين، عبر الحديث الدائم على مواقع التواصل الاجتماعي عن تاريخ لبنان، المختلف عليه بين مختلف الطوائف. لكل طائفةٍ نسختها الخاصة فيه، وكل طائفةٍ تدّعي امتلاكها الحقيقة الخالصة "المدعومة بكتب مؤرخين وأساتذة". وإذا كان النقاش حول التاريخ غير قادر على نصب المتاريس الفكرية واستيلاد الكراهية، فسلاح الاستعانة بالأعداد الديمغرافية لكل طائفةٍ موجود أيضاً، وهو سلاح حقُّ يُراد منه باطل. تعمل أحزاب النظام، جميعها من دون استثناء، على تعميق الخلافات بين اللبنانيين على مستوى القواعد، عبر توظيف أشخاصٍ في مواقع التواصل، يؤجّجون هذه الخلافات، تحت مسمّى "البحث عن الحقائق". في المقابل، تلتقي هذه الأحزاب، جميعها من دون استثناء، على الاتّحاد في مبدأ "تقاسم الحصص" السياسية والمالية. ولو قُيّض لكل من "يسكن" القواعد الشعبية، متابعة يوميات رؤوس هذه الأحزاب، كان سيرمي تأييده لهم خلال 24 ساعة، لما سيراه من تناقضاتٍ جمّةٍ بين كلامهم الموجّه إلى الناس وتواصلهم واتفاقاتهم الوثيقة.
وفي خضمّ هذا كله، تسعى هذه الأحزاب إلى تكريس سلطتها في المستقبل، حتى لو تدخل الخارج. يكفي كلام رئيس الجمهورية ميشال عون، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي عن أن "الحلّ الأمثل في إعادة تعمير بيروت (بعد انفجار مرفأها في 4 أغسطس/ آب الماضي)، هو تقسيم المنطقة المدمرة إلى بقع جغرافية، وتستلم كل دولة بقعة معينة لإعمارها". حسناً، بما أن فكرة التحوّل إلى "برلين مصغّرة" باتت مطروحةً جدّياً، تحت عناوين "إعادة الإعمار"، يبقى أمامنا بناء الجدران بين كل المناطق اللبنانية، وهو ما تفعله السلطة بتأجيج الخلافات الطائفية وخلق الانقسام الجذري بين اللبنانيين. فهل سنسمح في بناء مثل هذه الجدران؟ ألمانيا انتظرت نحو 30 عاماً قبل تدمير جدار برلين. لنرَ كم سننتظر.