فهلوية ماكرون

11 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

المظاهرات العنيفة في باريس أخيرا ضد قانون "الأمن الشامل" علامة واضحة على أن الديمقراطية الفرنسية في تراجع ملحوظ في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، مثلما كان عليه الأمر خلال فترة حكم الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي (2007 - 2012). وهذه ليست التحرّكات الاحتجاجية الأولى خلال سنوات ماكرون، بل سبقتها حركة السترات الصفراء التي استمرت عدة أشهر، وألحقت أضرارا بالاقتصاد في المقام الأول. وكان من المتوقع أن يستخلص الرئيس الفرنسي دروسا من ذاك الحراك الشعبي، ويعيد النظر بسياساته النيوليبرالية، ولكنه ترك العاصفة تهدأ واستمر على النهج نفسه، بعدما تخفّى خلف وباء كورونا.

وماكرون الذي وصل إلى الحكم في مايو/ أيار 2017، بقي له من مدّته الرئاسية قرابة عام ونصف العام، ومن المقرّر أن يواجه مصيره في مايو 2022، فإما أن يكسب ولاية رئاسية ثانية، أو يسقط مثلما سقط ساركوزي الذي يواجه دعاوى في المحاكم بسبب الفساد. ومع أن ماكرون لقي استقبالا جيدا من الشارع الفرنسي الذي صوّت له على بياض، لأنه من دون ماض سياسي، إلا انه لم يستثمر ذلك الرصيد من أجل إحداث نقلةٍ عامةٍ تحتاجها فرنسا التي شاخ فيها نظام الحكم، وعوّلت على رئيسٍ شابّ مثله أن يقتحم المرحلة، ويذهب نحو ثورةٍ في مفاهيم الحكم قبل كل شيء، لا البقاء في دوامة الأحزاب السياسية التي تتصارع منذ ثلاثة عقود على كسب ناخبي اليمين العنصري المتطرّف. وهذا ما يبدو أن الرئيس الفرنسي وجد نفسه يقع فيه من أجل الفوز بولايةٍ رئاسيةٍ ثانية. ولذا لم يأت من فراغ الجدل الذي أثاره ماكرون في فرنسا وخارجها، بعد أن صرّح إن الاسلام يعيش أزمة، وأعلن عن عزم فرنسا التصدّي لما سماها "الانعزالية الإسلامية"، زاعما أنها تسعى إلى "إقامة نظام مواز" و"إنكار الجمهورية". 

وكان يمكن للرئيس الفرنسي أن يكتفي بهذا التشخيص، ويفتح ورشة نقاشٍ فكريٍّ وثقافي يخرج بخلاصاتٍ، تساعد فرنسا ومسلميها على تجاوز المأزق المشترك، المتمثل في تراكماتٍ كبيرة قائمة على سوء الفهم والتفاهم، إلا أنه ذهب نحو إجراءاتٍ ذات طابع أمني، لا تقود إلى حلول للمشكلات، بل تفاقمها وتؤدّي إلى تعقيدها. والملاحظ هنا أن ماكرون لا يبدو أنه يتعامل مع هذا الملف من مكانه رجلا أول في الدولة، بل يبدو أنه يستعير وسائل اليمين المتطرّف لمقاربة الأزمة، الأمر الذي قد تكون عواقبه سيئة، فالمسألة ليست مسألة قوانين يمكن للبرلمان أن يفتي فيها، بل هي قضية ذات أبعاد متعدّدة، تحتاج إلى حوار صريح بين الجمهورية الفرنسية وأبنائها المسلمين الذين لهم الحق في حبها وحنانها، أسوة ببقية الأبناء الآخرين. 

مشهد فرقة الخيالة في الحرس الجمهوري الفرنسي تتقدّم موكب ماكرون والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم الاثنين الماضي، وهو يعبر الجسر من ساحة الكونكورد نحو البرلمان الفرنسي، إساءة إلى فولتير في قبره. ذلك أن استقبال السيسي في باريس يعدّ إهانةً للحرية التي تشكل باريس منارةً من مناراتها. مخجلٌ لرئيس فرنسا البلد الذي يفاخر بقيم الجمهورية والثورة وحقوق الإنسان أن يفتح باب القصر الرئاسي أمام السيسي الذي حوّل مصر إلى سجن كبير. ومهما كانت المبرّرات خلف هذه الزيارة، فإن فرنسا يجب أن تظل أرفع من الحسابات الصغيرة التي لا تليق ببلد التنوير والثقافة. ويشكل ذلك إساءةً كبيرةً لصورة فرنسا في العالم العربي الذي يعاني من مشكلاتٍ كثيرة، في مقدمتها الانتهاكات بحق الديمقراطية من الحكام، سواء في مصر أو سورية والعراق والجزائر.. إلخ، ويشعر الشارع في هذه البلدان بالغضب والإحباط، وهو يرى باريس تفتح ذراعيها لحكامٍ لا رصيد لهم سوى بناء السجون.