كتابات في الظاهرة الاستبدادية

كتابات في الظاهرة الاستبدادية

23 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

استكمالا للهوامش على الظاهرة الاستبدادية، كان من المهم استعراض كتابات اهتمت بالظاهرة، وهي تشكل تنوعا في تناولها، وما يتعلق بها من تنوع المجالات ومجهر الاهتمام، مع الأخذ في الاعتبار توجهات مؤلفيها بتنوعاتها، وهي التي تساهم في تجلية الظاهرة بشكل أو بآخر، من دون أن يعني ذلك أن لا نقدم نقدا لبعض أفكار هذه الكتابات التي ربما مارس بعضها فائضا من التعميمات، وبعضها قد يمارس تحيزات مختلفة هنا وهناك، تنبع من انتماءات كتّابها الفكرية والسياسية والأيديولوجية، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية زوايا النظر تلك في تكاملها بالحديث عن الظاهرة الاستبدادية.

تضمّن كتاب "الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة"، تحرير علي خليفة الكواري (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005)، عدة موضوعات، أبرزها الإشارة إلى الجذور الدينية للاستبداد، والاستبداد في فكرة ولي الأمر، وفقه الغلبة وولاية الفقيه في الوقت الراهن. كما تناول موضوع الجذور الحداثية للاستبداد. وتناول الكتاب الوجه الباطني للاستبداد والتسلط، وأهمية تفكيك الاستبداد وإمكانيته. ورصد الكتاب الجذور التاريخية والثقافية للاستبداد، وكذلك مظاهر الاستبداد وتجلياته في الواقع العربي.

ربط عبد الحميد أبو سليمان، في "إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي" (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن، 2012)، بين إشكالية الاستبداد والفساد ومدى تلازمهما، بالإضافة إلى مراجعة مقولات الفكر الإسلامي. كما تعرض للموقف من الجماعات والحركات الإسلامية المعاصرة، وتناول التجربة التركية، وفرّق بين المدنية الإسلامية والليبرالية العلمانية.

وأشار إمام عبد الفتاح إمام، في كتابه "الطاغية" (عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1994)، إلى خطورة موضوع الطغيان، وكيف أن العالم الثالث، ماضيه وحاضره، تحت هيمنة هؤلاء الطغاة، حتى أن ظروف دول العالم الثالث، من أمية وغياب الوعي، تهدر الفرص التي تأتي للتخلص من "الطاغية"، بل وصل الأمر إلى الحديث عن إيجابيات الطاغية، وهو أمر يراه الكاتب لا قيمة له، مهما بلغت الإيجابيات، لأن الثمن باهظ جدا كما يراه، وهو ضياع الإنسان، مؤكدا أنه إذا كانت السلطة ضروريةً فعليها أن تحافظ على حريات الأفراد التي جاءت لحمايتهم.

أشار إمام عبد الفتاح إمام، في كتابه "الطاغية" إلى خطورة موضوع الطغيان، وبيّن كيف أن العالم الثالث، ماضيه وحاضره، تحت هيمنة هؤلاء الطغاة

ناقش دولة خضر خنافر مسألة الاستبداد في كتابه "في الطغيان والاستبداد والديكتاتورية" (دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1995)، من خلال التعريف بالمفاهيم الثلاثة التي تكون منها عنوان كتابه، مستعرضا رؤى الفلاسفة لتطور المفاهيم الثلاثة، وكيف أن كل مرحلة تاريخية عرفت أسبابا متطوّرة ومختلفة لهيمنة هذه الرؤى على المواطنين، مؤكّدا أن ترشيد السلطة وإقامة العدل بين الناس هو المشروع الأساسي لكل فلسفة سياسية ترغب في مكافحة العنف والظلم والقمع السياسي.

وأشار زهير فريد مبارك، في كتابه "أصول الاستبداد العربي" (دار الانتشار العربي، بيروت، 2007)، إلى جذور الظاهرة ما قبل الإسلام، وفي ظل سيادة النظام القبلي والعلاقات بين العرب والإمبراطوريات القديمة. كما استعرض نظرية الحكم في الدولة الإسلامية، مشيرا أيضا إلى ما سمّاها بطانة الحاكم ودورها في تعزيز الاستبداد، لافتا إلى أحد أطراف هذه البطانة، ممثلا في مثقف السلطة. وهو هنا يؤكد على أن للاستبداد أصولا عربية، ولا تزال هذه الظاهرة تحتاج إلى وقفه حقيقية لمواجهتها والتخلص منها، عبر تحجيم الأطراف والفواعل الحامية لها، سواء داخل السلطة أو خارجها.

أكّد إبراهيم البيومي غانم، في "ميراث الاستبداد" (فرست بوك، القاهرة، 2019)، أن للاستبداد ميراثا ثقيلا في تاريخ كل المجتمعات، ومنها مجتمعات الأمة الإسلامية قديما وحديثا، وهو ميراثٌ ثقيل من حيث حجمه المتراكم عبر قرون، ومن حيث أسبابه المتشعبة والضاربة في مختلف جوانب الحياة. وحرص الكتاب على تناول هذا الموضوع من خلال عدة موضوعات، تناولت الدولة المستبدّة ومساراتها التاريخية.

واعتبر كمال عبد اللطيف، في "تشريح أصول الاستبداد .. قراءة في نظام الآداب السلطانية" (دار الطليعة، بيروت، 2008)، أن قراءته الآداب السلطانية في المناهج الحديثة والأيديولوجية كفيلة بأن يبني تصوّرا معينا عن الفكر السياسي في الإسلام. وكتب أنه استطاع أن يصوغ خطابا توقف فيه عند عدد من الدلالات والأبعاد لمماثلة السلطان بالإله، وعلاقة هذه المماثلة بتدعيم النمط الاستبدادي في الحكم والدولة وتكريسه. وقد حاول إسقاط نظريات العصور الوسطى، وخصوصا نظرية الحق الإلهي للملوك على هذه المماثلة، مؤكّدا أنه ليس بالضرورة أن تكون المماثلة مطابقة تطابقا كاملا. ولكن، من وجهة نظره، يكفي أن تكون هناك بعض العناصر المشتركة، ولو كانت الاشتراك في اعتبار الديني ذا أولوية في موضوع علاقة السياسة بالدين.

من المهم استعراض كتابات اهتمت بالظاهرة الاستبدادية، وهي تشكل تنوعاً في تناولها، وما يتعلق بها من تنوع المجالات

وكان للمدخل المقاصدي حضور بارز في هذا المقام، تمثل في بعض الكتب المقاصدية ضمن مساراتها التجديدية في مواجهة الظاهرة الاستبدادية، سواء تعلق الأمر بارتباطها بمفاهيم بنائية، أو كذا ارتباطها بالمسالك المختلفة لتفكيك هذه الظاهرة؛ حيث حاول جاسر عودة، في "الدولة المدنية نحو تجاوز الاستبداد وتحقيق مقاصد الشريعة" (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2015)، تقديم أفكار تنبع من فهم مقاصدي وسنني لتعزيز ما يسميها دولة مدنية بمرجعية مقاصدية. وقد عمد خلال ذلك إلى نقد الأطروحات الإسلامية الحالية في مجال السياسة، مع وضعه تصوّرا عاما، يتضمن نموذجا مدنيا تعدّديا، في إطار سعيه إلى أن يتجاوز ذلك لتكوين وحدة إسلامية واسعة ومؤثرة في مسار البشرية، مؤكدا أن هذه الوحدة لا يمكن لها أن تتحقق إلا بالتخلص من الاستبداد، وإعادة تعريف النظام السياسي ليكون وسيلة لتحقيق مصالح الناس، من دون التنكر لتنوعهم. ولم يغفل الحديث عن قضية المرجعية الإسلامية، محاولا تقديم إجابة مقنعة وعملية تدعم ذلك التصور، وتساهم في تحققه. كما تناول محمد العبد الكريم، في "تفكيك الاستبداد .. دراسة مقاصدية في فقه التحرر من التغلب" (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2013)، ما سمّاه بنيان الاستبداد في إطار رصده التجربة السياسية التي عرفتها الدولة الإسلامية. كما رصد الكاتب قضية تفكيك الاستبداد، سواء من التقنيات أو النصوص، مشيرا إلى الآثار السياسية للاستبداد على التوحيد، وعلى أصول الشرع وقواعده، وعلى قيم الإسلام الكلية.

وأيضا لا يمكن لنا أن نُغفل الإشارة إلى ما يعرف بالتغلب في الفكر السياسي الإسلامي، أي الوصول إلى منصب الخلافة بالقوة والقهر. وقد بين أحمد أبا الخيل، في رسالته للماجستير في جامعة الملك سعود في الرياض في العام 2003 "التغلب: دراسة في الفكر السياسي الإسلامي"، أن هناك اتجاهين بين العلماء، يرى الأول أن من يغلب بسيفه ويجتمع عليه الناس ويسمى متغلبا تنعقد له الإمامة، وعلى الأمة أن تسمع له وتطيعه، في حين أن اتجاها آخر يرى أن الإمامة لا تنعقد للمتغلب، ويجب إرجاع الأمر إلى الأمة، لتختار من تراه مناسبا للخلافة عن طريق البيعة الشرعية. وقد أشار أحمد الريسوني، في مقالته "إمامة المتغلب بين الشرع والتاريخ" (الجزيرة نت، 20/3/2014)، إلى أن الإسلام لم ينصّ على مشروعية هذه الطريقة في تولي الحكم، ولا هو أرشد إليها ولا أقرّ وقوعها ولو في نازلة واحدة، فلا نجد شيئا من هذا لا في القرآن الكريم، ولا في السنة الشريفة، ولا في سنة الخلفاء الراشدين.