فصام الجوائز الأدبيّة

27 أكتوبر 2020
الصورة

(عبدالله الحريري)

+ الخط -

ما الذي فعلته الجوائزُ الأدبيّة العربيّة بنا، أدباء ومثقّفين ونقّادًا وأهلَ اختصاص؟ سؤالٌ يُطرح مع توزيع الجوائز كلّ عام، وقد أثارته، أخيرًا، معي الكاتبةُ اللبنانية الشّابة وطالبةُ الدكتوراه، كاتيا الطويل، التي تعدّ أطروحةً في جامعة السّوربون في باريس بعنوان "الجوائز الأدبية الممنوحة، آليتها وتاريخها وآثارها على القراءة والكتابة والنشر". والحال أن الإجابة التي أعطيتُها، ويُحتمل أن تكون إجابةَ كثيرين غيري من الكُتّاب، لن تجدَ قريبًا طريقَها إلى العلن، بل هي لن تُقال ألبتّة ربّما، نظرًا لما قد يترتّبُ عليها من عواقب. وإن كنتُ لا ألوم أولئك أو هؤلاء على سلوكهم ومواقفهم، فإن مقاربة الموضوع تفرض ذاتَها، وقد بلغت قصّتنا مع الجوائز الأدبية العربية وضعًا غريبا يستحيل تجاهلُه.

اليوم، ومهما تعدّدت التجاوزاتُ، أنتَ لن تجدَ تعليقًا أو موقفًا يأتي من مثقَفٍ أو كاتبٍ أو ناقدٍ، اللَّهم إلا إذا كان مدفوعًا بأمرٍ لا يمتُّ بصِلة إلى الهمِّ الثقافيّ. لذا، فلنضع جانبًا جيوشَ المهاجمين المنتقدين الناشطين ضدّ حدثٍ أدبيٍّ ما، بفعل الانحياز لسياسةٍ وحزبٍ ونظامٍ وأيديولوجيا، وليس تأييدا لمعاييرَ موضوعيّة تتّصل بجودة الإبداع، وضَرورة تقديمها على أيّ شيءٍ سواه. على صفحته الفيسبوكية، هنّأ الأديبُ المصريُّ، الصَّديق إبراهيم فرغلي، الشاعرَ عماد أبو صالح بمناسبة فوزه بجائزة سركون بولص للشّعر، قائلا: "تحية للشّعر الجميل، ولعَدَالة هذه الجائزة". ولقد استوقفتني طويلا عبارةُ "عدالة الجائزة"، لثراء دلالاتها ومعانيها وانطباقها على واقعنا تعيسِ الحال. لكنها، في المقابل، دفعتني إلى التساؤل: هل ثمّة من يجرؤ بعد على الكتابة والجهر بـ "لا عدالة الجوائز"، حين تكون تلك هي الحال؟ لطالما قيل إنّ الأديبَ العربيَّ، عامّةً، مكمومُ الفم مغلولُ اليدين بسبب حاجته الفعليّة إلى مالٍ تُغدقه عليه الجوائزُ الأدبيّةُ العربيّة. ومع ذلك، لن يكون مفهومًا، أو مقبولًا، أن يحوَّله ذلك بوقَ دعاية، أو مثقّفَ سلطة، أو كفيفًا يدّعي عمى الألوان وعدم القدرة على التمييز، فالجوائز لم تُصْنع للتدجين الثقافيّ، والجائزة يُفترض أن تحرَّر من ينالها، لا "ماديا" فحسب، بل وأيضا إنسانيًا وثقافيًا وأخلاقيًا، بدل ضمّه إلى جوقة "كُتّاب الجوائز" من الصَّامتين والمُداهنين أملًا بمزيد من الكسْب الماديّ والمعنويّ. والأمرُ ليس بذي اختلافٍ كبير، إن لم يكنْ أسوأَ، بالنسبة إلى جَحافل النُقّاد وأهل الاختصاص والصحافة الذين يكمّمون أفواهَهم، ويغمضون أعينَهم خوفًا من إدراجِهم في لائحةٍ سوداءَ تقطعُ الطريقَ أمام سعيهم إلى منصب، دعوة، كسب ماليّ، وأحيانا إلى باب رزقٍ مُتاحٍ لن يقعوا على سواه بسهولة، في ظلّ الأوضاع الاقتصادية السوداء. 

ولكي لا يُقال إنّي أستثني نفسي من هذا التوصيفِ السلبيّ، فقد رُشِّحت روايتي الأخيرة "مستر نون" (دار الآداب، بيروت، 2019) إلى الجوائز الأدبيّة الأساسيّة الثلاث لهذا العام، ولم تفزْ بأيٍّ منها، برغم كلّ ما قيل فيها من نقدٍ إيجابيٍّ، وإدراجها في لوائح ترشيحات القرّاء للجوائز، وتوقّع نقّاد يتمتّعون بالمصداقية والاحترام الفوز لها، وحتى استنكار استبعادها من القوائم الطويلة كما حصل مع الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر)، ومن ثم من القصيرة مع جائزة الشيخ زايد للكتاب، وأخيرًا أيضا مع جائزة كتارا للرواية العربية. (تجدون المقالاتِ المُشارَ إليها على صفحتي الفيسبوكية). بالنسبة لـ "بوكر"، كُتب في الصَّحافة إنها استُبعدت بسبب وجود عُضوٍ في لجنة التحكيم، اتجاهُه السياسيّ مناهضٌ لنشاطي الدَّاعم للثورة. وفي ما يخصّ "الشَّيخ زايد"، وبرغم طلبها للمشاركة، اتّضح لاحقا أنها لم تكن حتى مُدرَجة برغم استكمال تسجيلها رسميًا؛ ولولا تدخّل أحدهم، في اللحظة الأخيرة وقبل إعلان القائمة الطويلة، لما كانت لتكون فيها أصْلًا. أما "كتارا"، فيبدو أن "مستر نون" لم تسترعِ انتباهَ أيٍّ من أعضاء القراءة أو لجان التحكيم. (أسوقُ هذا كلَّه مع قبولي واعترافي بأن معايير الاختيار تعود عامّةً وبنسبة كبيرة لذائقة أعضاء التحكيم وميولهم)...

الحاصِلُ، رشّحتُ "مستر نون" التي أصدرتُها بعد صمت 15 سنة، أملا في عودة ناجحة إلى أحضان القرّاء، على ما نصحتني ناشرتي، وأملا بفوز مادّيٍ يمنحني حريةَ مواصلة الكتابة. والحقّ يُقال، لقد حرّرني عدمُ فوزي من ثقلٍ ما، إذ أبقى جناحيَّ خفيفيْن وعزّز طبيعتي المشاكسة، ذلك أنّ جوائزَنا الأدبيّة، وما يتصلُ بها من مكاسب وخسارات، تُصيبنا بفصامٍ حقيقيّ لا تصنعُه ذنوبٌ فردية، وإنما لوثةٌ عربيّةٌ مستحدثةٌ تُبعدنا عن المتنِ إلى الهامش، وتأخذنا من ذواتنا لتحوّلَنا إلى أدوات.