عن هجوم الابتسامات الفلسطيني

19 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

حميماً ودافئاً كان لقاء الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، ظهر الأحد الماضي، مع مائتي طالب إسرائيلي في مقر المقاطعة برام الله. ومن باب الاستدفاء بقليل من حرارة ذلك اللقاء الأبوي، الذي افتتحه أبو مازن بعبرية فصحى "شلوم عليخم"، لا بد من الوقوف على عناوين رئيسية تحدث فيها الرئيس في لقاء وصفه موقع صحيفة يديعوت أحرونوت بهجوم الابتسامات الفلسطيني، مشيراً إلى ما سمّاه "محاولة القيادة الفلسطينية مخاطبة قلب المجتمع الإسرائيلي". تحدث أبو مازن، الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته الرئاسية الدستورية منذ العام 2009، عما سماه "الحل الأخلاقي" لقضية اللاجئين، وعن "موافقتنا"، كأنه يتحدّث هنا بتفويض شعبي مفتوح "لتبادل الأراضي في سياق اتفاق على أساس حل الدولتين". وحتى أن الرئيس تحدّث باسم حركة حماس، وأخبر ضيوفه بأن "حماس ستعترف باتفاق سلام مع إسرائيل". وبقلبه الطيب، وصراحة لا غبار عليها، قال "فإذا لم يتحقق السلام، وأضع خطاً أحمر تحت ما أقوله لن نعود إلى العنف". طبعاً العهدة في الرواية تقع على عاتق الصحافة الإسرائيلية التي أفردت تغطية مهمة للقاء. أما وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، الرسمية، فلم نجد للخبر أثراً على موقعها الرسمي، ولا تحت باب أخبار الرئاسة.

يَشي ما نُقل من داخل الاجتماع الذي وصفته الصحافة الإسرائيلية بالصريح، وقال أحد كبار الصحافيين الإسرائيليين عنه "هذه أول مرة يخاطب فيها قائد فلسطيني الجمهور الإسرائيلي مباشرة وبهذا الشكل الصريح"، فإن الرئيس أراد اختراق قلوب الحاضرين من الإسرائيليين (طلاباً وصحافيين)، ولم يرد كسر تلك القلوب الرقيقة. لذلك لم يتطرق سيادته لأي من العناوين التي عادة ما يطرحها على الضيوف الأجانب (غير الإسرائيليين). على سبيل المثال لا الحصر، ما قاله بكل صراحة لوفد طلاب من جامعة هارفارد الأميركية، وردت تفاصيله على الموقع الرسمي لوكالة "وفا" (23 /3 /2019)، وتحدث خلاله الرئيس "نحن دولة تحت الاحتلال .. والأوضاع الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وإجراءاته التعسفية". وطبقاً لما نقلته الصحافة الإسرائيلية، ولا نعرف غيرها في غياب أي مصدر فلسطيني، يبدو أن الرئيس تجنب إطلاع ضيوفه الإسرائيليين على أحوال 4400 أسير فلسطيني، منهم 40 أسيرة ونحو 170 طفلاً. ولم يشأ إخبارهم عن عمليات الاغتيال التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في مناطق من المفروض أنها خاضعة للسيطرة الفلسطينية، ولم يُرد كسر قلوبهم الصغيرة بصور تهديم المنازل، وحرق أشجار الزيتون، وتجريف الأراضي، واعتداءات المستوطنين على تلاميذ المدارس وأملاك المواطنين .. إلخ. على الأرجح، أن الرئيس لم يشأ نكء الجراح وتعكير صفو اللقاء العاطفي، فالغاية من الاجتماع كسب قلوب الطلاب الإسرائيليين لا كسرها، والتأثير في عقول النخبة الإسرائيلية لا تحريضها، فالتحريض غير مقبول، وقد دعا الرئيس في الاجتماع إلى تشكيل لجنة لإزالته، من الجانبين.

لن يجدي نفعاً الحديث عن تجاوزات الرئيس كل حدود صلاحياته، إن بقي له صلاحيات أو صلاحية. ولا يفيد النبش في حدود وصاية الرئيس الفلسطيني على الشعب الفلسطيني وحقوقه. الواضح أن الرئيس يتصرّف، منذ سنوات سبقت رئاسته، على أساس امتلاكه دفتر تفويض مفتوحا يقطع ما يشاء من شيكاته البيضاء، ويصرف ما يشاء، لمن يشاء، كما يشاء. أما الاستمرار في فرض حلول فشلت وشبعت فشلاً عبر ما يزيد عن نصف قرن، فيجب التصدّي له، لأن فيه مصادرة لمستقبل الشعب، كما كان فيه تفريط بماضيه وحاضره. من حق الشعب وحده تقرير مصيره، وتحديد خياراته المستقبلية مع المحتل، من دون ضغط من قيادات غير منتخبة، لا شرعية لها، ما برحت تقدم مزيدا من التنازلات من باب كرم الضيافة.

إن قُدّر للانتخابات الفلسطينية الموعودة أن تُجرى، مع تزايد الشكوك بذلك، فإن إعادة القرار إلى الشعب الفلسطيني ومؤسساته الشرعية والمنتخبة يجب أن تكون أولوية بعد تجاوز نظام "أوسلو"، وقد أفلس و لم يعد عنده إلا الابتسامة، وبضع كلمات طريّة يتأتئها بالعبرية.