في العراق يريدون وطناً

21 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

عندما يشدّد علماء السياسة وممارسوها على أهمية احتكار الدولة مشروعية استخدام القوة، فإن لهذا الأمر مبرّراته. في هذا المجال تحديدًا، لا يوجد رأي، ولا يسمح بديمقراطية، ولا تُقبل أي تعدّدية، لأن في ذلك سقوطا للدولة وانهيارا للنظام العام. والواقع أن نشأة الدولة الحديثة نفسها، في جانبها المؤسّسي، ترتبط بفكرة تخلي الناس عن بعض حرياتهم، غير المقيدة في حالة الطبيعة، مقابل قيام كيان اسمه الدولة ينظّم الفوضى (فوضى استخدام القوة)، ويحقق الأمن والنظام في المجتمع، ويكون على مسافةٍ متساويةٍ من جميع المواطنين. وإذا عجزت الدولة عن تحقيق وظيفتها الأساسية التي يرتبط وجودها بها، تتحول إلى دولة فاشلة، فيلوذ الناس بغيرها (سواء داخل حدودها أو خارجها) طلبا للأمن والحماية، وهو ما نشهد وقوعه هذه الأيام في العراق، حيث باتت الدولة مهدّدة فعليا بالسقوط، بتحوّلها الى هياكل صورية عاجزة عن فرض إرادتها، وضبط المليشيات التي يبدو أنها تنفلت من عقالها. فلم تعد الدولة قادرةً على حماية البعثات الدبلوماسية التي تعد ضيفةً على أراضيها، ولا هي قادرة على حماية حياة مواطنيها من مجازر بشعة، كالتي وقعت قبل أيام في محافظة صلاح الدين.

أخذ العراق، منذ انتفاضة محافظات الجنوب على حكومة عادل عبد المهدي في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، يتجاوز انقساماته الطائفية التي فتكت به، منذ الغزو الأميركي وحتى سقوط تنظيم الدولة الإسلامية (2003 - 2018)، أقله على مستوى الشارع، ولم يعد النقاش بشأن من يحكم العراق، السنة أم الشيعة، وإنما في أن يكون هناك دولة أو لا دولة. وقد برز ذلك من خلال الشعارات التي رفعها شباب الانتفاضة في محافظات الجنوب، واختصروها في شعارهم "نريد وطنا".

تمثل الجريمة التي وقعت في قضاء بلد، بمحافظة صلاح الدين، ويعتقد أن مليشيا "عصائب أهل الحق" متورّطة بها، تمثل، على بشاعتها، فرصة مهمة لحكومة مصطفى الكاظمي لفرض إرادة الدولة، وتحويلها إلى ملاذ يحقق الأمن لكل مواطنيها. يمكن للكاظمي الاستفادة من النقمة الشعبية الشديدة التي خلفتها الجريمة في أوساط العراقيين جميعا، السنّة والشيعة، في استعادة هيبة الدولة وضبط المليشيات التي عاثت في العراق فسادا. الضعف والتردّد في هذا المجال لن يزيد المليشيات إلا جرأة وتنمرا، كما أن العمل على بسط سيادة الدولة وسلطتها لا يكون بالحصول على إذن دولة أجنبية، أو التوسط لديها لكبح جماح مليشياتها، وإقناعها بوقف هجماتها على السفارات الأجنبية، بل يكون بمواجهةٍ حازمةٍ مع أي نفوذ أجنبي، يسعى إلى تقويض سلطة الدولة، ويتدخل في شؤونها الداخلية، فيسلح ويمول جهات خارجة عليها.

لا نريد القول إن الكاظمي بدّد فرصة ذهبية في استعادة سلطة الدولة العراقية، في لحظة ضعفٍ شديدة واجهتها إيران خلال العام 2020، لكن التردّد والضعف الذي أبداه في مواجهة تجرؤ المليشيات على سلطته، قوّضت، إلى حد بعيد، من هيبة الدولة التي يمثلها. لقد مثلت المواجهة مع مليشيا "كتائب حزب الله" الصيف الماضي نقطة فاصلة في هذا المجال، حيث تراجعت الحكومة عن خطوتها باعتقال عناصر من اللواء 45 التابع للكتائب، يُشتبَه في ضلوعهم في إطلاق قذائف على المنطقة الخضراء، بعد أن قامت هذه الأخيرة بحصار المقر الرئيسي لجهاز مكافحة الإرهاب الذي نفذ عملية اعتقال عناصرها.

لا ينكر المرء التحدّيات الكبرى التي يواجهها الكاظمي في محاولته تفكيك شبكة مصالح كبرى نشأت بعد الغزو الأميركي للعراق، وازدهرت في فترة الهيمنة الإيرانية على البلد، تتداخل فيها المنافع المالية، ويعمها الفساد بين سياسيين ومليشيات وقوى وأحزاب عابرة للحدود، وعدم استناده إلى كتلةٍ سياسيةٍ في البرلمان، وصعوبة الركون إلى شخصيات قيادية متقلبة بتقلب الريح الإقليمية، وحجم الغنائم السياسية، لكن من جهة أخرى ما زال الكاظمي متردّدا في الاستقواء بالشعب العراقي الذي ثبت خلال العام الماضي أن قدرة إيران على اختراقه كانت أقل بكثير من قدرتها على اختراق نخبه السياسية وقواه الحزبية. لقد قال العراقيون إنهم يريدون وطنا، أي دولة قوية ذات سيادة، تغيب عن وجهها سلطة مليشيات تأخذ أوامرها ورواتبها من وراء الحدود، وعلى الكاظمي أن يستجيب بسرعة لهذا النداء، أو يقرّ بعجزه، فالنافذة أمامه تضيق، والوقت ليس في صالح العراق.