في رحيل حسن الفارسي

25 يناير 2021
الصورة

حسن الفارسي .. حنجرة موصولة بالسماء

+ الخط -

رحل عن دنيانا (الاثنين 18 يناير/ كانون الثاني الجاري) المقرئ العُماني، حسن الفارسي، عن عمر ناهز الثمانين عاما. وقد كان صوتا أزهريا بامتياز، وأنت تُنصت إلى ترتيله، تأخذك نبرات صوته رأسا إلى أصوات شيوخ المقرئين المصريين الرواد، أمثال عبد الباسط عبد الصمد وعنتر مسلم ومحمود خليل الحصري، فقد عاش الفارسي في القاهرة وتلقى فيها دراسة أزهرية حتى سبعينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من أنه حُرم من بصره في عمر مبكر، فإن ذلك لم يُفقده حماسة التعلّم وأخذ أصول القراءات والتجويد من مشايخ الأزهر وحفظ القرآن وترتيله بصوته المخلص للمدرسة المصرية التقليدية.
اشتهر حسن الفارسي، أيضا، بأناشيده الدينية وإحياء الموالد النبوية التي تسمّى (البرزنجي)، في قريته في ولاية المصنعة، الساحلية، وهي الولاية التي انطلق منها الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى البصرة، ونبغ فيها، وبلغ المرتبة التي نعرف، بفضل كشوفاته الثرية للغة الضّاد، نحويا وعروضيا ومعجميا.
وسيرا على منوال العلاقة التي جمعت المقرئ والمنشدَ الشيخ سيد النقشبندي بالملحن الشّهير بليغ حمدي، والتي تُوجت بإبداعهما الابتهالَ "مولاي إني ببابك قد بسطت يدي" (وغيره)، تعاون الراحل الشيخ حسن الفارسي مع مطرب عُماني يمتلك صوتا جهوريا ملفتا، هو الفنان عبد الله الصفراوي، الذي رحل عن دنيانا مبكرا، في بداية ثمانينيات القرن الماضي. وقد جمعت الرّاحلين علاقة وطيدة وتعاون مثمر، إذ كان الشيخ الفارسي يكتب أشعار الأغنيات التي يؤدّيها الصفراوي، وهي ذات طابع وطني، أقرب إلى الأناشيد. وإلى جانب الفارسي، يحضرني اسم "فقيه" آخر، كتب أولى القصائد التي غناها الصفراوي في بداية السبعينيات بعد تولي السلطان قابوس مقاليد الحكم، عبد المجيد الأنصاري.
عمل كذلك مقرئا في الإذاعة العُمانية، وسجّل، كما تورد سيرته في صفحات الإنترنت، لمجموعة من الإذاعات العربية. كثيرون، من معارف وأصدقاء وزملاء وطلبة، نعوا الفارسي في وسائل التواصل الاجتماعي. ومما قرأت من ذلك العبارة البليغة التي غرّد بها الرئيس الأسبق لصحيفة عُمان، حمود بن سالم السيابي، "رحلت حنجرة موصولة بالسماء".
لدي ذكريات مع الراحل، حين كان يدرّسنا التلاوة في مدرسة روي الثانوية في مسقط. ما كان يميز تلك الذكريات أنه كان ميالا إلى الابتسام وإلقاء النكات الخفيفة، ولكن هذا الميل إلى المرح يختفي، ما أن يبالغ الطلبة في شغبهم، فيظل واجما لحظة، ثم يستخدم حيلة عجيبة لإسكاتنا، حين يرفع يديه جهة سالفيه، وينطلق بتلاوة جهورية، وكأنها لأحد الشيوخ القرّاء المصريين الكبار الذين يجيد مجاراتهم بجدارة. تنجح الحيلة، فنظلّ ساكتين في خشوع روحاني، ثم ما إن ينتهي من قراءته حتى يبدأ الضجيج المبالغ فيه، منتهزين فرصة أن المعلم لا يمكنه أن يرانا. وأحيانا يخرج غاضبا يقوده أحد الطلبة، لكي يجلب لنا من يهدئ من فوضى الفصل، فكان مدير المدرسة صعب المراس، الراحل عبد المجيد الحصري، يتدخل بعقاب عشوائي، أو يتدخل، ناصحا ومذكّرا بمكانة المقرئ حسن الفارسي، مدرس اللغة العربية، الراحل أبو الوفاء القاضي، وهو أيضا كاتب وجمعته علاقة بالشاعر أمل دنقل، كما قال لنا. وقد كتب للتلفزيون العُماني مسلسلات ذات طابع أدبي، من أهمها حلقات وفيرة من مسلسل "الشعر ديوان العرب". 
ظل الشيخ حسن، طوال ذلك العام، يحاول إسكاتنا بهذه الطريقة العجيبة التي لا يمكن لأحد فيها أن يجرؤ على الكلام بسبب الحضرة القرآنية، وكذلك بسبب أن الصوت الجميل كان يدخلنا في عوالم روحانية بهيجة، لا يمكن أن تغادر الذاكرة بسهولة. ولم تكن الإعاقة، ومنها فقدان البصر، تمنع معلم القرآن في القرى العُمانية من أن يشقّ طريقه، ويفرض وجوده. وأتذكّر ما حكته لي جدّتي من أمي، أن زوجها (جدّي وكان فقيها) كان يأتي لبناته بمقرئ ضرير. وكانت هذه الطريقة تجلب كذلك بنات القرية ونساءها في الوقت الذي يوجد فيه هذا المقرئ، وأحيانا بأعداد غفيرة.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي