عن وزن عشائري مفقود

عن وزن عشائري مفقود

15 يناير 2022
الصورة
+ الخط -

تقتضي معرفة شعب ما في لحظة معينة من تاريخه معرفة بيئته، وخصوصا ماضيه؛ لأن تأثير النسق التاريخي يظل عصياً على الزوال، كحال دور العشائر في أيّ منطقة ومكانتها وما فعلت أو ما يُمكن لها أن تفعل. لكن العشائر في أغلب المحافظات السورية لم تكن المخطط للفعل السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أو الميداني فحسب، بل لم تشارك في صناعة القرار السياسي أو الاجتماعي أيضاً، في وقتٍ يُمكن لها أن تلعب دوراً بارزاً بما تملكه من أوراق قوة وكتلة بشرية، فوجدت نفسها منخرطةً ضمن إيقاع حركي محدّد سلفاً منذ استلام حزب البعث السلطة، بل كانت العشائر العربية سابقا من دون وزن سياسي خارج التأطير المشكل من هذا الحزب، واقتصر وضعها على الرضا عنهم والتعيين ضمن التمثيل العشائري في المجالس الحزبية بتسمياتها المختلفة ومجلس الشعب، ولم يكن من الممكن وصول أحد "الوجهاء" أو ممثل عن عشائرهم من دون دعم وتعيين مغلف بطابع الاستغلالية والانتخابات لمصلحة الحكومة السورية.

وضمن التغيرات العميقة التي طاولت حركة التواصل الاجتماعي في سورية عموماً، وشمال شرق سورية خصوصاً، تعرّضت العشائر لثلاثة انشقاقات في صُلب وجودها البشري وبنيته، خصوصا العربية منها، والتي انقسمت إلى جناح مسلح مؤيد للحكومة السورية، وتم تحريكه بالضد من وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومنها من سبق أن حملت راية المواجهة ضد الكرد، خصوصا في أحداث عام 2004 وغيرها. وجناح أصبح يتبع تركيا دفع بشبابه صوب تشكيلاتٍ تُعرف بـ"الجيش الوطني"، وهي التي تركت وغيرت كل ما راكمته من بيانات وأدبيات ولوائح إجرائية التي وجهته صوب السلطة في دمشق، وتفرّغت لـ"قسد" وحدها، وكانت بذلك نقطة تحول معاكسة للشعارات التي جمعت السوريين. وجناح ثالث شكلته الإدارة الذاتية، مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، سواء في مواجهة الجناحين السابقين، أو لتصبح الذراع المجتمعية لها ضمن الحواضن المدنية والريفية، وخصوصا العربية في شمال سورية وشرقها. أي أن المرحلة الجديدة للعشائر في محافظة الحسكة وعموم شمال سورية وشرقها بدأت مع توجه الإدارة الذاتية (مسد) إلى تشكيل مجالس عشائرية كردية، وعربية، وكردية عربية مشتركة. وربما جاز القول إن تلك الأجسام، وعلى اختلاف مسمياتها ومناطق اشتغالها في الشأن العام، كان يمكنها أن تشكل نوعاً من الأمان المجتمعي، وعلى القواعد الاجتماعية قبولها، والانسياب مع قراراتها، خصوصا إذا حققت مُنجزات جلبت الفائدة الشعبية المرجوّة مع استمرار النفس العشائري في المنطقة، القائم على أساس وشائج وارتباط تاريخي ونفسي وامتداد لنسق علاقاتي قوامه توارث المشيخة أو النسب الاجتماعي من الأجداد إلى الآباء إلى الأبناء. وكان يمكن للإدارة الذاتية والمجلس الكردي أن يحظيا بكسبٍ اجتماعي ونفسي، وتالياً سياسي، لو لم يتم التهميش وبنمطيتين مختلفتين، حيث إن الإدارة الذاتية اعتمدت، في أغلب تشكيلاتها، على خلط شخصيات ذات منشأ وزعامة تاريخية ومن أصحاب تراكم وإرث مجتمعي سياسي وثقافي، وكانت بنسبة قليلة جداً، مقارنة بأخرى فاقدة الجذر العشائري. وهذه لوهلة يمكن القول إنها ستُحسب لها، إذ لا يمكن إقصاء شرائح اجتماعية لمجرّد أنها لا تنتمي إلى أنساب مجتمعية راسخة أو خلفية عشائرية وازنة، لكن جذر القضية لا يعود إلى التقدير الاجتماعي فقط؛ ففي ظل التغيرات التي طاولت البنى الاجتماعية التقليدية للريف والعشائر، والتبدلات التي حصلت في طبيعة المعيشة الاقتصادية، فإن المكانة الاجتماعية تغيرت معها، تبعاً لما يُمكن لمتصدّر المشهد العشائري من تأمينه بما يملكه من نفاذ سياسي - سلطوي، في حين أن الكتّل المختلفة للتشكيلات العشائرية التي أسستها الإدارة الذاتية لم تحصل على مساحات عملٍ كافية، ولم تتمكن من الإيفاء بأبرز فعلين - ملفين رئيسيين مركزيين شائكين، متعلقين بصُلب العمل العشائري، وهما الاقتصاد والدعم السياسي.

غاب عن ذهنية الإدارة الذاتية والمجلس الكردي أن أبناء الريف كسروا طوق غياب التقدّم والتحصيل العلمي عن أنفسهم

في راهن الحال، تحتاج القواعد الاجتماعية الريفية والمجتمع المحلي في حواضن المدن إلى فعلي الإفادة الاقتصادية ودعم قطاع الزراعة للأرياف، الأمن الوطني وفروعه، قضايا الحوكمة والعدالة الاجتماعية، والإفادة الاجتماعية النفسية والأسرية للسياسيين المعتقلين لدى الإدارة الذاتية، والتدخل لرأب الصدع السياسي بين الأطراف المتخاصمة، الكردية منها على وجه الدقة والعمق، لكن دورها الرسمي كتنظيمات/ تجمعات انحصر في ممارسة مهمة تقديم الاستفادة المتبادلة بينها وبين السلطة، من دون السماح لها بالانخراط في المواجهات/ المناقشات السياسية المتعارضة مع السياسات العامة للإدارة الذاتية. وتالياً، بقيت كتل العشائر الكردية والعربية من دون الفاعلية المأمولة والمطلوبة أمام الأخطار المحيطة بالمنطقة؛ لأن نوعية العلاقات والصلاحيات تلعب دوراً رئيسياً في تحديد مستوى التهديدات الأمنية المحيطة بالمنطقة، وآلية مواجهتها اجتماعياً وعشائرياً. ومع استمرار فقدان الفاعلية السياسية والميدانية لتلك العشائر، بقي دورها بعيداً عن تثبيط تلك التهديدات، وانحصر دور العشائر العربية سياسياً في إطلاق سراح معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سجون "قسد"، والذين قيل إنهم لم يُشاركوا في عمليات قتالية، في حين لم تحصل كتلة العشائر الكردية حتّى على جزئية إطلاق سراح معتقل سياسي، ولم تتمكّن من تأمين مجرد لقاء لمعتقل كُردي سياسي مع أهله، كما لم يُبادر المجلس الكردي أيضاً إلى استغلال هذه الهوّة الكبيرة التي كان من شأنها تقريب العشائر الكردية إليها، ولو على مستوى قمة الهرم العشائري أو الاشتغال على البنية التحتية للعشائر وتوسيع قواعدها التنظيمية ضمنها.

ما غاب عن ذهنية الطرفين (إدارة ذاتية ومجلس كردي) أن أبناء الريف كسروا طوق غياب التقدّم والتحصيل العلمي عن أنفسهم، لكنهم بقوا أسرى الحصار الذي مورس عليهم أكثر من نصف قرن في سورية، زاد الوضع تعقيداً ما شهدته الأرياف من عمليات عسكرية جاءت على أغلب أنماط العيش والبيئة الحاضنة لها، من دون أي ترميم أو إعادة أعمار للريف، وهو ما دفع بكتلة أبناء الريف إلى الخضوع لصراع نفسي ما بين الانتقال إلى العيش في كنف التمدن ومتطلباته والعيش وسط الفوضى والخراب، وإهمال النُخب الكردية لهم ولمشاركتهم في صناعة القرار بمختلف ميادينه، وربما غاب عن ذهن الوطني الكردي تحديداً أن أبناء الأرياف - العشائر ستكون لهم يد طولى في رسم معالم أول سلطة ديمقراطية تحكم عبر صناديق الانتخابات النزيهة. ولكن الملاحظ أن أيّ كتلة سياسية، مدنية، حزبية، إدارية، لم تلجأ إلى التحريض النفسي أو السياسي للأرياف، لتكوين صلة تنظيمية وفكرة صحيحة يتبادل الطرفان أبناء الريف - النخب السياسية المنفعة والعمل المشترك خارج الطرق التقليدية المتبعة منذ زهاء نصف قرن بشأن ضمهم إلى التنظيم الحزبي وفقط، وحتّى الإدارة الذاتية والتي ربطت مفاصل الحياة بـــ"الكومينات" لم تقدم لهم سبل الاستقرار والبقاء في الأرياف، أو كيفية تخديم القرى بما يساهم في زيادة الرغبة بالعودة إلى الريف، ولم ينتبه الطرفان إلى أن غياب ثقافة احترام النظريات التقليدية المتعلقة بالعمل السياسي والتنظيمي والإداري لأبناء العشائر والريف، تسبب بعدم الاشتغال على ردم هوّة التباعد بينهم وبين الريف.

لم يرتق الدور العشائري الحالي في ظل الإدارة الذاتية إلى مستوى إمكانية التحكّم بمستويات التهديدات الأمنية

لذلك لم يرتق الدور العشائري الحالي في ظل الإدارة الذاتية إلى مستوى إمكانية التحكّم بمستويات التهديدات الأمنية، ولم تتحوّل إلى قوة تنظيمية يُمكنها لعب دور في تغيير موازين أي انتخابات، ولم تتمكّن من لم شمل أبناء الريف حولها، إنما بقيت ضمن الإيقاع المحدّد لها مسبقاً، والاكتفاء بوجوه عشائرية تلعب دوراً مرسوماً محدّداً، وهو ما شكل تناقضا مطلقا بين الرغبات الشعبية والعمل الجمعي المراد والمطلوب من أعضاء تلك المجالس، خصوصا وأن الإعلان والتبريرات الخطابية وحدها ما عادت كافية للتحكّم بالتوجهات والانتماءات لأبناء الريف، وليس من الغرابة الوصول إلى علاقة مهترئة بين الريف وتلك الكتل العشائرية وبين أبناء الريف والمجلس الكردي أيضاً؛ كونها لم تستثمر الفرص التي أتيحت لها منذ بداية تشكيلها.

الرغبة في الحصول على تاريخ جديد لدور فعال وإيجابي للعشائر يبدأ من الاعتراف أن التاريخ العشائري في صناعة مستقبل المنطقة يجب أن يتألف من سلسلة محطات جديدة منفصلة ومبتعدة عن سابقاتها، فتاريخ تبخيس قدرها وقيمتها وأهميتها وضرورتها الذي امتد نصف قرن، لا بد له أن يسقط ويلغى عبر الإتيان بنمط جديد من المعقولية والفاعلية، وأن يسجل لهم التاريخ دورهم الجديد في التماسك والتنشئة الاجتماعية، بما يخدم الهندسة الاجتماعية نفسها، بدلاً من الارتهان إلى المصادفات التاريخية والحديثة في إيجاد سلطة عشائرية قبلية لبعضهم، من دون أرضية، ثم من دون فاعلية أو نفاذ، فالعشائر الكردية والعربية كانت الرافد الرئيسي للحركة السياسية وصمام أمان لقضايا عديدة خلافية خطيرة، وتاليا كانت الأرضية لأيّ استقرار، عدا عن أن المضافات كانت بمثابة مسرح أو تراث أو مصدر لنقل اللغة والأمثال الشعبية والأغاني الفلكلورية والزي التقليدي الفلكلوري الذي يعتبر جزءا من أرضية التشييد الهوياتي وتشكيل أساس للتطور الثقافي.