في ذكرى 17 تشرين

20 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

انتظرنا 17 تشرين الأول بفارغ الصبر. قلنا لا بد أن تكون الذكرى الأولى للانتفاضة اللبنانية التي اتّحدت ضدّ المنظومة الفاسدة، رافعة شعارها المحقّ، "كلّن يعني كلّن"، حدثاً جللاً، مناسبة استثنائية لعودة المواطنين إلى الشارع بقوة وزخم، انفجاراً شعبياً يحاسب الانفجار الكبير الذي دمّر بيروت في 4 أغسطس/ آب، وخلّف قتلى وجرحى وأرواحاً محطّمة مخلّعة بمثل ما هي المنازل التي نسفها.
جاء 17 تشرين، ثم مضى هزيلاً، منكسراً، شبه يتيم، فيما أعين معظمنا متسمّرة على شاشات محطّات التلفزيون التي باتت تنوب عنا في إبداء الرأي والتعليق والمساءلة والمناحة واللّطم. نتفرّج، و"الفرجة" هنا قد تكون التعبير الأصحّ، كأن لا علاقة لأغلبيتنا بما أصابنا جميعاً، كأنّ معظمنا مشاهدٌ لما وقع له هو المعتبر نفسه من أهل القتيل. لماذا لم ننزل إذاً جميعاً إلى الشارع، لنزلزل الأرض بدعساتنا وحناجرنا وهتافنا ضدّ من صادروا حاضرنا ومحوا مستقبلنا واغتالوا آمالنا واستباحوا أرزاقنا وأعمارنا، وما زالوا يفعلون؟ هل هو الخوف من كورونا، كما قال بعضُنا حياءً، مشيحاً بوجهه نحو الفراغ؟ هل هو اتّكالنا على أولادنا الذين نابوا عنّا في التظاهر والمحاسبة والمطالبة والصراخ اعتراضاً، آملين أن يتابعوا من بعدنا مسيراتٍ أدمت أقدامنا وأوصلتنا إلى مزيدٍ من الخراب؟ أم هو موتُنا الذي لم نستوعبه بعد وقد بات محتّماً، وإدراكنا العميق، بل يقيننا، بأنّ من سلبونا حياتنا ودمّروا أوطاننا وأفقدونا دمنا وتقاسموا جثثنا، باقون على صدورنا رغماً عن أنف الجميع، هم الذين أثبتوا أن صمودهم في الأذية والسوء والشرّ أقوى من صمودنا بكثير؟
ما اسمه، يا ترى، ذلك الشيء، تلك الحالة، التي تفصل المواطن اللبنانيّ عن واقعه وتجعله يتطلّع إليه وكأنه جارٍ لرجل آخر، لمخلوق غريب؟ ما هو ذلك الغشاء العملاق الذي يقتل البرودة والسخونة، ويلغي الأحاسيس وردود الفعل تجاه واقعٍ يبقبق بحمم بركانية تحرق حتى من البعيد؟ نتقابل في الشوارع، في المخازن، في مداخل العمارات وأمكنتنا المعادة، ونردّد الأمر نفسه، الشكوى ذاتها، نبرع في توصيف الواقع، في تشريحه، في نقده، وحتى في اقتراح حلول، وحين تأتي الفرصة كي نواجه، نكتشف كم نحن قلّة وعزّل وضعفاء، فهل هي حقاً لوثة الطائفة، الحزب، العشيرة، التي فتكت بنا وأنهتنا كلية كشعب؟
لم تقضِ علينا الحروبُ الهمجية التي شوّهت وبترت وقطّعت وسحلت، ولا أنهتنا الصفقاتُ الدموية التي أجريت فوق جثث أطفالنا، إذ ترانا وقد نهضنا ولملمنا خساراتنا التي لا تُحصى، وعاودنا المسير مدجّجين بضوء أملٍ شحيحٍ، نرتشف منه بضع قطراتٍ لنتغلّب على العطش والإهانة والإنهاك. أجل، انفجار مدينتنا كان فوق الاحتمال، وتهاويها بعد كسر أقدامها، ما زال مشهداً يفتّت الروح. لقد نزعوا منها ومنّا آخر اختلاجة، آخر ارتعاشة، الرمق الأخير، وأخضعوا مُهرتَنا الجميلة، وقد أوثقوا قوائمها وكووها بالنار. مدينتنا أُركعت، فاستسلمت فرسُ أرواحنا وركنت. عاصمتُنا التي أزحنا عنها الردمَ، وأعدنا تبنّيها وإن لم تُبنَ لنا، مودّعين الدمارَ والجراح، آملين أن تندمل إلى غير رجعة، وقعت. كنا ندرك أن سلامَنا عملية قسرية، قيصرية، لكننا أغمضنا أعيننا وآمنّا به، فقط كي ننسى ما جرى، متنكّرين للماضي، متفادين نكء الجراح والعودة إلى الوراء.
ومع ذلك، هل باتت انتفاضة 17 تشرين مناسبة للذكرى والاحتفال؟ قطعاً لا، فنحن لم نمت كلّية، وإن كنّا نتحرّك كالموتى، وأبصارُنا لم تُغشَ تماماً، وإن كنّا نتقدّم مثل عميان. إنه فقط هذا الليل الطويل الذي لا ينتهي، ومذاق الملح الذي صبغ حيواتنا كلّها منذ الولادة، وتلك اللعنة اللئيمة المقيمة، الشبيهة بلعنات آلهة الإغريق النزقة، الظالمة، إذ تُنزل بأبطال التراجيديات.